فهرس الكتاب

الصفحة 211 من 11127

120 - (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) أي ابن أبي أويس (قَالَ حَدَّثَنِي) بالتوحيد، وفي رواية (أَخِي) هو عبد الحميد بن أبي أويس الأصبحي المدني القرشي أبو بكر الأعشى، مات سنة اثنتين ومائتين.

(عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ) قد ذكر آنفًا، (عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ) بضم الموحدة، (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه، وفي هذا الإسناد رواية الأخ عن الأخ، وهذا الحديث مما انفرد به البخاري

ج 1 ص 685

عن الجماعة.

(قَالَ) أي إنه قال (حَفِظْتُ عِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) وفي رواية وقع بدل ، قيل وهو أصرح في تلقيه من النبي صلى الله عليه وسلم بلا واسطة (وِعَاءَيْنِ) بكسر الواو والمد جمع وعاء، وهو الظرف الذي يحفظ فيه الشيء، ويجمع على أوعية، ويؤخذ منه الفعل، ويقال أوعيت الزاد والمتاع إذا جعلته في الوعاء، قال عبيد بن الأبرص

~الخيرُ يبقَى وإنْ طالَ الزَّمان بهِ والشَّرُّ أَخبثُ مَا أوعيْتَ مِن زادِ

وهو من باب ذكر المحل وإرادة الحال؛ أي نوعين من العلم اللذين لو كتب كل منهما لملأ وعاء، قيل ويحتمل أن يكون أبو هريرة رضي الله عنه أملا حديثه على من يثق به فكتبه له وتركه عنده، وهو ضعيف، وليس هذا مخالفًا لما وقع في «المسند» عنه (( حفظت ثلاثة أجربة بثثت منها جرابين ) )لأنه يحمل على أن الجرابين منها كانا من نوع واحد وهو الأحكام، وما يتعلق بظواهر الشرع، والجراب الآخر الأحاديث التي لو نشرها لقطع بلعومه، ولا شك أن النوع الأول كان أكثر من النوع الثاني، فلذلك عبر عنه بالجرابين، وعن النوع الثاني بجراب واحد، وكذا ما وقع في رواية «الفاضل» الرامهرمزي من طريق منقطعة عن أبي هريرة (( خمسة أجربة ) )ويعرف من هذا أن ما نشره من الحديث أكثر مما لم ينشره.

(فَأَمَّا أَحَدُهُمَا) أي أحد ما في الوعاءين من نوعي العلم (فَبَثَثْتُهُ) بفتح الموحدة والمثلثة بعدها مثلثة ساكنة؛ أي أذعته ونشرته، وزاد الإسماعيلي (( في الناس ) ) (وَأَمَّا الآخَرُ فَلَوْ بَثَثْتُهُ) ونشرت في الناس (قُطِعَ) وفي رواية باللام (هَذَا الْبُلْعُومُ) بضم الموحدة، وفي رواية المستملي وقع زيادة هي قوله أي البخاري أي في الحلق وهو المري، كذا فسره القاضي والجوهري، وكذا البلعم.

وقال الفقهاء الحلقوم مجرى النَّفَس، والمري مجرى الطعام والشراب، وهو تحت الحلقوم.

وقال ابن بطال البلعوم الحلقوم، وهو مجرى النَّفَس إلى الرئة، والمري مجرى الطعام والشراب إلى المعدة فتصل بالحلقوم، وكنى بذلك عن القتل، وفي رواية الإسماعيلي (( لقطع هذا ) )يعني رأسه.

واعلم أنه أراد بالأول الذي حفظه من السنن المذاعة، وبالثاني ما كتمه من أخبار الفتن وأشراط الساعة، وما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم من فساد الدين، وتغير الأحوال، وتضييع حقوق الله تعالى على يدي أغيلمة من سفهاء قريش،

ج 1 ص 686

وقد كان أبو هريرة رضي الله عنه يقول «لو شئت أن أسميهم بأسمائهم» ، فخشي على نفسه، فلم يصرح، وكذلك ينبغي لكل من أمر بمعروف إذا خاف على نفسه في التصريح أن يُعرِّض، ولو كانت الأحاديث التي لم يحدِّث بها من الحلال والحرام؛ لما وسعه كتمها بحكم الآية السابقة في الباب السابق.

ويقال حمل الوعاء الثاني الذي لم يبثّه على الأحاديث التي فيها تبيين أسماء أمراء الجور وأحوالهم وذمِّهم، وقد كان أبو هريرة رضي الله عنه يكني عن بعضهم ولا يصرح به خوفًا على نفسه منهم كقوله «أعوذ بالله من رأس الستين، وإمارة الصبيان» ، يشير بذلك إلى خلافة يزيد بن معاوية؛ لأنها كانت سنة ستين من الهجرة، فاستجاب الله تعالى دعاء أبي هريرة رضي الله عنه، فمات قبلها بسنة.

وقال الكرماني وهذا الحديث هو قطب مدار استدلالات المتصوفة حيث قالوا المراد بالأول علم الأحكام والأخلاق، وبالثاني علم الأسرار المصون عن الأغيار، المختص بالعلماء بالله من أهل العرفان، يقولون ها هو ذا أبو هريرة عريف أهل الصفة الذين هم شيوخنا في الطريقة.

وقال قائلهم

~إنِّي لأكتُم مِن علْمِي جواهرُهُ كَي لَا يَرى الحقَّ ذُو جهلٍ فيفتتَنَا

~فقدْ تقدَّم فِي هذَا أَبو حسنٍ إِلى الحُسَين ووصَّى قبْلَه الحسَنَا

~يا رُبَّ جَوْهَر علمٍ لَو أبوحُ بهِ لقيلَ لِي أنتَ ممَّن يعبُدُ الوثَنَا

~ولاستحَلَّ رجالٌ مسلمونَ دَمِي يَرَون أقبَحَ مَا يأتونَهُ حسنَا

وقال آخرون منهم العلم المكنون، والسر المصون علمنا، وهو نتيجة الخدمة، وثمرة الحكمة، والإيقان الذي هو منتهى علم الشرائع، لا يظفر بها إلا الغواصون في بحار المجاهدات، ولا يسعد بها إلا المصطفون بأنوار المجاهدات وأسرار المشاهدات، إذ هي أسرار متمكنة في القلوب، لا تظهر إلا بالرياضة، وأنوار ملمعة في الغيوب، لا تنكشف إلا للأنفس المرتاضة. انتهى.

إلا أنه في كون هذا هو المراد نظر؛ لأنه لو كان كذلك؛ لما وسع أبا هريرة كتمانه مع ما ذكره من الآية الدالة على ذم كتم العلم، لاسيما هذا الذي هو لب ثمرة العلم على أنه لم يكشفه أصلًا، فمن أين علم أن الذي كتمه هو هذا، فمن ادعى ذلك فعليه البيان، فقد ظهر أن الاستدلال بذلك لطريق القوم فيه ما فيه.

وقال القسطلاني (على أنهم في غنية عن الاستدلال، إذ الشريعة ناطقة بأدلتهم، فمن تصفح الأخبار، وتتبع الآثار، مع التأمل والاستنارة بنور الله ظهر له ذلك، والله أعلم) .

ثم اعلم أن ما ذهب إليه القوم من علم الباطن إنما يعتد به إذا لم تدفعه القواعد الإسلامية، ولم تنفه القوانين الإيمانية، إذ ما بعد الحق إلا الضلال، وأما

ج 1 ص 687

الذي حاصله الانحلال من الدين فباطل قطعًا.

تذييل قال الشيخ أبو حامد الغزالي متصوفة أهل الزمان (إلا من عصمه الله تعالى، اعتبروا بالزِّيِّ والمنطق، والهيئة من السماع والرقص، والجلوس على السجادات، وإطراق الرأس، وإدخاله في الجيب كالمتفكر، ومن تنفّس الصعداء، وخَفْتِ الصوت في الحديث إلى غير ذلك، فظنوا أنهم لذلك منهم، ولم يُتعبوا أنفسهم قط في المجاهدات والرياضات، ومراقبة القلب، وتطهير الباطن والظاهر من الآثام الخفية والجلية، وكل ذلك من أوائل منازل الصوفية، ولو فرغوا من جميعها؛ لما جاز لهم أن يعدوا أنفسهم من الصوفية، كيف ولم يحوموا قط حولها، بل يتكالبون على أكل الحرام والشبهات، وأموال السلاطين، ويتنافسون في الفلس والرغيف، والحبة، ويتحاسدون على النقير والقطمير، ويمزق بعضهم أعراض بعض، وليسوا من الرجال في شيء، بل أعجز العجائز في المعارك، فإذا كشف عنهم الغطاء؛ فوافضيحتاه على رؤوس الأشهاد) .

قال(ومنهم طائفة ادعت علم المعرفة، ومشاهدة الحق، ومجاوزة المقامات والأحوال، ولا يعرف هذه الأمور إلا بالأسامي والألفاظ، إلا أنه تلقن من ألفاظ الطائفة كلمات فهو يرددها، ويظن أن ذلك علمٌ أعلى من علوم الأولين والآخرين، فهو ينظر إلى الفقهاء والمفسِّرين والمحدثين بعين الازدراء، حتى إن الفلاَّح يترك فلاحته، والحائك حياكته، ويلازمهم أيامًا، ويتلقَّن منهم هذه الكلمات المزيفة فهو يرددها كأنه يتكلم عن الوحي أو يخبر عن سر الأسرار، ويستحقر بذلك جميع العباد والعلماء الأبرار فيقول في العباد إنهم أجراء متعبون، وفي العلماء أنهم بالحديث عن الله محجوبون.

ويدعي لنفسه أنه الواصل إلى الحق وأنه من المقربين وهو عند الله من الفجار المنافقين، وعند أرباب القلوب من الحمقى الجاهلين وأصناف غرور أهل الإباحة من المتشبهين بالصوفية لا تحصى، وأنواعها لا تستقصى، ومن الله الاستعانة وبه الاستعاذة)انتهى. والله هو الهادي إلى سواء السبيل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت