117 - (حَدَّثَنَا آدَمُ) هو ابن أبي إياس، وقد مر في «المسلم من سلم المسلمون» [خ¦10] (قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) أي ابن الحجاج (قَالَ حَدَّثَنَا الْحَكَمُ) بفتح المهملة والكاف، هو ابن عُتيبة تصغير عتبة، ابن النهَّاس أبو محمد، أو أبو عبد الله، مولى علي بن عدي الكندي، ويقال مولى امرأة من بني كندة، الكوفي الفقيه العابد القانت الثقة صاحب السنة.
قال يحيى بن معين، وعبد الرحمن بن مهدي، وأبو حاتم ثقة، وكان فقيه الكوفة مع حماد، روى عن ابن أبي أوفى، وأبي جحيفة، وعنه شعبة وغيره.
قال الأوزاعي (قال لي يحيى بن أبي كثير بمنى وعطاء وأصحابه أحياء أَلقِيتَ الحكم ابن عُتيبة؟ قلت نعم، قال أما إنه ما بين لابتيها أفقه منه) ، وقيل كان إذا اجتمع علماء الناس في مسجد منى كانوا كلهم عيالًا عليه، وكان إذا قدم المدينة أخلوا له سارية النبي صلى الله عليه وسلم يصلى إليها، توفي سنة ثلاث عشرة أو أربع عشرة أو خمس عشرة ومئة.
(قَالَ سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ) وقد تقدم في «الوحي» ، [خ¦5]
ج 1 ص 676
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما، وفي هذا الإسناد أن رواته كلهم أئمة أجلاء، وفيه رواية التابعي عن التابعي، وقد أخرج متنه المؤلف في «الصلاة» [خ¦697] ، وفي مواضع من كتابه أيضًا، وأخرجه أبو داود في «الصلاة» ، و «النسائي» أيضًا فيها.
(قَالَ) أي إنه قال (بِتُّ) بكسر الباء الموحدة من البيتوتة، وسبب مبيته على ما رواه الحاكم أن المصطفى صلى الله عليه وسلم وعد العباس بذود من الإبل فأرسل عبد الله يستخبره فأدركه المساء فبات عندها [1] (فِي بَيْتِ خَالَتِي مَيْمُونَةَ) بنت الحارث الهلالية (زَوْجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) أم المؤمنين رضي الله عنها، تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة ست أو سبع من الهجرة بسرف، وهو _ بفتح السين وكسر الراء المهملتين وبالفاء _ اسم موضع على عشرة أميال من مكة بين التنعيم والوادي في طريق المدينة.
قيل إنها آخر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، إذ لم يتزوج بعدها وهي أخت لُبابة _ بضم اللام وتخفيف الموحدة وبعد الألف موحدة _ أيضًا بنت الحارث زوجة العباس، وأم أولاده عبد الله والفضل وغيرهما رضي الله عنهم، وهي أول امرأة أسلمت بعد خديجة رضي الله عنهما، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يزورها وهي لبابة الكبرى، وأختها لبابة الصغرى أم خالد بن الوليد رضي الله عنه، وتوفيت ميمونة رضي الله عنها سنة إحدى وخمسين، وقيل سنة ست وستين بسرف كما تزوجها فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصلى عليها عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، ودخل قبرها، رُوِيَ لها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ستة وأربعون حديثًا، أخرج البخاري منها ثمانية.
(وَ) الحال أنه (كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عِنْدَهَا فِي لَيْلَتِهَا) المختصة بها بحسب قسم النبي صلى الله عليه وسلم بين أزواجه (فَصَلَّى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الْعِشَاءَ) في المسجد، والفاء في هذه الجملة هي الفاء التي تدخل بين المجمل والمفصل؛ لأن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم ومجيئه إلى منزله كان قبل كونه عند ميمونة، ولم يكن بعد الكون عندها، فتكون هذه الجملة كالتفصيل لما قبلها.
(ثُمَّ جَاءَ) أي من المسجد (إِلَى مَنْزِلِهِ) الذي هو بيت ميمونة رضي الله عنها (فَصَلَّى) عليه الصلاة والسلام عقيب دخوله (أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ ثُمَّ نَامَ) ولم يكن نومه عقيب الصلاة على الفور كما دل عليه كلمة (( ثم ) ) (ثُمَّ قَامَ) من نومه.
(ثُمَّ قَالَ نَامَ الْغُلَيِّمُ) بضم المعجمة وفتح اللام وتشديد الياء، مصغر غلام من باب تصغير الشفقة نحو يا بني، والمراد به عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، وهو يحتمل أن يكون إخبارًا منه صلى الله عليه وسلم بنومه لميمونة، وأن يكون استفهامًا بحذف الهمزة بقرينة المقام، قيل وهو
ج 1 ص 677
أظهر، وما وقع في بعض النسخ فهو تصحيف لم يثبت به رواية.
(أَوْ) قال شك من الراوي، ولا يلزم أن يكون من ابن عباس رضي الله عنهما، بل يحتمل أن يكون ممن دونه (كَلِمَةً) أي كلامًا على نحو كلمة الشهادة فصح أن يقع مقولًا للقول (تُشْبِهُهَا) أي تشبه كلمة «نام الغُليم» ، ففي رواية أخرى .
(ثُمَّ قَامَ) صلى الله عليه وسلم في الصلاة (فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ) بفتح الياء وكسرها شبهوها في الكسر بالشمال، إذ ليس في كلامهم كلمة مكسورة الياء إلا يسار، وزعم بعضهم أن الكسر أفصح، وقال ابن عباد اليسار بالتشديد لغة فيه.
(فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ فَصَلَّى) وفي رواية بالواو (خَمْسَ رَكَعَاتٍ) لا يجلس بقصد السلام إلا في آخرهن ثلاث منها وتر عندنا، وأما عند الشافعية فواحد منها (ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ) هما سنة الفجر، وسيأتي تفصيل ذلك المطلب في كتاب «الصلاة» [خ¦697] إن شاء الله تعالى.
(ثُمَّ نَامَ) عليه السلام (حَتَّىَ) أي إلى أن (سَمِعْتُ غَطِيطَهُ) بفتح الغين المعجمة وكسر الطاء، صوت يخرجه النائم مع نَفَسِه عند استثقاله، وفي «العباب» (وغطيط النائم والمخنوق نخيرهما، والنخير صوت الأنف) ، وقال الحافظ العسقلاني (النخير أقوى من الغطيط) .
(أَوْ) قال (خَطِيطَهُ) وهو شك من الراوي، والخَطِيط _ بفتح الخاء المعجمة وكسر الطاء _ قال الداودي (هو بمعنى الغطيط) ، وقال ابن بطال (لم أجده بالخاء المعجمة عند أهل اللغة) ، وتبعه القاضي عياض فقال (هو هنا وهم) .
قال العيني والصواب مع الداودي، فإن صاحب «العباب» قال (وخط في نومه خطيطًا؛ أي غط، وفي حديث النبي صلى الله عليه وسلم(( أنه أوتر بسبع، أو تسع، ثم اضطجع ونام، حتى سمع خطيطه ) )، ويروى (( غطيطه ) )، ويروى (( فخيخه ) )، ويروى (( ضفيره ) )، ويروى (( صفيره ) )، ومعنى الخمسة واحد، وهو نخير النائم، وقيل الضفير _ بالضاد والزاي المعجمتين وبالفاء _ والصفير _ بالصاد والراء المهملتين _ والفخيخ _ بالفاء والخاءين المعجمتين _).
(ثُمَّ) استيقظ النبي صلى الله عليه وسلم ثم (خَرَجَ إِلَى الصَّلاَةِ) ولم يتوضأ كما وقع في بعض الروايات في (( الصحيح ) ) (( ثم اضطجع فنام حتى نفخ فخرج فصلى الصبح ولم يتوضأ ) ) [خ¦859] وهذا من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم، إذ نومه مضطجعًا لا ينقض وضوءه؛ لأن عينيه تنامان ولا ينام قلبه، فلو خرج حدث لأحسَّ به، وكذا سائر الأنبياء عليهم السلام كما أخرجه البخاري من حديث الإسراء، بخلاف غيرهم من الناس، وأما نومه عليه الصلاة والسلام في الوادي إلى أن طلعت الشمس، فلا يعارض هذا؛ لأن الفجر والشمس
ج 1 ص 678
إنما يدركان بالعين لا بالقلب، وأبعد من قال إنه كان في وقت ينام قلبه.
ومن فوائد هذا الحديث فضل ابن عباس رضي الله عنهما وحذقه حيث رصد النبي صلى الله عليه وسلم طول ليلته، وقيل إن العباس أوصاه بمراعاة النبي صلى الله عليه وسلم ليطَّلع على عمله بالليل، ومنها ما قال محيي السنة من جواز الجماعة في النافلة، ومنها جواز العمل اليسير في الصلاة، ومنها جواز الصلاة خلفَ مَن لم ينوِ الإمامة، ومنها جواز بيتوتة الأطفال عند المحارم وإن كانت عند زوجها، ومنها قسمه عليه الصلاة والسلام بين زوجاته، ومنها جواز التصغير على وجه الشفقة والذكر بالصفة حيث لم يقل نام عبد الله، ومنها أن موقف المأموم الواحد عن يمين الإمام، فإذا وقف عن يساره يحوله إلى يمينه، ومنها صحة صلاة الصبي، ومنها جواز نوم الرجل مع امرأته من غير مواقعة بحضرة بعض محارمها، وإن كان مميزًا، وجاء في بعض الروايات ولم يكن ابن عباس رضي الله عنهما ليطلب المبيت في ليلة فيها حاجة إلى أهله، ولا يرسله أبوه العباس وقتئذ.
ثم مطابقة هذا الحديث للترجمة قد قيل يحتمل أن يكون لقوله صلى الله عليه وسلم (( نام الغليم ) )بناء على جواز إطلاق السمر على الكلمة الواحدة، كما قاله ابن المُنيِّر، ويحتمل أن يكون لارتقاب ابن عباس رضي الله عنهما لأحوال النبي صلى الله عليه وسلم، إذ لا فرق بين التعلم من القول، والتعلم من الفعل، فقد سمر ابن عباس رضي الله عنهما ليلته في طلب العلم.
وتُعقِّب [2] ذلك بأن المتكلم بالكلمة الواحدة لا يُسَّمى سامرًا، وبأن صنيع ابن عباس رضي الله عنهما يسمى سهرًا لا سمرًا؛ لأن السمر لا يكون إلا بالتحدث.
وأجاب عنه محمود العيني بأن حقيقة السمر التحدث بالليل، ويصدق بكلمة واحدة، ولم يشترط التعدد أحد، وكما يطلق السمر على القول يطلق على الفعل، يقال سمر القوم الخمر إذا شربوها ليلًا، قال القطامي
~ومصرَّعِين مِن الكلالِ كأنَّمَا سمَرُوا الغَبُوق مِن الطِّلاء المُعْرَق
وسامر الإبل ما رُعي منها بالليل يقال إن إبلنا تسمر؛ أي ترعى ليلًا.
وقال الكرماني وجه المطابقة (ما يفهم من جعله على يمينه كأنه صلى الله عليه وسلم قال لابن عباس رضي الله عنهما(( قف عن يميني ) )فقال فوقفت، فجعل الفعل بمنزلة القول، أو أن الغالب أن
ج 1 ص 679
الأقارب إذا اجتمعوا لا بد أن يجري بينهم حديث للمؤانسة، وحديثه صلى الله عليه وسلم كله علم وفوائد، ويبعد من مكارمه أن يدخل ابن عباس بيته ولا يكلمه أصلًا). انتهى.
وقال الحافظ العسقلاني (والأولى أن يقال إن مناسبة الحديث للترجمة مستفادة من لفظ آخر في هذا الحديث بعينه من طريق أخرى، وهذا يصنعه المؤلف كثيرًا؛ يريد به تنبيه الناظر في كتابه على الاعتناء بتتبع طرق الحديث، والنظر في مواقع ألفاظ الرواية؛ لأن تفسير الحديث بالحديث أولى من الخوض فيه بالظن، فإنما أراد البخاري هنا ما وقع في بعض طرق هذا الحديث مما يدل صريحًا على حقيقة السمر بعد العشاء، وهو ما أخرجه في «التفسير» وغيره من طريق كُريب عن ابن عباس قال «بت في بيت ميمونة فتحدث رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أهله ساعة ثم رقد [خ¦4569] ، فصحت الترجمة من غير حاجة إلى تعسف ولا رجم بالظن، فإن قيل هذا إنما يدل على السمر مع الأهل لا في العلم» ، فالجواب أنه ملحق به، والجامع تحصيل الفائدة، أو هو بدليل الفحوى؛ لأنه إذا شرع في المباح ففي المستحب بطريق الأولى) . انتهى.
وتعقبه محمود العيني بما حاصله أن من يعقد بابًا بترجمة، وليضع فيه حديثًا يبعد أن يضع هذا الحديث في باب آخر بطريق آخر، ويشير إليه بما ذكره في هذا الباب، والله أعلم بالصواب.
[1] (( من قوله وسبب مبيته. .. إلى قوله فبات عندها ) )ليس في (خ) .
[2] في هامش الأصل عسقلاني )) .