فهرس الكتاب

الصفحة 2031 من 11127

1284 - (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) بفتح العين وسكون الموحدة، عبد الله بن عثمان أبو عبد الرَّحمن (وَمُحَمَّدٌ) هو ابن مقاتل (قَالاَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ) هو ابن المبارك (قَالَ أَخْبَرَنَا عَاصِمُ بْنُ سُلَيْمَانَ) الأحول (عَنْ أَبِي عُثْمَانَ) عبد الرَّحمن بن مَلّ _ بفتح الميم وتشديد اللام _ النَّهدي، وقد مرَّ في «الصَّلاة كفارة» [خ¦526] ، وفي رواية شعبة في أواخر «الطِّبِّ» [خ¦5655] عن عاصم سمعت أبا عثمان.

(قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ) بن حارثة حِبُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ومولاه، وأمه أمُّ أيمن واسمها بركة حاضنة النَّبي صلى الله عليه وسلم ومولاته، وورثها من أبيه وأعتقها حين تزوَّج خديجة وزوجها لزيد مولاه فولدت له أسامة، وقد مرَّ في «إسباغ الوضوء» [خ¦139] .

(قَالَ أَرْسَلَتِ ابْنَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) هي زينب، كما وقع في رواية أبي معاوية عن عاصم المذكور في «مصنف ابن أبي شيبة» وكذا ذكره ابن بشكوال (إِلَيْهِ) صلى الله عليه وسلم (إِنَّ ابْنًا لِي قُبِضَ) على صيغة المجهول؛ أي قَرُبَ من أن يُقبض، فهو مجازٌ باعتبار أنَّه في حال القبض، ويدلُّ عليه أنَّ في رواية حمَّاد (( أرسلت تدعوه إلى ابنها في الموت ) )قيل إنَّ الابن المذكور هو علي بن أبي العاص بن الربيع كذا كتب الدِّمياطي بخطِّه في الحاشية.

ونظر فيه الحافظ العسقلانيُّ بأنَّه لم يقع مسمى في شيءٍ من طرق هذا الحديث، وأيضًا، فقد ذكر الزُّبير بن بكَّار وغيره من أهل العلم بالأخبار أنَّ عليًّا المذكور عاش حتَّى ناهز الحلم، وأنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم أردفه على راحلته يوم فتح مكَّة ومثل هذا لا يقال في حقِّه صبي عرفًا وإن جاز من حيث اللغة.

وتعقَّبه العينيُّ بأنَّه لا يلزم من عدم اطِّلاعه على أنَّ الابن المذكور هو عليٌّ في طرق هذا الحديث أن لا يطلع عليه غيره من طريقٍ من الطُّرق التي لم يطَّلع هو عليها، ومن أين له إحاطة جميع طرق هذا الحديث أو غيره، والدِّمياطي حافظٌ متقنٌ وليس ذكر هذا من عنده؛ لأنَّ مثل هذا توقيفيٌّ فلا دخل للعقل فيه فلو لم يطَّلع عليه لم يصرِّح به.

ج 6 ص 275

وقوله «لا يقال في حقه صبي عرفًا» ممنوعٌ بل يقال إلى أن يقرب من البلوغ عرفًا، وأمَّا الصبيُّ في اللغة فقد قال ابن سيده في «المحكم» الصَّبي من لدن يولد إلى أن يفطم، والجمع أَصْبية وصِبْية وصِبْيان، هذا وقال الحافظ العسقلانيُّ ووجدت في (( الأنساب ) )للبلاذُريِّ إنَّ عبد الله بن عثمان بن عفان رضي الله عنهما من رقيَّة بنت النَّبي صلى الله عليه وسلم لمَّا مات وضعه النَّبي صلى الله عليه وسلم في حجره، وقال (( إنَّما يرحم الله من عباده الرُّحماء ) ).

وفي «مسند البزار» من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال ثقل ابنٌ لفاطمة رضي الله عنها فبعثت إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم فذكر نحو حديث الباب، وفيه مراجعة سعد بن عبادة في البكاء فعلى هذا فالابن المذكور محسن بن عليٍّ رضي الله عنهما.

وقد اتَّفق أهل العلم بالأخبار أنَّه مات صغيرًا في حياة النَّبي صلى الله عليه وسلم، فهذا أولى أن يفسَّر به الابن المذكور إن ثبت أنَّ القصَّة كانت لصبيٍّ، ولم يثبت أنَّ المرسلة زينب رضي الله عنها لكنَّ الصَّواب في حديث الباب أنَّ المرسلة زينب وأنَّ الولد صبية، كما ثبت في «مسند أحمد» عن أبي معاوية بالسَّند المذكور، ولفظه أُتي النَّبي صلى الله عليه وسلم بأُمامة بنت زينب، وهي لأبي العاص بن الربيع ونفسها تقعقع كأنَّها في شنٍّ.

ووقع في رواية بعضهم أميمة، بالتَّصغير، وهي أمامة المذكورة، فقد اتَّفق أهل العلم بالنَّسب أنَّ زينب لم تلد لأبي العاص إلَّا عليًّا وأمامة فقط.

فإن قيل إنَّ أهل العلم بالإخبار قد اتَّفقوا على أنَّ أمامة بنت أبي العاص من زينب بنت النَّبي صلى الله عليه وسلم عاشت بعد النَّبي صلى الله عليه وسلم حتَّى تزوَّجها علي بن أبي طالب رضي الله عنه بعد وفاة فاطمة رضي الله عنها ثمَّ عاشت عنده حتَّى قُتِل عنها.

فالجواب أنَّه قد سبق أنَّ المراد بقوله قُبِض؛ أي قارب أن يقبض، فعلى هذا يكون الله تعالى أكرم نبيه صلى الله عليه وسلم لمّا سلَّم لأمر ربِّه وصبَّر ابنته، ولم يملك مع ذلك عينيه من الرَّحمة والشَّفقة بأن عافى ابنة ابنته في ذلك الوقت فخلصت من تلك الشِّدَّة وعاشت تلك المدَّة، فهذا ينبغي أن يذكر في «دلائل النبوة» .

وفي رواية شعبة «إنَّ ابنتي قد حضرت» . وعند أبي داودٍ من طريقه «إنَّ ابني أو ابنتي» .

وقوله «أو ابنتي» ، شكٌّ من الراوي، والصَّواب قول من قال «ابنتي لا ابني» .

ويؤيِّده ما رواه الطَّبراني في ترجمة عبد الرَّحمن بن عوف رضي الله عنه في «المعجم الكبير» من طريق الوليد بن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوف، عن أبيه، عن جدِّه قال استُعِز بأمامة بنت أبي العاص، فبعثت زينب

ج 6 ص 276

بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه تقول له، فذكر نحو حديث أسامة وفيه مراجعة سعدٍ في البكاء.

وقوله استُعِزَّ _ بضم المثناة الفوقية وكسر العين المهملة وتشديد الزاي _ أي اشتدَّ بها المرض وأشرفت على الموت.

هذا وقال العينيُّ الصَّواب قول من قال ابني لا بنتي، كما نصَّ عليه في رواية البخاريِّ من طريق عبد الله بن المبارك [حديثنا هذا] ، وجمع البرماويُّ بين ذلك باحتمال تعدُّد الواقعة، والله أعلم.

(فَائْتِنَا، فَأَرْسَلَ) صلى الله عليه وسلم (يُقْرِئُ) عليها (السَّلاَمَ) بضم الياء، وروي بفتحها. وقال ابن التِّين ولا وجه له إلَّا أن يريد يقرأ عليك، وذكر الزَّمخشري عن الفرَّاء يقال قرأت عليه السَّلام وأقرأته السَّلام.

وقال الأصمعيُّ لا يقال أقرأته السَّلام، وقال الزَّمخشري والعامَّة تقول قرأتُ السَّلام بغير همز وهو خطأ.

(وَيَقُولُ إِنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ وَلَهُ مَا أَعْطَى) يحتمل أن تكون كلمة (( ما ) )موصولة في الموضعين ومفعول «أخذ» و «أعطى» مقدَّر، ونكتة حذفه لفظًا هي الدَّلالة على العموم فيدخل فيه أخذ الولد وإعطاؤه وغيرهما، ويحتمل أن تكون مصدرية، والتَّقدير إنَّ لله الأخذ والإعطاء، وهو أيضًا أعمُّ من إعطاء الولد وأخذه.

والمعنى إنَّ الذي أراد الله أن يأخذه هو الذي كان أعطاه، فإن أخذه أخذ ما هو له فلا ينبغي الجزع؛ لأنَّ مستودع الأمانة لا ينبغي له أن يجزع إذا استعيدت منه، وقدَّم الأخذ على الإعطاء وإن كان متأخِّرًا في الواقع؛ لأنَّ المقام يقتضيه.

(وَكُلٌّ) أي وكلٌّ من الأخذ والإعطاء أو هو أعمُّ منهما (عِنْدَهُ) أي في علمه تعالى فهو من مجاز الملازمة مقدر (بِأَجَلٍ مُسَمًّى) أي معلومٌ، والأجل يطلق على الحدِّ الأخير وعلى مجموع العمر أيضًا.

والحاصل أنَّ له الخلق كله وبيده الأمر كلُّه، وكل شيءٍ عنده مقدَّر بأجل مسمًّى، فإنَّه لمَّا خلق اللوح والقلم أمر القلم أن يكتبَ ما هو كائنٌ إلى يوم القيامة لا معقِّب لحكمه.

(فَلْتَصْبِرْ) أمر للمؤنث الغائبة (وَلْتَحْتَسِبْ) أي تنوي بصبرها طلب الثَّواب من ربِّها ليحسب لها ذلك من عملها الصَّالح (فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ) صلى الله عليه وسلم (تُقْسِمُ عَلَيْهِ لَيَأْتِيَنَّهَا) جملة وقعت حالًا من فاعل «أرسلت» ، ووقع في حديث عبد الرَّحمن بن عوف رضي الله عنه أنَّها راجعته مرَّتين، وأنَّه إنَّما قام في ثالث مرَّةٍ، وكأنَّها ألحَّت عليه في ذلك دفعًا لما يظنُّه بعض الجهلة أنَّها ناقصة المكانة عنده، أو ألهمها الله تعالى أنَّ حضور نبيِّه عندها يدفع عنها ما هي فيه من الألم ببركة دعائه وحضوره صلى الله عليه وسلم، فحقَّق الله ظنَّها وترك الإجابة أولًا؛ لأنَّه كان في شغل في ذلك الوقت، أو كان امتنع من الإجابة مبالغةً في إظهار التَّسليم لربه أو كان لبيان الجواز في أنَّ من دُعِي لمثل ذلك لم يجب عليه الإجابة بخلاف الوليمة مثلًا.

وأمَّا إجابته صلى الله عليه وسلم بعدما ألحَّت عليه فلِمَا ذُكِر من دفع ما يظنُّه بعض الجهلة، أو أنَّه لما رآها عزمت عليه بالقسم حنَّ عليه فأجابه.

(فَقَامَ) صلى الله عليه وسلم (وَمَعَهُ) بإثبات الواو وفي رواية بحذفها (سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ) بضم العين المهملة، الخزرجيُّ كان سيدًا جوادًا ذا رياسةٍ غيورًا مات بالشَّام، ويقال إنَّه قتله الجنُّ.

وفيه البيت المشهور من لسان الجن

~قَدْ قَتَلْنَا سَيِّدَ الخَزْرَجِ سَعْدَ بنَ عُبَادَة رَمَيْنَاه بِسَهْمَينِ فَلَم نُخْطِ فُؤادَه

(وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ) بضم الميم، وقد مرَّ في أوَّل كتاب «الإيمان» [خ¦8 قبل] (وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ) بضم الهمزة وفتح الموحدة، وقد مرَّ في باب «ما يذكر من ذهاب موسى» ، من كتاب «العلم» [خ¦74] (وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ) المذكور في باب «ما يذكر في الفخذ» من كتاب «الصَّلاة» [خ¦371] .

(وَرِجَالٌ) آخرون رضي الله عنهم، ذُكِرَ منهم في غير هذه الرِّواية عبادة بن الصَّامت، وهو في رواية عبد الواحد في أوائل «التوحيد» [خ¦7448] ، وفي رواية شعبة أنَّ أسامة راوي الحديث رضي الله عنه كان معهم [خ¦6655] ، وكذا في رواية عبد الرَّحمن بن عوف رضي الله عنه أنَّه كان معهم [خ¦1303] .

ووقع في رواية شعبة في «الأيمان والنذور» [خ¦6655] وَأَبِي أو أُبَيّ، فالأوَّل بفتح الهمزة وكسر الموحدة وتخفيف الياء، فعلى هذا كان زيد بن حارثة رضي الله عنه معهم، والثَّاني بضم الهمزة وفتح الموحدة وتشديد الياء، وهو أبيُّ بن كعب، ورواية البخاريِّ ترجِّح الثَّاني؛ لأنَّه ذكر فيها بلفظ «وأُبي بن كعب» ، وكأنَّ الشَّك من شعبة؛ لأنَّ ذلك لم يقع في رواية [1] غيره، والله أعلم.

(فَرُفِعَ) بالراء من الرفع، وفي رواية حماد (( فدفع ) ) [خ¦7377] بالدال، وبين في رواية شعبة أنَّه وضع في حجره صلى الله عليه وسلم [خ¦6655] ، وفيه حذف إيجاز، والتَّقدير فمشوا إلى أن وصلوا إلى بيتها فاستأذنوا

ج 6 ص 277

فأُذِن لهم فدخلوا فرفع.

(إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّبِيُّ) وفي رواية عبد الواحد بلفظ (( فلمَّا دخلنا ناولوا رسول الله صلى الله عليه وسلم الصَّبي ) ) [خ¦7448] (وَنَفْسُهُ تَتَقَعْقَعُ) بتائين في أوله، وفي بعض النسخ .

قيل هي من القعقعة، والظَّاهر أنَّها من التَّقعقع أيضًا لكنه حذف إحدى التائين، وهي جملة حالية؛ أي تضطرب وتتحرَّك؛ أي كلَّما صارت إلى حالةٍ لم تلبث أن تصير وتنتقل إلى حالةٍ أُخرى لقربه من الموت، والقعقعة حكايةُ صوت الشَّيء اليابس إذا حرك.

قال الأزهريُّ يقال للجلد اليابس إذا تَخَشْخَش فحكى صوت حركاته قعقعَ قعقعةً.

وقال ابن الأعرابيِّ القَعْقَعة والعَقْعَقة، والشَّخْشَخة والخَشْخَشة، والخَفْخَفة والفَخْفَخة، والشَّنْشَنة والنَّشْنَشة، كلُّها حركة القرطاس والثَّوب الجديد.

وفي «الصحاح» العقعقة حكاية صوت السِّلاح، وفي «نوادر أبي مسحل» أخذتْه الحمَّى بقعقعة؛ أي برعدةٍ، وفي «الجامع» للقزَّاز القعقعه صوت الحجارة والخطاف والبكرة والمحور، وفي «المحكم» قعقعته حرَّكته.

(قَالَ) أي أبو عثمان النَّهدي (حَسِبْتُهُ) أي أسامة رضي الله عنه (أَنَّهُ قَالَ كَأَنَّهَا شَنٌّ) بفتح المعجمة وتشديد النون القِرْبة الخَلِقة اليابسة، والجمع شنان، وضبطه بعضهم بكسر الشين وليس بشيءٍ. وفي رواية حماد (( ونفسه تقعقع كأنَّها في شن ) ) [خ¦7377] ووجه هذه الرِّواية أنَّه شبه البدن بالجلد اليابس الخَلِق وحركة الرُّوح فيه، كما يطرح في الجلد من حصاةٍ ونحوها.

وأمَّا وجه الرِّواية الأولى فهو أنَّه شبَّه النَّفس بنفس الجلد، وهو أبلغُ في الإشارة إلى شدَّةِ الضَّعف، والأوَّل أظهر في التَّشبيه، والله أعلم.

(فَفَاضَتْ) وفي رواية بالواو (عَيْنَاهُ) صلى الله عليه وسلم بالبكاء، يعني نزل منهما الدَّمع، وهذا هو موضع التَّرجمة؛ لأنَّ البكاء العاري عن النَّوح لا يؤاخذ به الباكي ولا الميت (فَقَالَ سَعْدٌ) هو ابن عبادة المذكور، وصرَّح به في رواية عبد الواحد [خ¦7448] .

ووقع في رواية ابن ماجه من طريق عبد الواحد فقال عبادة بن الصَّامت، والصَّواب ما في «الصحيح» .

(يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا هَذَا؟) أي فيضان العين، كأنَّه استغرب ذلك منه؛ لأنَّه يخالف ما عهده منه من مقاومة المصيبة

ج 6 ص 278

بالصَّبر، وفي رواية عبد الواحد (( فقال سعد بن عبادة أتبكي ) )وزاد أبو نُعيم في «المستخرج» (( وتنهى عن البكاء ) ).

(فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (هَذِهِ) أي الدَّمعة التي تراها من حزن القلب بغير تعمُّدٍ ولا استدعاء (رَحْمَةٌ) أي أثر رحمةٍ (جَعَلَهَا اللَّهُ) تعالى (فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ) أي رحمةً على المقبوض تبعث على التَّأمُّل فيما هو عليه، وليس كما توهَّمت من الجزع وقلَّة الصَّبر، وفي بعض النُّسخ ؛ أي إنَّ فيضان الدَّمع أثرُ رحمة، وفي لفظ .

وقد صحَّ أنَّ الله تعالى خلق مائة رحمةٍ فأمسك عنده تسعًا وتسعين وجعل في عباده رحمة فبها يتراحمون ويتعاطون، وتحنُّ الأمُّ على ولدها [خ¦6469] ، فإذا كان يوم القيامة جمع تلك الرَّحمة إلى التسعة والتسعين فأظلَّ بها الخلق حتَّى إنَّ إبليس رأس الكفر يطمع لما يرى من رحمة الله عزَّ وجلَّ.

(إِنَّمَا) وفي رواية بدليل بالواو (يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ) نصب على أن «ما» في قوله (( فإنَّما ) )كافة أو رفع على أنَّها موصولة؛ أي أنَّ الذي يرحمهم الله من عباده الرُّحماء، ومن في قوله (( من عباده ) )بيانية وهي حالٌ من المفعول قدمت عليه ليكون أوقع، وفي رواية شعبة في أواخر «الطِّب» [خ¦5655] (( ولا يرحم الله من عباده إلَّا الرُّحماء ) )وهو جمع رحيم من صيغ المبالغة.

ومقتضاه أنَّ رحمة الله تعالى تختصُّ بمن اتَّصف بالرَّحمة وتحقَّق بها بخلاف من فيه أدنى رحمة، لكن ثبتَ في حديث عبد الله بن عَمرو رضي الله عنهما عند أبي داود وغيره (( الرَّاحمون يرحمهم الرَّحمن ) )والرَّاحمون جمع راحم، فيدخل فيه كلُّ من فيه أدنى رحمة.

فإن قيل ما الحكمة في إسناد فعل الرَّحمة في حديث الباب إلى الله، وإسناده في حديث أبي داود إلى الرَّحمن؟

فالجواب أنَّ لفظ الجلالة دالٌّ على العظمة، وقد عرف بالاستقراء أنَّه حيث ورد يكون الكلام مسوقًا للتَّعظيم، فلمَّا ذكرها ناسب ذكر من كثرت رحمته وعظمت؛ ليكون الكلام جاريًا على نسق التَّعظيم بخلاف الحديث الآخر، فإنَّ لفظ «الرَّحمن» دالٌّ على العفو، فناسب أن يذكرَ معه كلَّ ذي رحمةٍ وإن قلَّت، والله أعلم.

ورجال إسناد الحديث ما بين مروزيٍّ وبصريٍّ، وقد أخرج متنه في «الطب» [خ¦5655] و «النذور» [خ¦6655] و «التوحيد» [خ¦7448] وأخرجه مسلم في «الجنائز» ، وكذا أبو داود والنسائي وابن ماجه.

وفي الحديث من الفوائد

جواز استحضار ذوي الفضل للمحتضر لرجاء بركتهم ودعائهم. وجواز القسم عليهم لذلك.

وجواز المشي إلى التَّعزية والعيادة بغير إذن بخلاف الوليمة.

واستحباب

ج 6 ص 279

إبرار القسم وأمر صاحب المصيبة بالصَّبر قبل وقوع الموت ليقع وهو مستشعرٌ بالرِّضا مقاومًا للحزن بالصَّبر.

وتقديم السَّلام على الكلام وعيادة المريض لو كان مفضولًا أو صبيًّا صغيرًا.

وإنَّ أهل الفضل لا ينبغي أن يُيأس من فضلهم ولو ردُّوا أوَّل مرةٍ.

واستفهام التَّابع من إمامه عمَّا أشكل عليه ممَّا يتعارض ظاهره.

وحسن الأدب في السُّؤال لتقديمه قوله «يا رسول الله» ، على الاستفهام.

والتَّرغيب في الشَّفقة على خلق الله والرَّحمة لهم والتَّرهيب من قساوة القلب وجمود العين، وجواز البكاء من غير نوحٍ ونحوه.

وروى التِّرمذي في «الشمائل» من رواية سفيان الثَّوري والنسائي من رواية أبي الأحوص كلاهما عن عطاء بن السَّائب عن عكرمة عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال أخذَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ابنةً له تقضي فاحتضنها _ أي ضمَّها إلى صدره _ فوضعها بين يديه فماتت وهي بين يديه، وصاحت أمُّ أيمن، فقال _ يعني النَّبي صلى الله عليه وسلم _ (( أتبكين يا أمَّ أيمن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ) )فقال ألست أراك تبكي؟ قال (( إنِّي لست أبكي إنَّما هي رحمة، إنَّ المؤمن بكلِّ خيرٍ على كلِّ حال، إن نفسه تنزع من بين جنبيه، وهو يحمد الله تعالى ) ).

ولابن عباس حديث آخر رواه أبو داود الطَّيالسي قال بكت النِّساء على رقيَّة رضي الله عنها فجعل عمر رضي الله عنه ينهاهنَّ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( مه يا عمر ) )ثمَّ قال (( إيَّاكم ونعيق الشَّيطان فإنَّه مهما يكون من العين ومن القلب فمن الرَّحمة، وما يكون من اللسان واليد فمن الشَّيطان ) )قال وجعلت فاطمة رضي الله عنها تبكي على شفيرِ قبر رقية، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح الدُّموع عن وجهها باليد أو بالثياب.

ورواه البيهقيُّ في «سننه» ثمَّ قال وهذا وإن كان غير قويٍّ فقوله في الحديث الثَّابت (( إنَّ الله لا يعذِّب بدمع العين ) ) [خ¦1304] يدلُّ على معناه ويشهد له بالصِّحة.

وروى الطَّبراني من رواية شريك عن أبي إسحاق عن عامر بن سعد قال شهدتُ صنيعًا فيه أبو مسعود وقرظة بن كعب وجوارٍ يغنين فقلت سبحان الله

ج 6 ص 280

هذا وأنتم أصحاب محمَّد صلى الله عليه وسلم وأهل بدرٍ، فقالوا رخَّص لنا في الغناء في العرس والبكاء في غير نياحة.

وروى النَّسائي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال مات ميت من آل رسول الله صلى الله عليه وسلم فاجتمع النِّساء يَبْكين عليه، فقام عمر رضي الله عنه ينهاهنَّ ويطردهنَّ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( دعهنَّ يا عمر، فإنَّ العين دامعةٌ، والقلب مصابٌ، والعهدُ قريب ) ).

وروى ابن ماجه من رواية شهر بنِ حوشب، عن أسماء بنت يزيد قالت لمَّا توفي ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم إبراهيم بكى رسول الله صلى الله عليه وسلم _ فقال المُعَزِّي _ إمَّا أبو بكر وإمَّا عمر _ رضي الله عنهما _ أنت أحقُّ من عظَّم الله حقَّه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( تدمع العينُ، ويحزن القلب، ولا نقول ما يُسخط الرَّبَّ لولا أنَّه وعدٌ صادقٌ وموعودٌ جامعٌ، وأنَّ الآخر تابعٌ للأوَّل لوجدنا عليك يا إبراهيم أفضل ممَّا وجدنَا وأنا بك لمحزونٌ ) ).

[1] من قوله (( البخاري ترجح ... إلى قوله في رواية ) )ليست في (خ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت