فهرس الكتاب
1286 - 1287 - 1288 - (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) هو عبد الله بن عثمان، وقد مرَّ عن قريبٍ [خ¦1284] (قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ) هو ابن المبارك (قَالَ أَخْبَرَنَا ابنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز (قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بنُ عُبَيْدِ اللهِ بنِ أبِي مُلَيْكَةَ) بالتكبير في الابن، والتصغير في الأب، وأبو مُلَيكة بالتصغير أيضًا اسمه زهير.
(قال تُوُفِيَّتِ) على صيغة المجهول؛ أي قبضت (ابْنَةٌ لِعُثْمانَ رضي الله عنه بِمَكَّةَ) هي أم أبان.
وقد صرَّح بها مسلمٌ بإسناده إلى عبد الله بن عبيد الله قال كنت جالسًا في جنب ابن عمر رضي الله عنهما ونحن ننتظر جنازة أمِّ أبان بنت عثمان رضي الله عنه، وعنده عمرو بن عثمان فجاء ابن عبَّاس رضي الله عنهما يقوده قائدٌ فأُراه أُخبر بمكان ابن عمر رضي الله عنهما فجاء حتَّى جلس إلى جنبي فكنت بينهما، فإذا صوتٌ من الدَّار، فقال ابن عمر رضي الله عنهما كأنَّه يعرضُ على عَمرو أن يقوم فينهاهم سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم
ج 6 ص 283
يقول (( إنَّ المِّيت ليعذَّب ببكاء أهله ) )الحديث.
(وَجِئْنَا لِنَشْهَدَهَا) جنازتها (وَحَضَرَهَا ابْنُ عُمَرَ) بن الخطَّاب (وَابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهم (وَإِنِّي لَجَالِسٌ بَيْنَهُمَا) أي بين ابن عمر وابن عبَّاس رضي الله عنهم.
(أَوْ قَالَ جَلَسْتُ إِلَى أَحَدِهِمَا) شكَّ ابن جريج، وقد مرَّ في رواية مسلم (( كنت جالسًا إلى جنب ابن عمر رضي الله عنهما ) )وأمَّا جلوسه بينهما وهما أفضل منه مع أنَّ الأدب أنَّ المفضول لا يجلس بين الفاضلين فمحمولٌ على عذرٍ، إمَّا لأنَّ ذلك أوفق بالجائي بعده وإمَّا لغيره.
(ثُمَّ جَاءَ الآخَرُ فَجَلَسَ إِلَى جَنْبِي) زاد مسلم (( فإذا صوت من الدَّار ) )وعند الحميديِّ من رواية عَمرو بن دينارٍ، عن ابن أبي مليكة (( فبكى النساء ) )فظهر السَّبب في قول ابن عمر لعمرو بن عثمان ما قال.
(فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمَرَ) رضي الله عنهما (لِعَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ) أخي ابنة عثمان رضي الله عنه [1] (أَلاَ تَنْهَى عَنِ الْبُكَاءِ؟ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ) ولمسلمٍ من حديث عَمرة بنت عبد الرَّحمن سمعت عائشة رضي الله عنها وذُكِرَ لها أنَّ عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يقول (( إنَّ الميِّت يُعذَّب ببكاء الحيِّ عليه ) )الحديث.
واللَّفظان مرفوعان فهل يُحمل المطلق على المقيَّد ويكون عذابه ببكاء أهله عليه فقط، أو يكون الحكم للرِّواية العامَّة، وأنَّه يعذَّب ببكاء الحيِّ عليه سواءٌ كان من أهله أو لا؟
والظَّاهر أنَّه عامٌّ لا يختصُّ بأهله بدليل النَّائحة التي ليست من أهل الميت، بل أهله أعذر في البكاء عليه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة رضي الله عنه الذي رواه النَّسائي وابن ماجه عنه، قال مات ميتٌ من آل رسول الله صلى الله عليه وسلم فاجتمع النِّساء يبكين عليه، فقام عمر ينهاهنَّ ويطردهنَّ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( دعهنَّ يا عمر فإنَّ العين دامعةٌ والقلب مصابٌ والعهد قريب ) )وهذا التَّعليل الذي رخَّص لأجله في البكاء خاصٌّ بأهل الميت فقوله (( ببكاء أهله عليه ) )خرج مخرج الغالب الشَّائع إذ المعروف أنَّه إنَّما يبكي على الميت أهله.
ثمَّ إنهَّ يمكن أن يكون قوله (( الحي ) )احترازًا عن غير الحيِّ من الجمادات لقوله تعالى {فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ} [الدخان 29] فمفهومه أنَّ السَّماء والأرض يقع منهما البكاء على غيرهم.
ج 6 ص 284
وفي الحديث (( ما من مؤمنٍ مات في غربةٍ غابت فيها بواكيه إلَّا بكت عليه السَّماء والأرض ) ).
وقد روى ابن مردويه في «تفسيره» من رواية يزيد الرَّقاشي عن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال (( ما من مؤمنٍ إلَّا له بابان في السَّماء بابٌ يخرج منه رزقه، وبابٌ يدخلُ فيه كلامه وعمله، فإذا مات فقداه وبكيا عليه وتلا هذه الآية {فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ} ) )فعلى ظاهر الآية والحديث يكون ذلك البكاء على الميت ولا عذابَ عليه بسببه إجماعًا.
وقال الزَّمخشري ذلك على سبيل التَّمثيل والتَّخييل، وكذلك ما يُروى عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما من بكاء مصلَّىَ المؤمن، وآثاره في الأرض، ومصاعد عمله، ومهابط رزقه في السَّماء تمثيلٌ، ونفى ذلك عنهم في قوله {فما بكت عليهم السَّماء والأرض} تهكُّم بهم وبحالهم المنافية لحال من يَعْظُم فقده فيقال فيه بكت عليه السَّماء والأرض، فإنَّه إذا مات رجلٌ خطيرٌ قالت العرب في تعظيم مهلكه (( بكت عليه السَّماء والأرض وبكته الرِّيح وأظلمت له الشَّمس ) ).
وعن الحسن فما بكى عليهم الملائكة والمؤمنون بل كانوا بهلاكهم مسرورين؛ يعني فما بكى عليهم أهل السَّماء وأهل الأرض وما كانوا منظرين لما جاء وقت هلاكهم لم يُنظَروا إلى وقتٍ آخر، ولم يمهلوا إلى الآخرة بل عجَّل لهم في الدُّنيا.
ثمَّ إنَّ قول ابن عمر رضي الله عنهم (( إنَّ الميِّت ليعذَّب ببكاء أهله عليه ) )مطلقٌ سواءٌ كان بنوحٍ أو لا، لكن في بعض طرقِ حديث ابن عمر رضي الله عنهما في «مصنف ابن أبي شيبة» (( من نيحَ عليه فإنَّه يعذَّب بما نيح عليه يوم القيامة ) ).
فيحمل المطلق على المقيَّد، فيكون البكاء الذي يكون سببًا لتعذيب الميِّت هو البكاء الذي يكون بنوح ونحوه، كما أشار إليه البخاريُّ في التَّرجمة.
(فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (قَدْ كَانَ عُمَرُ) بن الخطَّاب رضي الله عنه (يَقُولُ بَعْضَ ذَلِكَ، ثُمَّ حَدَّثَ) أي ابن عبَّاس رضي الله عنهما (قَالَ صَدَرْتُ مَعَ عُمَرَ) رضي الله عنه (مِنْ مَكَّةَ) قافلًا من حجَّة (حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ) بفتح الموحدة وسكون التحتانية، هي المفازة، ولكنَّ المراد هنا مفازة خاصَّةٌ بين مكَّة والمدينة.
(إِذَا هُوَ بِرَكْبٍ) كلمة «إذا» للمفاجأة، والركب أصحاب الإبل العشرة فما فوقها مسافرين؛ أي
ج 6 ص 285
فاجأهم عمر رضي الله عنه (تَحْتَ ظِلِّ سَمُرَةٍ) بفتح السين المهملة وضم الميم، شجرةٌ عظيمةٌ من شجر العضاه.
(فَقَالَ اذْهَبْ فَانْظُرْ مَنْ هَؤُلاَءِ الرَّكْبُ، قَالَ فَنَظَرْتُ، فَإِذَا صُهَيْبٌ) بضم الصاد، هو ابن سنانٍ _ بالنونين _ ابن قاسط _ بالقاف _ كان من النَّمر _ بفتح النون _ وكانوا بأرض الموصل فأغارت الرُّوم على تلك النَّاحية فسبته وهو غلامٌ صغيرٌ فنشأ بالرُّوم فاشتراه عبد الله بن جُدْعان _ بضم الجيم وإسكان الدال المهملة _ التيمي فأعتقه، ثمَّ أسلم بمكَّة وهو من السَّابقين إلى الإسلام المعذَّبين في الله تعالى، وهاجر إلى المدينة، ومات بها سنة ثمان وثلاثين رضي الله عنه.
(فَأَخْبَرْتُهُ) أي أخبرت عمر رضي الله عنه بذلك، (فَقَالَ ادْعُهُ لِي، فَرَجَعْتُ إِلَى صُهَيْبٍ، فَقُلْتُ) له (ارْتَحِلْ) بكسر الحاء المهملة، أمرٌ من الارتحال.
(فَالْحَقْ) بفتح الحاء المهملة، أمرٌ من اللُّحوق (بأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ) وفي رواية بدون الباء (فَلَمَّا أُصِيبَ عُمَرُ) رضي الله عنه؛ يعني بالجراحة التي مات بها، وفي رواية أيوب أنَّ ذلك كان عقيب الحجة المذكورة، ولفظه (( فلمَّا قدمنا لم يلبث عمر رضي الله عنه أن أصيب ) ). وفي رواية عمرو بن دينار (( لم يلبثْ أن طعنَ طعنه أبو لؤلؤة فيروز غلام مغيرة بن شعبة وهو قائمٌ في صلاة الصُّبح بسكينٍ مسمومةٍ ذات طرفين، وطعن معه ثلاثة عشر رجلًا، توفِّي منهم سبعة وعاش الباقون، ثمَّ قَتَلَ العِلْجُ نفسه وسار إلى لعنة الله وغضبه، وشرب عمر رضي الله عنه لبنًا فخرج من جرحه فعلم أنَّه لا يعيش فأوصى بالخلافة، وجعلها شورى بين ستَّة عثمان وعلي وطلحة والزُّبير وعبد الرَّحمن بن عوف وسعد بن أبي وقَّاص رضي الله عنهم، وحَسَبَ الدَّين الذي أخذ من بيت المال لمصالح نفسه في مدَّة خلافته فوجده ستًّا وثمانين ألف درهمٍ، فقال لابنه عبد الله إنْ وفى مالُ عمرَ به فأدِّه منه، وإلَّا فسل في بني عديٍّ، ثمَّ بعثه إلى عائشة رضي الله عنها فقال قل يقرأ عمر عليك السَّلام، ولا تقل أمير المؤمنين، فإنِّي لست اليوم للمؤمنين أميرًا، وقل يستأذن عمر أن يدفنَ مع صاحبيه فجاء فسلَّم واستأذنَ فدخل فوجدها تبكي، فقال لها فأَذِنت، وقالت كنت أردتُه لنفسي ولأوثرنه اليوم على نفسِي، فلمَّا أقبل عبد الله من عندها قيل لعمر هذا عبد الله
ج 6 ص 286
قال ارفعوني فأسندَه رجلٌ، فقال ما لديك؟ فقال الذي تحبُّ، قد أذنت، قال الحمد لله، ما كان شيءٌ أهمَّ إليَّ من هذا، فإذا أنا قُبِضت فاحملوني، ثمَّ سلِّم يا عبد الله، وقل يستأذنُ عمرُ بن الخطاب فإن أذنت لي فأدخلوني وإن ردَّتني ردتني إلى مقابر المسلمين )) .
فلمَّا قبض حمل على سرير رسول الله صلى الله عليه وسلم وصلَّى عليه صهيب رضي الله عنه ونزل في قبره ابنه عبد الله وعثمان بن عفان وسعيد بن زيد وعبد الرَّحمن بن عوف رضي الله عنهم، ودفن يوم الأحد هلال محرم سنة أربع وعشرين، وكان خلافته عشر سنين وخمسة أشهر وواحدًا وعشرين يومًا، وعُمْره على الصَّحيح ثلاث وستون سنة رضي الله عنه.
(دَخَلَ صُهَيْبٌ) حال كونه (يَبْكِي) حال كونه (يَقُولُ وَاأَخَاهُ، وَا صَاحِبَاهُ) كلمة (( وا ) )للندبة والألف في آخرهما ليس ممَّا يلحق الأسماء الستَّة لبيان الإعراب بل هو ممَّا يزاد في آخر المندوب لتطويل مدِّ الصَّوت، والهاء ليست بضمير بل هاء السَّكت، وشرط المندوب أن يكون معروفًا فلا بدَّ من القول بأنَّ الأخوة والصَّاحبية له كانا معروفين حتَّى يصحَّ وقوعهما في النُّدبة.
(فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يَا صُهَيْبُ، أَتَبْكِي عَلَيَّ) بهمزة الاستفهام الإنكاري (وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ) قيَّده بالبعضيَّة، فحُمِلَ على ما فيه نياحةٌ جمعًا بين الأحاديث على ما تقدَّم.
(قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا فَلَمَّا مَاتَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا) هذا صريحٌ في أنَّ حديث عائشة رضي الله عنها من رواية ابن عبَّاس عنها، ورواية مسلم توهم أنَّه من رواية ابن أبي مليكة عنها، وأنَّ القصَّة كانت بعد موت عائشة رضي الله عنها لقوله فجاء ابن عبَّاس رضي الله عنهما يقوده قائده فإنَّه إنَّما عمي في أواخر عمره، ويؤيِّد كون ابن أبي مُليكة لم يحمله عنها أنَّ عند مسلم في آخر القصَّة. قال ابن أبي مُليكة حدَّثني القاسم بن محمَّد لما بلغ عائشة رضي الله عنها قول عمر وابن عمر قالت إنَّكم لتحدِّثونني عن غير كاذبين ولا مكذَّبين، ولكن السَّمع يخطئ، وهذا يدلُّ على أنَّ ابن عمر رضي الله عنهما كان قد حدَّث به مرارًا.
وسيأتي في الحديث الذي بعده أنَّه حدَّث بذلك أيضًا لمَّا مات رافع بن خديج رضي الله عنه [خ¦1289] .
(فَقَالَتْ يَرَحَمٌ اللَّهُ عُمَر) قال الطِّيبي
ج 6 ص 287
هذا من الآداب الحسنة على منوال قوله تعالى {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ} [التوبة 43] فاستغربتْ من عمر رضي الله عنه ذلك القول فجعلتْ قولها يرحم الله عمر تمهيدًا ودفعًا لما يوحش من نسبته إلى الخطأ.
(وَاللَّهِ مَا حَدَّثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ اللَّهَ لَيُعَذِّبُ الْمُؤْمِنَ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ) يحتمل أن يكون جزم عائشة رضي الله عنها بذلك لكونها سمعت صريحًا من رسول الله صلى الله عليه وسلم اختصاص العذاب بالكافر، أو فهمت الاختصاص بالقرائن.
(لَكِنَّ) وفي رواية يروى بالتخفيف وبالتشديد (رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّ اللَّهَ لَيَزِيدُ الْكَافِرَ عَذَابًا بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ، وَقَالَتْ حَسْبُكُمُ) بسكون السين المهملة؛ أي كافيكم أيُّها المؤمنون (الْقُرْآنُ {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} ) أي لا تؤاخذ نفسٌ بغير ذنبها.
فإن قيل الآية عامَّةٌ للمؤمن والكافر، ثمَّ إنَّ زيادة العذاب عذابٌ، فكما أنَّ أصل العذاب لا يكون بفعل غيره فكذا زيارته فلا يتمُّ استدلالها بالآية.
فالجواب أنَّ العادة فارقة بين الكافر والمؤمن فإنَّ الكفَّار كانوا يرضون بالنِّياحة ويوصون بها، وكان ذلك مشهورًا في الجاهلية وهو موجودٌ في أشعارهم كقول طرفة بن العبد
~إِذَا مِتُّ فَانْعِينِي بِمَا أَنَا أَهْلُه وَشُقِّي عَلَيَّ الجَيْبَ يَا أُمَّ مَعْبَدِ
بخلاف المؤمنين فإنَّهم لا يرضون بالمعصية صدرت منه أو من غيره، فلفظ الميت وإن كان مطلقًا مقيَّدٌ بالموصي وهو الكافر عرفًا وعادةً.
وعلى ذلك حمل الجمهور قوله (( إنَّ الميِّت ليعذَّب ببكاء أهله ) )، كما سيجيء تفصيله إن شاء الله تعالى، [خ¦1290] وبهذا ترتفع المنافاة بين الخبرين الصَّحيحين خبر عمر وخبر عائشة رضي الله عنهما.
(قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما عِنْدَ ذَلِكَ) أي عند انتهاء حديثه عن عائشة رضي الله عنها (وَاللَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى) أي أنَّ العبرة لا يملكها ابن آدم ولا تسبُّب له فيها، فكيف يُعاقب عليها فضلًا عن الميت؟!
وقال الدَّاودي معناه أنَّ الله أذنَ في الجميل من البكاء، فلا يعذَّب على ما أذنَ فيه، وقال الطِّيبي غرضه تقرير قول عائشة رضي الله عنها؛ أي إنَّ بكاء الإنسان وضحكِهِ وحزنهِ وسرورهِ من الله تعالى يظهرها فيه،
ج 6 ص 288
فلا أثر له في ذلك.
وقال الكرمانيُّ لعلَّ غرضه من هذا الكلام في هذا المقام أنَّ الكلَّ بخلق الله وإرادته، فالأولى فيه أن يقال بظاهر الحديث، وأنَّ له تعالى أن يعذِّبه بلا ذنبٍ، ويكون البكاء عليه علامة لذلك، أو يعذبه بذنب غيره في الدُّنيا لقوله تعالى {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً} [الأنفال 25] .
وكذا في البرزخ لا سيما وهو السَّبب في وقوع الغير فيه، ولا يُسئل عمَّا يفعل، وأمَّا آية الوزارة فتختصُّ بيوم القيامة.
(قَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ وَاللَّهِ مَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ) رضي الله عنهما (شَيْئًا) أي بعد ذلك؛ يعني ما ردَّ كلامه، قال الطِّيبي وغيره ظهرت لابن عمر الحجَّة فسكت مذعنًا.
وقال الزَّين ابن المُنيِّر سكوته لا يدلُّ على الإذعان، فلعلَّه كره المجادلة في ذلك المقام، وقال القرطبيُّ ليس سكوته لشكٍّ طرأ له بعدما صرَّح برفع الحديث، ولكن احتمل عنده أن يكون الحديث قابلًا للتَّأويل ولم يتعيَّن له محملٌ يحمله عليه إذا ذاك، أو كان المجلس لا يقبل المماراة، ولم تتعيَّن الحاجة إلى ذلك حينئذٍ.
ويحتمل أن يكون ابن عمر رضي الله عنهما فهم من استشهاد ابن عباس بالآية قبول روايته؛ لأنَّهما يمكن أن يستدلَّ بها في أنَّ لله أن يعذب بلا ذنب، ويكون بكاء الحيِّ علامة لذلك، كما أشار إليه الكرمانيِّ، وقال الخطَّابي الرِّواية إذا ثبتت لم يكن إلى دفعها سبيل بالظَّنِّ.
وقد رواه عمر وابنه رضي الله عنهما، وليس فيما حكت عائشة رضي الله عنها ما يرفع روايتهما لجواز أن يكون الخبران صحيحين معًا ولا منافاة بينهما، وأمَّا احتجاجها بالآية فإنَّهم كانوا يوصون أهليهم بالنياحة، وكان ذلك مشهورًا منهم فالميت إنَّما تلزمه العقوبة بما تقدَّم من وصيَّته إليهم به، وقد تقدَّم آنفًا [خ¦1284] .
وقال النَّووي أنكرت عائشة رضي الله عنها روايتهما ونسبتهما إلى النِّسيان والاشتباه، وأوَّلت الحديث بأنَّ معناه يعذَّب في حال بكاء أهله لا بسببه كحديث اليهوديَّة الآتي بعد هذا الحديث [خ¦1289] .
[1] أي عمرو هو أخو أم أبان ابنة عثمان التي ماتت ويحضرون جنازتها