1350 - (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) المعروف بابن المديني، قال (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هو ابن عيينة، كذا نصَّ عليه الحافظ المزِّيُّ في «الأطراف» (قَالَ عَمْرٌو) هو ابن دينار.
(سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما قَالَ أَتَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ) بضم الهمزة وفتح الموحدة وتشديد المثناة التحتية، ابن سَلول _ بفتح السين المهملة _ وأبي هو أبو مالك بن الحارث بن عبيد، وسلول امرأةٌ من خزاعة وهي أمُّ أبي مالك بن الحارث، وأمُّ عبد الله بن أبي خولة بنت المنذر بن حرام من بني النَّجار، وعبد الله سيِّد الخزرج في الجاهليَّة وكان رأس المنافقين.
قال الواقديُّ مرض عبد الله بن أُبي في ليالٍ بقين من شوال ومات في ذي القعدة من سنة تسع من الهجرة وكان مرضه عشرين ليلةً، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعوده فيها، فلمَّا كان اليوم الذي توفِّي فيه دخل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يجود بنفسه، فقال (( قد نهيتك عن حبِّ يهود، فقال قد أبغضهم سعد بن زرارة فما نفعه، ثمَّ قال يا رسول الله ليس هذا بحين عتاب هو الموت فاحضر غسلي وأعطني قميصك الذي يلي جلدك فكفِّني فيه وصلِّي عليَّ واستغفر لي، ففعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ).
(بَعْدَ مَا أُدْخِلَ) على البناء للمفعول (حُفْرَتَهُ) أي قبره (فَأَمَرَ بِهِ) أي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بعبد الله بن أُبي؛ أي بإخراجه من قبره (فَأُخْرِجَ، فَوَضَعَهُ) رسول الله صلى الله عليه وسلم
ج 6 ص 458
(عَلَى رُكْبَتَيْهِ) بالتثنية (وَنَفَثَ عَلَيْهِ) وفي رواية أي من ريقه، والنفث _ بالمثلثة _ شبيه بالنفخ، وهو أقلُّ من التفل. قاله في «الصحاح» وزاد ابن الأثير في «النهاية» لأنَّ التفل لا يكون إلَّا ومعه شيءٌ من الرِّيق، وقيل هما سواءٌ؛ أي يكون معهما ريق.
(فَأَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ) جملة معترضة؛ أي فالله أعلم بسبب إلباس رسول الله صلى الله عليه وسلم إيَّاه قميصه؛ لأنَّ مثل هذا لا يفعل إلَّا مع مسلم، وقد كان يظهر من عبد الله هذا ما يقتضي خلاف ذلك، لكنَّه صلى الله عليه وسلم اعتمد ما كان يظهر منه من الإسلام، وأعرض عمَّا كان يتعاطاه ممَّا يقتضي خلاف ذلك، حتَّى نزل قوله تعالى {وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا} [التوبة 84] كما سبق [خ¦1269] .
(وَكَانَ) أي عبد الله (كَسَا عَبَّاسًا) عمَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم ورضي عنه (قَمِيصًا) وفي رواية فكافأه رسول الله صلى الله عليه وسلم بإلباسه قميصه، وذلك أنَّه رضي الله عنه لمَّا أُسِر يوم بدرٍ، وأُتِيَ به المدينة لم يجدوا قميصًا يصلح له إلَّا قميص عبد الله بن أُبي؛ لأنَّ العبَّاس رضي الله عنه كان طويلًا جدًّا وكذلك عبد الله بن أبي، قال أنس رضي الله عنه شهدت رجليه وقد فضلتا السَّرير من طوله.
(قَالَ سُفْيَانُ) هو ابن عيينة (وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) كذا في كثيرٍ من الرِّوايات، وفي «مستخرج أبي نُعيم» أيضًا، ووقع في رواية أبي ذرٍّ وهو كذلك عند الحميديِّ في «الجمع بين الصَّحيحين» . وجزم به المزيُّ، وقيل هو الصَّواب، وأبو هريرة تصحيفٌ، وأبو هارون هذا هو موسى بن أبي عيسى الحنَّاط _ بالحاء المهملة وبالنون المشددة _ المدني، وقيل هو إبراهيم بن العلاء الغنوي من شيوخ البصرة وكلاهما من أتباع التَّابعين، فالحديث معضل.
وقد أخرجه الحميديُّ في «مسنده» عن سفيان فسمَّاه عيسى، ولفظه حدَّثنا عيسى بن أبي موسى، قال الحافظ العسقلانيُّ فهذا هو المعتمد.
(وَكَانَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَمِيصَانِ، فَقَالَ لَهُ) أي للنَّبي صلى الله عليه وسلم (ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ) هو عبد الله أيضًا سمَّاه به النَّبي صلى الله عليه وسلم، وكان اسمه الحباب، فقال (( أنت عبد الله ) )والحباب شيطان، وكان قد أسلم وحسن إسلامه وشهد بدرًا مسلمًا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان يصعبُ عليه صحبة أبيه مع المنافقين وهو الذي جلس على باب المدينة ومنع أباه في غزوة المريسيع من دخولها.
(يَا رَسُولَ اللَّهِ،
ج 6 ص 459
أَلْبِسْ) أمرٌ من الإلباس (أَبِي) عبد الله بن أبي (قَمِيصَكَ الَّذِي يَلِي جسدَكَ. قَالَ سُفْيَانُ) هو ابن عيينة (فَيُرَوْنَ) بضم الياء على البناء للمفعول؛ أي يظنُّون (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلْبَسَ عَبْدَ اللَّهِ) أي ابن أبي (قَمِيصَهُ، مُكَافَأَةً لِمَا صَنَعَ) مع عمِّه العبَّاس رضي الله عنه فجازاه من جنس فعله.
وهذا التَّعليق أخرجه البخاريُّ في أواخر «الجهاد» في باب «كسوة الأسارى» [خ¦3008] قال (( حدَّثنا عبد الله بن محمد حدَّثنا ابن عيينة عن عمرو سمع جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال لمَّا كان يوم بدرٍ أُتِيَ بأسارى وأُتِيَ بالعبَّاس، ولم يكن عليه ثوبٌ فنظر النَّبي صلى الله عليه وسلم له قميصًا، فوجدوا قميص عبد الله بن أُبي يقدر عليه، فكساه النَّبي صلى الله عليه وسلم إيَّاه، فلذلك نزع النَّبي صلى الله عليه وسلم [1] قميصه الذي ألبسه ) ).
قال ابن عيينة كانت له عند النَّبي صلى الله عليه وسلم يدٌ فأحب أن يكافئه.
وفي الحديث جواز إخراج الميت من قبره لعلَّةٍ، وقد مرَّ ذكره مستوفى [خ¦1350] . ومن العلَّة أن يكون دفن بلا غسل أو لحق الأرض المدفون فيها سيل أو نداوة، قاله الماورديُّ في «أحكامه» ، وقال ابن المنذر اختلف العلماء في نبش من دفن، ولم يغسل فأكثرهم يجيز إخراجه وغسله، وهذا قول مالك والشَّافعي إلَّا أنَّ مالكًا قال ما لم يتغير، وكذا عندنا ما لم يتغيَّر بالنَّتن، وقيل ينبش ما دام فيه جزءٌ من عظم وغيره.
وقال أبو حنيفة وأصحابه إذا وضع في اللَّحد ولم يغسل لا ينبغي أن ينبشوه، وبه قال أشهب.
وكذلك اختلفوا فيمن دفن بغير صلاةٍ قال ابن المنذر (( فعندنا لا ينبش بل يصلِّي على القبر، اللهمَّ إلَّا أن لا يهال عليه التُّراب، فإنَّه يُخرَج ويصلِّي عليه ) )نصَّ عليه الشَّافعي لعلَّة المشقَّة، وأنَّه لا يسمَّى نبشًا، وقيل ترفع لبنة وهو في لحده ممَّا يقابل وجهه لينظر بعضه فيصلِّي عليه.
وقال ابن الهاشم يخرج ما لم يتغيَّر، وهو قول سُحنون، وقال أشهب إن ذَكَروا ذلك قبل أن يُهال عليه التُّراب أُخرج وصُلِّي عليه، وإن أهالوا فليُترك وإن لم يُصلَّ عليه، وعن مالك إذا نُسِيت الصَّلاة على الميت حتَّى فرغ من دفنه لا أرى أن ينبشوه كذلك، ولا يصلَّى على قبره ولكن يدعون له.
وروى سعيد بن منصور عن شريح بن عبيد أنَّ رجالًا قبروا صاحبًا لهم لم يغسلوه ولم يجدوا له كفنًا، فوجدوا معاذ بن جبل رضي الله عنه فأخبروه فأمرهم أن يُخرجوه ثمَّ غُسِّل وكُفن وحُنِّط
ج 6 ص 460
وصُلي عليه.
وفي الحديث أيضًا أنَّه نفث صلى الله عليه وسلم عليه من ريقه وهو حجَّةٌ تردُّ على من رأى نجاسة الرِّيق والنُّخامة، وهو قول سلمان الفارسيِّ رضي الله عنه وإبراهيم النَّخعي.
والظَّاهر أنَّه ليس بثابتٍ عنهما إذ العلماء كلُّهم على خلافه، والسُّنن وردت بردِّه، والشَّارع صلى الله عليه وسلم علَّمنا النَّظافة والطَّهارة، وبه طهرنا الله من الأدناس، فَرِيْقُه صلى الله عليه وسلم يُتبرَّك به ويستشفى.
وفي الحديث أيضًا أنَّ الشُّهداء لا تأكل الأرضُ لحومهم، وقيل أربعةٌ لا تعدو عليهم الأرض ولا هوامها الأنبياء والعلماء والشُّهداء والمؤذنون، وقيل ذلك لأهل أُحد خاصَّة كرامةً لهم، والله أعلم.
[1] من قوله (( قميص عبد الله ... إلى قوله النبي صلى الله عليه وسلم ) )ليست في (خ) .