فهرس الكتاب

الصفحة 209 من 11127

118 - (حدثنا عبدُ العَزيزِ بنُ عبدِ اللهِ) بن يحيى الأويسي العامري القرشي المدني، أبو القاسم (قالَ حَدَّثَنَي) بالتوحيد (مَالِكٌ) أي ابن أنس إمام دار الهجرة.

(عَن ابْنِ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهري (عنِ الأَعْرجِ) هو عبد الرحمن بن هرمز أبو داود القرشي، مولاهم، ويجوز ذكر الراوي بلقبه أو صفته التي يكرهها إذا كان المراد تعريفه لا نقصه كما يجوز جرحهم للحاجة (عن أبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه.

وفي هذا الإسناد رواية تابعي عن تابعي، وقد أخرج متنه المؤلف في «المزارعة» [خ¦2350] ، وفي «الاعتصام» أيضًا [خ¦7354] ، وأخرجه مسلم في «الفضائل» ، والنسائي في «العلم» ، وابن ماجه في «السنة» .

(قال) أي إنه قال (إنَّ النَّاسَ يقولونَ أَكْثَرَ) بصيغة الماضي من الأفعال (أَبو هُريرةَ) أي من رواية الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما صرح به المؤلف

ج 1 ص 680

في «البيوع» [خ¦2047] من طريق شعيب عن الزهري (( أكثر أبو هريرة من الحديث ) )، وفي روايته فيه، وفي «المزارعة» من طريق إبراهيم بن سعد عن الزهري هنا زيادة وهي قوله (( ويقولون ما للمهاجرين والأنصار لا يحدثون مثل أحاديثه ) ) [خ¦2350] وبها تتبين الحكمة في ذكر أبي هريرة المهاجرين والأنصار، ولم يقل «أكثرت» ؛ لأنه حكى كلام الناس فيه، وفي المهاجرين والأنصار.

(ولولا آيتَان) موجودتان (في كتابِ اللِه) تعالى (ما) أي لما (حَدَّثْتُ حَدِيثًا) وهو من مقول قال (ثُمَّ يَتْلُو) أي قال الأعرج ثم يتلو أبو هريرة رضي الله عنه، وذكر بلفظ المضارع استحضارًا لصورة التلاوة كأنه فيها، وفي بعض النسخ ( {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ} ) كأحبار اليهود، ( {مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ} ) كالآيات الشاهدة على أمر محمد صلى الله عليه وسلم ( {وَالْهُدَى} ) وما يهدي إلى وجوب اتباعه، والإيمان به.

(إِلَى قَوْلِهِ {الرَّحِيمُ} ) يعني قوله تعالى ( {مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ} ) لخصناه ( {فِي الْكِتَابِ} ) في التوراة ( {أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ} ) أي الذين يتأتى منهم اللعن عليهم من الملائكة والثقلين ( {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا} ) عن الكتمان وسائر ما يجب أن يتاب عنه ( {وَأَصْلَحُوا} ) ما أفسدوا بالتدارك ( {وَبَيَّنُوا} ) ما بينه الله في كتابهم ليتم توبتهم، وقيل ما أحدثوه من التوبة ليمحوا سمة الكفر عن أنفسهم، ويقتدي بهم أضرابهم ( {فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ} ) بالقبول والمغفرة ( {وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} ) المبالغ في قبول التوبة، وإفاضة الرحمة، والمعنى لولا أن الله تعالى ذم الكاتمين للعلم لما حدثتكم أصلًا، لكن لما كان الكتمان حرامًا وجب الإظهار والتبليغ، فلهذا حصل مني الإكثار؛ لكثرة ما عندي من الحديث الذي هو من العلم، ثم بين سبب الكثرة فقال على طريقة الاستئناف

(إِنَّ إِخْوَانَنَا) وأراد بصيغة الجمع نفسه وأمثاله من أهل الصُّفَّة، والمراد أخوة الإسلام (مِنَ الْمُهَاجِرِينَ) الذين هاجروا من مكة إلى المدينة لرسول الله صلى الله عليه وسلم (كَانَ يَشْغَلُهُمُ) بفتح أوله وعين فعله من الثلاثي المجرد، وحكي ضم أوله من الإشغال وهو شاذ.

(الصَّفْقُ) بفتح الصاد المهملة وإسكان الفاء، كناية عن التبايع، يقال صفقت له بالبيع صفقًا؛ أي ضربت يدي على يده للعقد، وقيل أصله من تصفيق الأيدي بعضها على بعض من المتبايعين، وقد جرت عادتهم بذلك عند عقدهم.

(بِالأَسْوَاقِ)

ج 1 ص 681

أي في الأسواق، وهي جمع سوق يذكر ويؤنث، وسميت به؛ لقيام الناس فيها على سوقهم (وِإِنَّ إِخْوَانَنَا مِنَ الأَنْصَارِ) وهم أصحاب المدينة الذين آووا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونصروه بأنفسهم وأموالهم من الأوس والخزرج.

(كَانَ يَشْغَلُهُمُ الْعَمَلُ فِي أَمْوَالِهِمْ) يريد به الزراعة؛ أي القيام على مصالح زرعهم وحيطانهم، وفي رواية مسلم (( كان يشغلهم عمل أرضهم ) )، وفي رواية ابن سعد (( كان يشغلهم القيام على أراضيهم ) ).

(وَإِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) فيه التفات فإن حق الظاهر أن يقول وإني (كَانَ يَلْزَمُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِشِبَعِ) بالباء الموحدة (بَطْنِهِ) وفي رواية باللام وكلاهما للتعليل؛ أي لأجل شبع بطنه، وروي بلام «كي» ، وبصورة المضارع المنصوب، والشِّبَع _ بكسر الشين وفتح الموحدة _ مثل عنب، وحكي الشَّبْع _ بفتح الشين وإسكان الباء أيضًا _ وهو نقيض الجوع، وأما الشِّبْع _ بكسر الشين وإسكان الباء _ فهو اسم ما أشبعك من شيء. وفي الحديث (( آجر موسى عليه السلام نفسه من شعيب عليه السلام بشبع بطنه، وعفة فرجه ) )، والمعنى أنه كان يلازم قانعًا بالقوت لا مشتغلًا بالتجارة ولا بالزراعة، وفي رواية المصنف في «البيوع» (( وكنت امرأً مسكينًا من مساكين الصفة ) ) [خ¦2047] .

(وَيَحْضُرُ مَا لاَ يَحْضُرُونَ) من أحوال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا إشارة إلى المشاهدات، (وَيَحْفَظُ مَا لاَ يَحْفَظُونَ) من أقواله صلى الله عليه وسلم، فهذا إشارة إلى المسموعات، وأما ما تقدم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه «ما من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أحد أكثر حديثًا عنه مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو، فإنه كان يكتب ولا أكتب» [خ¦113] ؛ فمحمول على أن عبد الله كان أكثر تحملًا من جهة الكتابة، وإن كان أبو هريرة أكثر تحملًا من جهة مطلق السماع، وأكثر رواية منه.

ومن فوائد هذا الحديث حفظ العلم، والمواظبة على طلبه، ومنها فضيلة أبي هريرة رضي الله عنه، وفضل التقلل من الدنيا، وإيثار طلب العلم على طلب المال، ومنها جواز الإخبار عن نفسه بفضيلته إذا اضطر إلى ذلك وأَمِنَ الإعجاب، ومنها جواز إكثار الحديث، وجواز التجارة والعمل، وجواز الاقتصار على الشبع، وقد تكون مندوبات، وقد تكون واجبات بحسب

ج 1 ص 682

الأشخاص والأوقات.

[1] (( وفي بعض النسخ ثم تلا ) )ليس في (خ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت