1343 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنيسي، قال (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) هو ابن سعد إمام مصر (قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلم الزهري (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ) هو أبو الخطَّاب الأنصاري السلمي (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) الأنصاريِّ رضي الله عنه.
قال الحافظ العسقلانيُّ كذا يقول الليث عن ابن شهابٍ عن عبد الرَّحمن عن جابر رضي الله عنه، قال النَّسائي لا أعلم أحدًا من ثقات أصحاب ابن شهاب تابع اللَّيث على ذلك، ثمَّ ساقه من طريق عبد الله بن المبارك عن معمر عن ابن شهاب عن عبد الله بن ثعلبة، فذكر الحديث مختصرًا.
وكذا أخرجه أحمد من طريق محمد بن إسحاق والطَّبراني من طريق عبد الرَّحمن بن إسحاق وعَمرو بن الحارث كلهم عن ابن شهاب عن عبد الله بن ثعلبة، وعبد الله له رؤية فحديثه من حيث السَّماع مرسل.
وقد رواه عبد الرَّزاق عن معمر فزاد فيه جابرًا وهو ممَّا يقوِّي اختيار البخاري فإنَّ ابن شهابٍ صاحب حديثٍ فيُحمل على أنَّ الحديث عنده عن شيخين ولاسيما أنَّ في رواية عبد الرَّحمن بن كعب ما ليس في رواية عبد الله بن ثعلبة، قال الذَّهبي عبد الله بن ثعلبة له رؤية ورواية.
وقد روى البيهقيُّ من حديث عبد الرَّحمن بن عبد العزيز الأنصاري حدَّثنا الزُّهري حدَّثنا عبد الرَّحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم أُحد (( من رأى مقتل حمزة؟ ) )فقال رجل أنا، فخرج حتَّى وقف على حمزة فرآه وقد شقَّ بطنه ومُثِّل به، فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينظرَ إليه، ثمَّ وقف بين ظهراني القتلى فقال (( أنا شهيدٌ على هؤلاء لفُّوهم في دمائهم، فإنَّه ليس جريحٌ يجرح إلَّا جاء
ج 6 ص 432
يوم القيامة يدمى، لونه لون الدَّم وريحه ريح المسك وقال قدِّموا أكثر القوم قرآنًا فاجعلوه في اللحد )) .
قال البيهقيُّ في هذا زيادات ليست في رواية الليث، وفي رواية الليث زيادةٌ ليست في هذه الرِّواية، فيحتمل أن يكون روايته أولى. وعبد الرَّحمن بن عبد العزيز ضعيفٌ، وقد أخطأ في قوله «عن أبيه» . وروى الحاكم من حديث أسامة بن زيد أنَّ ابن شهاب حدَّثه أنَّ أنسًا رضي الله عنه حدَّثه أنَّ شهداء أحد لم يغسَّلوا ودُفِنوا بدمائهم ولم يصلَّ عليهم، وهو صحيحٌ على شرط مسلم ولم يخرِّجه، وفي «العلل» للتِّرمذي قال محمد حديث أسامة عن الزُّهري عن أنس غير محفوظ غلط فيه أسامة.
(قَالَ) أي جابر رضي الله عنه (كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ) أي غزوة أحد، والقتلى جمع قتيل، كالجرحى جمع جريح (فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ) ظاهره تكفين الاثنين في ثوبٍ واحدٍ إمَّا بأن يجمعهما فيه، وإمَّا أن يقطعَه بينهما.
وقال المظهريُّ في «شرح المصابيح» قوله «في ثوبٍ واحدٍ» ؛ أي في قبرٍ واحدٍ إذ لا يجوز تجريدهما في ثوبٍ واحدٍ بحيث يتلاقى بشرتاهما بل ينبغي أن يكون على كلِّ واحدٍ منهما ثيابه الملطَّخة بالدَّم ولكن يضجع أحدهما بجنب الآخر في قبرٍ واحد.
(ثُمَّ يَقُولُ) صلى الله عليه وسلم (أَيُّهُمْ) أي أيُّ القتلى هذه رواية الكُشميهني، وفي رواية الحمويي والمستلمي أي أيُّ الرَّجلين (أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ) بنصب «أخذًا» على التَّمييز؛ أي أعلم بالقرآن (فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ) صلى الله عليه وسلم (إِلَى أَحَدِهِمَا قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ، وَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلاَءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) قال المظهريُّ أنا شفيع لهؤلاء أشهد لهم بأنَّهم بذلوا أرواحهم لله تعالى وتركوا حياتهم، انتهى.
وتعقَّبه الطِّيبي بأنَّ هذا الذي قاله لا يساعده تعدية الشَّهيد بـ «على» ولو أُريد ما قال لقيل أنا شهيدٌ لهم، فعدل عن ذلك لتضمين «شهيد» معنى رقيب وحفيظ؛ أي أنا حفيظ عليهم أراقب أحوالهم وأصونهم من المكاره وشفيعٌ لهم، ومنه قوله تعالى {وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [المجادلة 6] {كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [المائدة 117] .
(وَأَمَرَ) صلى الله عليه وسلم (بِدَفْنِهِمْ فِي دِمَائِهِمْ، وَلَمْ يُغَسَّلُوا) على صيغة
ج 6 ص 433
البناء للمفعول (وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِمْ) على صيغة المجهول أيضًا.
وفي رواية للبخاريِّ وستأتي إن شاء الله تعالى [خ¦1347] (( ولم يصلِّ عليهم ولم يغسلهم ) )كلاهما على صيغة المعلوم؛ أي لم يفعل ذلك النَّبي صلى الله عليه وسلم بنفسه ولا بأمره.
وعند أحمد أنَّه صلى الله عليه وسلم قال (( لا تغسلوهم فإنَّ كلَّ جرحٍ أو كَلْم أو دمٍ يفوح مسكًا يوم القيامة ولم يصلِّ عليهم ) ).
والحكمة في ذلك إبقاء أثر الشَّهادة عليهم والتَّعظيم لهم باستغنائهم عن دعاء القوم.
وقد اختلف العلماء في غسل الشُّهداء والصَّلاة عليهم، والجمهور على أنَّه لا يغسل الشَّهيد، وقال سعيد بن المسيب والحسن بن أبي الحسن أنَّه يغسل قالا ما مات ميت إلَّا أجنب. رواه ابن أبي شيبة عنهما بسندٍ صحيحٍ.
وحكي ذلك عن ابن سريج من الشَّافعية وعن غيره أيضًا وهو من الشُّذوذ، وعن الحسن بسندٍ صحيحٍ أن النَّبي صلى الله عليه وسلم أمر بحمزة رضي الله عنه فغسل، وحكي عن الشعبي وغيره أنَّ حنظلة بن الرَّاهب غسلته الملائكة.
وأُجيب بأنَّه كان جنبًا، وقال السُّهيلي في ترك غسل الشُّهداء تحقيق حياتهم وتصديق قوله عزَّ وجل {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا} الآية [آل عمران 169] [1] ، ولأنَّ الدم أثر عبادة فلا يُزَال، كما قالوا في السِّواك للصَّائم، وأمَّا الصَّلاة عليهم فقد ذكر الخلاف فيه في أوَّل الباب.
وقال أصحابنا الحنفيَّة الشَّهيد يصلَّى عليه بلا غسلٍ، واحتجُّوا في ذلك بحديث عقبة الآتي عن قريب [خ¦1344] . وبما رواه ابن ماجه من حديث يوم أحدٍ فجعل يصلِّي على عشرة عشرة وحمزة، وهو كما هو يرفعون وهو كما هو موضوعٌ. وروى الطَّحاوي بإسناده إلى ابن عبَّاس رضي الله عنهما أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوضعُ بين يديه يوم أحد عشرة فيصلِّي عليهم وعلى حمزة، ثمَّ يرفع العشرة وحمزة موضوعٌ، ثمَّ يوضع عشرة فيصلِّي عليهم وعلى حمزة معهم رضي الله عنهم.
وأخرجه البزَّار في «مسنده» بأتمَّ منه بإسناده على ابن عبَّاس رضي الله عنهما أيضًا قال لمَّا قتل حمزة يوم أحد أقبلت صفيَّة أخت حمزة من الأبوين تسأل ما صنع؟ فلقيت عليًّا والزُّبير رضي الله عنهما فقالت يا علي ويا زبير ما فعل حمزة فأوهماها أنَّهما لا يدريان قال فضحك النَّبي صلى الله عليه وسلم وقال (( إنِّي أخاف على عقلِها فوضع يده على صدرهَا فاسترجعتْ وبكتْ ) )ثمَّ قام عليه وقال (( لولا جزع النِّساء لتركته حتَّى يحشر
ج 6 ص 434
من بطون السِّباع وحواصل الطَّير، ثمَّ أتى بالقتلى فجعل يصلِّي عليه فيوضع سبعة وحمزة فكبَّر عليهم سبع تكبيراتٍ، ثمَّ يرفعون ويترك حمزة مكانه، ويوضع سبعة فكبَّر عليهم سبع تكبيراتٍ حتَّى فرغ منهم )) .
وأخرجه الحاكم في «مستدركه» والطَّبراني في «معجمه» والبيهقيُّ في «سننه» ولفظهم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بحمزة يوم أُحد ثمَّ كبَّر عليه سبعًا، ثمَّ جمع إليه الشُّهداء حتَّى صلَّى عليه سبعين صلاةً.
زاد الطَّبراني (( ثمَّ وقف عليهم حتَّى واراهم ) )وسكت الحاكم عنه، وروى ابن هشام في «السيرة» عن ابن إسحاق حدَّثني من لا أتَّهم عن مِقْسم مولى ابن عبَّاس، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال (( أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بحمزة رضي الله عنه فسجِّي ببردة، ثمَّ صلَّى عليه فكبَّر تسع تكبيراتٍ، ثمَّ أتى بالقتلى يصفون ويصلَّى عليهم وعليه معهم ) ).
وأخرجه ابنُ شاهين أيضًا في كتابه من حديث ابن إسحاق عن يحيى بن عبَّاد عن عبد الله بن الزبير. وروى الطَّحاوي أيضًا من حديث أبي مالكٍ الغفاري قال كان قتلى أحدٍ يُؤتى بتسعةٍ وعاشرهم حمزة فيصلِّي عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمَّ يحملون، ثمَّ يؤتى بتسعة وحمزة مكانه حتَّى صلَّى عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ورواه أيضًا الدَّارقطني عن أبي مالك قال كان يجاء بقتلى أحد تسعة وحمزة عاشرهم فيصلِّي عليهم فيرفعون التِّسعة ويدعون حمزة رضي الله عنه.
وأخرجه البيهقيُّ أيضًا ولفظه قال صلَّى النَّبي صلى الله عليه وسلم على قتلى أحدٍ عشرة عشرة في كلِّ عشرةٍ منهم حمزة حتَّى صلَّى عليه سبعين صلاةً.
وقال الذَّهبي في «مختصر السنن» كذا قال ولعله سبع صلواتٍ، إذ شهداء أحد سبعون أو نحوها. وأخرجه أبو داود أيضًا في «المراسيل» ، وأبو مالك اسمه غزوان الكوفيُّ، وثَّقه ابن معين، وذكره ابن حبَّان في التابعين الثِّقات.
ولنا معاشر الحنفيَّة أن نرجِّح مذهبنا بأمورٍ منها أنَّ حديث عقبة رضي الله عنه الآتي ذكره [خ¦1344] مُثْبِتٌ، وكذا غيره ممَّا ذكر فيه الصَّلاة على الشَّهيد، وحديث جابرٍ رضي الله عنه ناف، والمثبت مقدَّم على النَّافي.
ومنها أنَّ جابرًا رضي الله عنه كان مشغولًا بقتل أبيه وعمه على ما يجيء، فذهب إلى المدينة ليدبِّر حملهم، فلمَّا سمع المنادي بأنَّ القتلى تدفن في مصارعهم سارع لدفنهم فدلَّ على أنَّه لم يكن حاضرًا حين الصَّلاة.
على أنَّ في «الإكليل» حديثًا عن ابن عقيل عن جابرٍ رضي الله عنه أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم صلَّى على حمزة ثمَّ جيء بالشُّهداء
ج 6 ص 435
فوضعوا إلى جنبه فصلَّى عليهم. فالشَّافعية يحتجُّون برواية ابن عقيل ويوجبون بها التَّسليم من الصَّلاة.
ومنها أنَّ ما روى أصحابنا أكثر ممَّا رواه أصحاب الشَّافعي [2] .
ومنها أنَّ الصَّلاة على الموتى أصل في الدِّين وفرض كفاية فلا يسقط من غير فعل أحد بالتَّعارض بخلاف غسله إذ النَّصُّ في سقوطه لا معارض له.
ومنها أنَّه لو كانت الصَّلاة عليهم غير مشروعة لبيَّنها النَّبي صلى الله عليه وسلم كما نبَّه على الغسل.
ومنها أنَّا نتنزل ونقول كما قال الطَّحاوي لم يصلِّ عليه السلام وصلَّى غيره، ومنها أنَّه يجوز أنَّه لم يصلِّ عليهم في ذلك اليوم لما حصل له من الجراحة وشبهها ولاسيَّما من ألمه على حمزة رضي الله عنه وغيره رضي الله عنهم وصلَّى عليهم في يومٍ غيره؛ لأنَّه لا يعتريهم تغيُّر كما جاء في صلاته عليهم بعد ثمان سنين.
ومنها أنَّه قد روي أنَّه صلَّى على غيرهم.
ومنها أنَّه ليس لهم أن يقولوا يحمل قول عقبة «صلَّى عليهم» ، على معنى استغفر لهم؛ لقوله «صلاته على الميت» .
ومنها أنَّ ما ذهب إليه أصحابنا أحوط في الدَّفن، وفيه تحصيل الأجر وقد قال صلى الله عليه وسلم (( من صلَّى على ميت فله قيراطٌ ) )ولم يفصِّل ميتًا من ميت، فإن قالوا إنَّ الصَّلاة لا تصحُّ على الميت بلا غسل فلمَّا لم يغسل الشَّهيد لم تصحَّ الصَّلاة.
فالجواب أنَّه ينبغي أن لا يدفن أيضًا بلا غسل فلمَّا دفن الشَّهيد بلا غسل دلَّ أنَّه في حكم المغسول فيصلَّى عليه.
فإن قالوا الشُّهداء أحياءٌ بنصِّ الآية، والصَّلاة إنَّما شرعت على الموتى، فالجواب أنَّه على هذا ينبغي أن لا يقسم ميراثهم ولا تزوج نسائهم، وشبه ذلك، وإنَّما هم أحياء في حكم الآخرة لا في حكم الدُّنيا والصَّلاة عليهم من أحكام الدُّنيا، كذا قال في «المبسوط» .
فإن قالوا ترك الصَّلاة عليهم لاستغنائهم مع التَّخفيف على من بقي من المسلمين.
فالجواب أنَّه لا يستغني أحدٌ عن الخير والصَّلاة خير موضوع ولو استغنى عنه أحدٌ من هذه الأمَّة لاستغنى أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، وكذلك الصِّغار وهو في مثل حالهم، والتَّعليل بالتَّخفيف لا وجه له؛ لأنَّهم يسعون في تجهيزهم وحفر قبورهم ونحو ذلك فالصَّلاة أخفُّ من هذا كلِّه.
فإن قالوا إنَّكم لا ترون الصَّلاة على القبر بعد ثلاثة أيام.
فالجواب أنَّه ليس كذلك بل يجوز الصَّلاة على القبر ما لم يتفسَّخ،
ج 6 ص 436
والشُّهداء لا يتفسَّخون ولا يحصل لهم تغيُّر فالصَّلاة عليهم لا تمتنع أيَّ وقتٍ كان.
وقال ابن التِّين وفي الحديث جواز جمع الرَّجلين في ثوبٍ واحد، وقال أشهبُ لا يفعل ذلك إلَّا للضَّرورة، وكذا الدَّفن.
وعن ابن تيميَّة معنى الحديث أنَّه كان يقسم الثَّوب الواحد بين الجماعة فيكفِّن كلَّ واحدٍ ببعضه للضَّرورة وإن لم يستر إلَّا بعض بدنه، يدلُّ عليه تمام الحديث أنَّه كان يسأل عن أكثرهم قرآنًا فيقدِّمه في اللَّحد، فلو أنَّهم في ثوبٍ واحدٍ جملة لسأل عن أفضلهم قبل ذلك كيلا يؤدِّي إلى نقص التَّكفين.
وقال ابن العربي فيه دليلٌ على أنَّ التَّكليف قد ارتفعَ بالموت، وإلَّا فلا يجوز أن يلصق الرَّجل بالرَّجل، وفيه التَّفضيل بقراءة القرآن، فإذا استووا في القراءة قُدِّم أكبرهم؛ لأنَّ للسن فضيلةٌ.
وفيه جواز دفن الاثنين والثَّلاث في قبرٍ، وبه أخذ غير واحدٍ من أهل العلم.
وكرهه الحسن البصري، ولا بأس أن يدفنَ الرَّجل والمرأة في القبر الواحد، وهو قول مالكٍ وأبي حنيفة والشَّافعي وأحمد وإسحاق غير أنَّ الشَّافعي وأحمد قالا ذلك موضعه الضَّرورات وحجَّتهم حديث جابر رضي الله عنه.
وقال أشهبُ إذا دفن اثنان في قبر لم يجعل بينهما حاجز من التُّراب، وذلك أنَّه لا معنى له إلَّا التَّضييق.
وذكر ابن أبي حاتمٍ بسنده عن قتادة عن أنس رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع يوم أحد النَّفر في القبر الواحد، فكان يقدِّم في القبر إلى القبلة أقرأهم ثمَّ ذا السِّن.
وقال القدوريُّ في «شرحه» والسَّرخسي في «المبسوط» إن وقعت الحاجة فلا بأس أن يدفنَ الاثنان أو الثَّلاثة في قبر واحدٍ، وفي المرغيناني أو خمسة، وهو إجماعٌ.
وفي «البدائع» ويقدِّم أفضلهما ويجعل بين كلِّ اثنين حاجزٌ من التُّراب فيكون في حكم قبرين ويقدم الرَّجل في اللحد، وفي صلاة الجنازة تقدَّم المرأة على الرَّجل إلى القبلة، ويكون الرَّجل إلى الرَّجل أقرب، والمرأة عنه أبعد.
وفيه دفن الشَّهيد بدمه، وروى النَّسائي من حديث معمر عن الزُّهري عن عبد الله بن ثعلبة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( زمِّلوهم بدمائهم ) ).
وحديث الباب أخرجه التِّرمذي والنَّسائي وابن ماجه أيضًا.
[1] في هامش الأصل {بل أحياء عند ربهم} مقربون عنده ذووا زلفى {يرزقون} مثل ما يرزق سائر الأحياء يأكلون ويشربون {فرحين بما آتاهم الله من فضله} وهو التَّوفيق في الشهادة، وما ساق إليهم من الكراهة والتَّفضيل على غيرهم من كونهم أحياء مقربين معجلًا لهم رزق الجنة ونعيمها، وعن النبي صلى الله عليه وسلم (( لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر تدور في أنهار الجنة وتأكل من ثمارها وتأوي إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش ) ). منه.
[2] قوله (( ومنها أن ما روى أصحابنا أكثر مما رواه أصحاب الشافعي ) )ليست في (خ) .