فهرس الكتاب

الصفحة 2142 من 11127

1354 - 1355 - (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) بفتح المهملة، هو لقب عبد الله بن عثمان، قال (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ) هو ابن المبارك (عَنْ يُونُسَ) هو ابنُ يزيد الأيلي (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم بن شهاب (قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) بن عمر (أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما أَخْبَرَهُ أَنَّ) أباه (عُمَرَ) أي ابن الخطَّاب رضي الله عنه (انْطَلَقَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رَهْطٍ) قال في «الصحاح» رهط الرَّجل قومه وقبيلته، وقال أبو زيد الرَّهط ما دون العشرة من الرِّجال.

وفي «العين» هو عدد جمع من ثلاثة إلى عشرة، وبعض يقول من سبعة إلى عشرة وما دون السَّبعة إلى الثَّلاثة نفر، وعن ثعلب الرَّهط للأب الأدنى، والرَّهط لا واحدَ له من لفظه.

وفي «الجامع» الرَّهط ما بين الثَّلاثة إلى العشرة وربَّما جاوزوا ذلك، وأراهط جمع الجمع ولا يكون فيهم امرأة.

(قِبَل) بكسر القاف وفتح الموحدة؛

ج 6 ص 468

أي جهة (ابْنِ صَيَّادٍ) بفتح المهملة وتشديد التحتية وبالدال المهملة، ويروى ، وقال ابن الجوزيِّ أنَّ ابن الصَّياد يقال له ابن الصَّائد وابن صائد، واسمه صافي كقاضي، وقيل عبد الله.

وقال الواقديُّ هو من بني النَّجار، وقيل من اليهود، وكانوا حلفاء بني النَّجار، وكان سبب انطلاق النَّبي صلى الله عليه وسلم إليه ما رواه أحمد من طريق جابر قال ولدت امرأةٌ من اليهود غلامًا ممسوحة عينه والأخرى طالعة ناتئة، فأشفق النَّبي صلى الله عليه وسلم أن يكون هو الدَّجال.

(حَتَّى وَجَدُوهُ) أي الرَّسول ومن معه من الرَّهط، والضمير المنصوب لابن صياد، وفي رواية بالإفراد؛ أي وجدَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم ابنَ صياد حال كونه (يَلْعَبُ مَعَ الصِّبْيَانِ، عِنْدَ أُطُمِ بَنِي مَغَالَةَ) بضم الهمزة والطاء، بناء من حجر كالقصر، وقيل هو الحصنُ، وجمعه آطام، وبني مَغالة _ بفتح الميم وبالغين المعجمة المخففة _ بطنٌ من الأنصار.

وفي رواية مسلم (( بني معاوية ) )ذكر الزبير بن أبي بكر أن كلَّ ما كان عن يمينك إذا وقفت آخر البلاط مستقبل مسجد النَّبي صلى الله عليه وسلم فهو لبني مَغالة، ومسجده صلى الله عليه وسلم في بني مغالة، وما كان على يسارك فلبني جديلة، وبنو معاوية هم بنو جديلة، وهي امرأة نُسِبوا إليها وهي امرأة عديِّ بن عَمرو بن مالك بن النجار.

(وَقَدْ قَارَبَ ابْنُ صَيَّادٍ الْحُلُمَ) بضم اللام وسكونها؛ أي البلوغ (فَلَمْ يَشْعُرْ) ابن صياد (حَتَّى ضَرَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَالَ لاِبْنِ صَيَّادٍ تَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟) بحذف همزة الاستفهام، وفيه عرض الإسلام على الصَّبي الذي لم يبلغ ومفهومه أنه لو لم يصح إسلامه لما عرض صلى الله عليه وسلم الإسلام على ابنِ الصياد، وهو غيرُ بالغ وبه يطابق الحديث الترجمة بجزئيها، وفي رواية .

(فَنَظَرَ إِلَيْهِ) أي إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم (ابْنُ صَيَّادٍ، فَقَالَ أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ الأُمِّيِّينَ) هم مشركوا العرب نسبوا إلى ما عليه أمَّة العرب، وكانوا لا يكتبون.

وقيل نسبة إلى أمِّ القرى، وفيه إشعارٌ بأنَّ اليهود الذين كان منهم ابن صيَّاد كانوا معترفين ببعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم لكن يدَّعون أنَّها مخصوصةٌ بالعرب وفساد حجَّتهم واضحٌ؛ لأنَّهم إذا أقرُّوا برسالته استحال كذبه فوجب تصديقه في دعواه الرِّسالة إلى كافَّة النَّاس.

(فَقَالَ ابْنُ صَيَّادٍ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

ج 6 ص 469

أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ فَرَفَضَه) النَّبي صلى الله عليه وسلم كذا هو بالضاد المعجمة؛ أي تركه، والمعنى ترك سؤاله أن يُسلِم ليأسه منه.

وزعم القاضي عياض أنَّه بصاد مهملة قال وهي روايتنا عن الجماعة، وقيل بالصاد المهملة، وهو الضَّرب بالرِّجل مثل الرفس _ بالسين المهملة _ لكن قال القاضي عياض لم أجد هذه اللفظة في أصول اللغة، ووقع في رواية القاضي التَّميمي بضاد معجمة، قيل وهو وهمٌ.

وفي رواية المروزيِّ بقاف وصاد مهملة، قيل ولا وجه له، وعند الخطَّابي بصاد مهملة مشددة؛ أي ضغطه حتَّى ضمَّ بعضه إلى بعضٍ، ومنه قوله تعالى {بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ} [الصف 4] .

(وَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (آمَنْتُ بِاللَّهِ وَبِرُسُلِهِ) قال الكرمانيُّ وتبعه البرماوي ما حاصله إنَّ وجه مناسبة هذا القول لقول ابن صيَّاد (( أتشهد أنِّي رسول الله ) )هو أنَّه لما أراد أن يظهرَ للقوم كذبه في دعواه الرِّسالة. أخرج الكلام مخرج الإنصاف؛ يعني آمنت برسل الله فإن كنت رسولًا صادقًا في دعواك غير ملبسٍ عليك الأمر آمنت بك، وإن كنت كاذبًا وخلط الأمر عليك فلا، لكنَّك خلط عليك الأمر فاخسأ ولا تعد طورك حتَّى تدعي الرِّسالة، والله أعلم.

ثمَّ شرع يسأله عمَّا يرى (فَقَالَ لَهُ مَاذَا تَرَى) وأراد باستنطاقه إظهار كذبه المنافي لدعواه الرِّسالة (قَالَ ابْنُ صَيَّادٍ يَأْتِينِي صَادِقٌ وَكَاذِبٌ) أي أرى الرُّؤيا ربَّما تصدق وربما تكذب، قال القرطبيُّ كان ابن صيَّاد على طريق الكهنة يخبرُ بالخبر فيصحُّ تارةً ويفسد أخرى.

وفي حديث جابر رضي الله عنه عند التِّرمذي فقال أرى حقًّا وباطلًا وأرى عرشًا على الماء.

(فَقَالَ) له (النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خُلِّطَ عَلَيْكَ الأَمْرُ) بضم الخاء المعجمة وكسر اللام المشددة، وروي بتخفيف اللام أيضًا، معناه خلط عليك شيطانك ما يلقى إليك من السَّمع مع ما يكذب (ثُمَّ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنِّي قَدْ خَبَأْتُ) أي أضمرت (لَكَ خَبِيْئًا) فعيل بمعنى مفعول؛ أي مخبوًا، ويروى على وزن فعل.

واختلف في هذا المخبو ما هو فقال القرطبي الأكثر على أنَّه أضمر له في نفسه {يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ} [الدخان 10] ، وقال الدَّاودي كان في يده سورة الدُّخان مكتوبة.

وقال الخطَّابي ولا معنى للدُّخان هنا؛ لأنَّه ليس ممَّا يخبأ في كفٍّ أو كم، بل الدُّخ نبتٌ موجودٌ

ج 6 ص 470

بين النَّخيل والبساتين.

وقال أبو موسى المديني في كتابه «المغيث» قيل إنَّ الدَّجال يقتله عيسى عليه السَّلام بجبل الدُّخان، فيحتمل أن يكون صلى الله عليه وسلم أراده، انتهى.

وفيه نظرٌ، فإنَّ في حديث زيد بن حارثة عند البزار والطَّبراني في «الأوسط» (( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم خبأ له سورة الدُّخان ) ). وكأنَّه أطلق السُّورة وأراد بعضها، فعند أحمد في حديث الباب (( وخبأ له {يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ} ) ).

(فَقَالَ ابْنُ صَيَّادٍ هُوَ الدُّخُّ) بضم الدال المهملة وفتحها لغتان، وقال النَّووي المشهور في كتب اللغة والحديث ضم الدال فقط.

واعترض عليه بأنَّ ابن سِيْده وابن التَّياني وأبا المعالي وصاحب «مجمع الغرائب» حكوا الفتح حاشا الجوهري، فإنَّه نصَّ على الضَّم ولم يذكر غيره، وردَّ عليه بأنَّ حكاية هؤلاء الفتح لا يستلزم نفي الضَّم، كما أنَّ ذكر الجوهري الضَّم لا يستلزم نفي الفتح.

وقال الكرمانيُّ بضم الدال وتشديد الدُّخان وهو لغة فيه، وقال القرطبيُّ وجدته في كتاب الشَّيخ الدُّخْ، ساكن الخاء مصحَّحًا عليه وكأنَّه على الوقف.

قال وأمَّا الذي في الشعر فمشدد الخاء، وكذلك قرأته في الحديث، وقال ابن قُرْقول الدُّخ، لغة في الدُّخان، أو المعنى لم يستطع ابن صيَّاد أن يتمَّ الكلمة ولم يهتدِ من الآية الكريمة إلَّا لِتَيْنك الحرفين على عادة الكَهَنة من اختطاف بعض الكلمات من أوليائهم من الجنِّ أو من هواجس النَّفس.

(فَقَالَ) له النَّبي صلى الله عليه وسلم (اخْسَأْ) هو في الأصل لفظ يُزجَر به الكلب ويطرد، أمرٌ من خَسَأت الكلبَ خسئًا طردتُه، وخَسَأ الكلب نفسه يتعدَّى ولا يتعدَّى، واخْسَأ أيضًا فهو خطاب الكلب زجرًا واستهانةً؛ أي اسكتْ صاغرًا مطرودًا (فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرَكَ) بنصب «تعدوَ» بكلمة «لن» ، وحكى السَّفاقسي ، بغير واو.

قال القزاز هي لغة لبعض العرب يجزمون بـ «لن» مثل «لم» ، وقال ابن مالك الجزم بـ «لن» لغة حكاها الكسائيُّ، وقيل حذفت الواو تخفيفًا، وقيل «لن» بمعنى «لا» ، وقوله (( تعدو ) )يروى بالتاء المثناة الفوقية، فـ «قدرك» نصب على المفعولية؛ أي لا تتجاوز أنت قدرك إلى ما لا يقدر عليه إلَّا الأنبياء عليهم السَّلام، ويروى بالمثناة التحتية فقدرك مرفوع على الفاعلية.

قال ابن الجزريِّ يعني لا يبلغ قدرك أن تطالع بالغيب من قبل الوحي المخصوص بالأنبياء عليهم السَّلام ولا من قبل الإلهام الذي يدركه الصَّالحون، وإنَّما كان الذي قاله ابن صيَّاد من شيءٍ ألقاه الشَّيطان إليه، إمَّا لكون النَّبي صلى الله عليه وسلم تكلم بذلك بينه وبين نفسه فسمعه الشَّيطان.

وإمَّا لكون الشَّيطان سمع ما يجري بينهما من السَّماء؛ لأنَّه إذا قضى القضاء في السَّماء تكلَّمت به الملائكة

ج 6 ص 471

فاسترقَ الشَّيطانُ السَّمعَ.

وإمَّا لكون رسول الله صلى الله عليه وسلم حدَّث به بعض أصحابه بما أضمر.

ويدلُّ على ذلك قول عمر رضي الله عنه وخبأ له رسول الله صلى الله عليه وسلم {يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ} ، فالظَّاهر أنَّه أعلم الصَّحابة بما يخبأ له، وإنَّما فعل ذلك به ليختبره على طريقة الكهان وليتعيَّن للصَّحابة حاله وكذبه.

(فَقَالَ عُمَرُ) أي ابن الخطَّاب رضي الله عنه (دَعْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ أَضْرِبْ عُنُقَهُ) بجزم «أضربْ» في جواب الأمر وجوز الرفع أيضًا (فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنْ يَكُنْهُ) بوصل الضَّمير وهو خبر «كان» وُضِعَ موضع المنفصل واسمها مستتر فيها، وفي رواية قيل وهو الصَّحيح؛ لأنَّ المختار في خبر «كان» هو الانفصال تقول كان إياه، وهو الذي اختاره ابن مالك في «التسهيل» وشَرْحِه تبعًا لسيبويه، واختار في (( ألفيته ) )الاتصال.

وعلى هذه الرِّواية فلفظة «كان» تامة، وهو تأكيدٌ للضمير المستتر أو وضع «هو» موضع «إيَّاه» باستعارة المرفوع للمنصوب؛ أي إن يكن إيَّاه؛ أي الدَّجال، وفي مرسل عروة عند الحارث بن أبي أسامة (( إن يكن هو الدَّجال ) ).

(فَلَنْ تُسَلَّطَ عَلَيْهِ) بالنصب على الأصل، ويروى بالجزم على لغة من يجزم بـ «لن» ، وفي حديث جابر رضي الله عنه فلست بصاحبه إنَّما صاحبه عيسى بن مريم عليهما السَّلام (وَإِنْ لَمْ يَكُنْهُ فَلاَ خَيْرَ لَكَ فِي قَتْلِهِ) وسيجيء التَّفصيل في ذلك إن شاء الله تعالى [خ¦1355] .

(وَقَالَ سَالِمٌ) هو ابنُ ابنِ عمر رضي الله عنهما، وهو متَّصل بالإسناد السَّابق من تتمَّة الحديث السَّابق.

(سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما يَقُولُ انْطَلَقَ بَعْدَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أي بعد انطلاقه مع عمر رضي الله عنه في رهط قِبَل ابن صياَّد، كما مرَّ في أوَّل الحديث [خ¦1354] (وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ) رضي الله عنه؛ أي وانطلق هو معه صلى الله عليه وسلم.

(إِلَى النَّخْلِ الَّتِي فِيهَا ابنُ صَيَّادٍ، وهْوَ) أي والحال أنَّه صلى الله عليه وسلم (يَخْتِلُ) بفتح المثناة التحتية وسكون الخاء المعجمة وكسر الفوقية؛ أي يستغفل (أنْ يَسْمَعَ مِنِ ابنِ صَيَّادٍ شَيْئًا) من كلامه الذي يقول في خلوته (قَبْلَ أنْ يَرَاهُ ابنُ صَيَّادٍ) أي قبل أن يرى النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم ابنَ صيَّاد.

والمراد أنَّه صلى الله عليه وسلم كان يريد أن يستغفله ليسمع كلامه، وهو لا يشعر حتَّى يعلم هو وأصحابه أهو كاهنٌ أم ساحر.

(فَرَآهُ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهْوَ مُضْطَجِعٌ)

ج 6 ص 472

الجملة حالية (يَعْنِي فِي قَطِيفَةٍ) أي في كساءٍ له خمل، والجمع قطائف، وقال ابنُ جني وقد كسر على قطوف، وفي «الصحاح» الجمع قطائف وقطف، مثل صحيفة وصحف، وقال كأنَّهما جمع قطيف وصحيف، وفي رواية سقط قوله «يعني في قطيفة» .

(لَهُ) أي لابن صيَّاد (فِيها) أي في القطيفة (رَمْزَةٌ) براء مهملة مفتوحة وميم ساكنة فزاي معجمة (أَوْ زَمْرَةٌ) بتقديم الزاي المعجمة وتأخير الراء المهملة على الشَّكِّ، فالأولى من الرمز وهو الإشارة، والثَّانية من الزمر الذي منه المزمار، والمراد حكاية صوته، وقيل الرَّمْزة _ بتقديم المهملة _ صوتٌ خفيٌّ بكلامٍ لا يفهم، والزمرة بتقديم الزاي صوتٌ من داخل الفم، وفي رواية برائين مهملتين وميمين أو _ بزايين معجمتين وميمين _ فأمَّا التي بالمهملتين فأصلها من الحركة، وهي هاهنا بمعنى الصَّوت الخفيِّ، وأمَّا التي بالمعجمتين فهي كذلك.

وقال الخطَّابي هي بالمعجمتين تحريك الشَّفتين بالكلام، وقال غيره هي كلامُ العلوج، وهو صوتٌ من الخياشيم والحلق لا يتحرَّك فيه اللسان والشَّفتان.

قال في «القاموس» وهم؛ أي العلوج صُموت لا يستعملون لسانًا ولا شفةً لكنَّه صوتٌ يديرونه في خياشيمهم وحلوقهم فيفهم بعضهم عن بعض.

(فَرَأَتْ أُمُّ ابْنِ صَيَّادٍ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ) أي والحال أنَّه صلى الله عليه وسلم (يَتَّقِي) أي يخفي نفسه (بِجُذُوعِ النَّخْلِ) حتَّى لا تراه أمُّ ابنِ صيَّاد.

(فَقَالَتْ لاِبْنِ صَيَّادٍ) أمه (يَا صَافِ) بصاد مهملة وفاء مكسورة (_ وَهْوَ اسْمُ ابْنِ صَيَّادٍ _ هَذَا مُحَمَّدٌ) صلى الله عليه وسلم (فَثَارَ ابْنُ صَيَّادٍ) بالثاء المثلثة وبالراء؛ أي نهضَ من مضجعه وقام بسرعةٍ، وفي رواية الكُشميهني بالموحدة بدل الراء؛ أي رجع عن الحالة التي كان فيها.

(فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوْ تَرَكَتْهُ) أمَّه ولم تُعلِمه بمجيئنا (بَيَّنَ) أي أظهر لنا من حاله ما يطلع به على حقيقة أمره ممَّا يهون عليكم شأنه.

(وَقَالَ شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حمزة الحمصي، وقد وصله المؤلِّف في «الأدب» [خ¦6174] (فِي حَدِيثِهِ فَرَفَصَهُ) بفاء بعد الراء فصاد مهملة، وفي نسخة بحذف الفاء وتشديد الضاد المعجمة؛ أي ضغطه، وضم بعضه إلى بعض، وقال شعيب أيضًا (رَمْرَمَةٌ) برائين مهملتين وميمين (أَوْ زَمْزَمَةٌ) بزايين معجمتين وميمين، على الشَّكِّ أيضًا

ج 6 ص 473

يعني أنَّ شعيبًا روى هذا الحديث عن الزُّهري، كما رواه يونس وقال في روايته هكذا.

(وَقَالَ عُقَيْلٌ) بضم العين المهملة وفتح القاف، هو ابن خالدٍ الأيلي، وقد وصله المؤلِّف في «الجهاد» [خ¦3033] (رَمْرَمَةٌ) بمهملتين؛ أي رواه عن الزُّهري كذلك، وفي رواية هنا بتقديم المهملة وتأخير المعجمة، وفي نسخة بمهملتين.

ورواية إسحاق وصلها الذُّهلي في «الزهريات» ، وليس في رواية المستملي والكُشميهني وأبي الوقت ذكر إسحاق الكلبي.

(وَقَالَ مَعْمَرٌ) عن الزُّهري أيضًا، وقد وصله المؤلِّف في كتاب «الجهاد» [خ¦3033] (رَمْزَةٌ) بمهملة فميم ساكنة فزاي معجمة، وفي رواية أبي ذرٍّ هنا بتقديم المعجمة على المهملة، وهذه الألفاظ كلها متقاربة المعاني.

ثمَّ إنَّهم اختلفوا في أنَّ الدَّجال هو ابن صياد أو غيره، فذهب قومٌ إلى أنَّ الدَّجال هو ابن صيَّاد، قال مسلمٌ في «صحيحه» باب «في قصَّة ابن الصيَّاد وأنَّه الدَّجال» .

وروى بإسناده إلى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال كنَّا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فمررنا بصبيانٍ فيهم ابن صيَّاد ففرَّ الصِّبيان، وجلس ابن صيَّاد، فكأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كره ذلك، فقال له النَّبي صلى الله عليه وسلم (( تربت يداك، تشهد أنِّي رسول الله صلى الله عليه وسلم ) )فقال لا بل تشهدُ أنِّي رسول الله، فقال عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه ذرني يا رسول الله حتَّى أقتله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( إن يكن الذي ترى فلن تستطيع قتله ) ).

وروى مسلمٌ أيضًا من حديث أبي سعيدٍ رضي الله عنه قال لقيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما في بعض طرق المدينة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم (( أتشهد أنِّي رسول الله ) )فقال هو أتشهد أنِّي رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( آمنت بالله وملائكته وكتبه، ما ترى؟ ) )قال أرى عرشًا على الماء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( ترى عرش إبليس على البحر، وما ترى؟ ) )قال أرى صادقين وكاذبًا، أو كاذبين وصادقًا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( لُبِّسَ عليك، دَعوه ) ).

ثمَّ روى مسلم من حديث محمَّد بن المنكدر، قال رأيتُ جابر بن عبد الله يحلف بالله أنَّ ابن صائد الدَّجال، فقلت له تحلف على ذلك، قال إنِّي سمعتُ عمر رضي الله عنه يحلف على ذلك عند النَّبي صلى الله عليه وسلم،

ج 6 ص 474

فلم ينكرْه النَّبي صلى الله عليه وسلم. وكذا رواه أبو داود من حديث محمَّد بن المنكدر.

وقال النَّووي قال العلماء قصَّة ابن الصيَّاد مشكلة، وأمره مشتبه في أنَّه هل هو المسيح الدَّجال المشهور أو غيره، ولا شكَّ أنَّه دجَّال من الدَّجاجلة.

قال العلماءُ ظاهر الأحاديث في هذا الباب أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم لم يوحَ إليه بأنَّه المسيح الدَّجال ولا غيره، وإنَّما أوحي إليه بصفات الدَّجال، وكان في ابن صيَّاد قرائن محتملة، فلذلك كان النَّبي صلى الله عليه وسلم لا يقطع بأنَّه الدَّجال ولا غيره.

ولهذا قال لعمر رضي الله عنه «إن يكن هو فلن تستطيع قتله» .

وفي «سنن أبي داود» في خبر الجساسة من حديث أبي سلمة بن عبد الرَّحمن، قال شهد جابر أنَّه هو ابن صيَّاد، قلت فإنَّه مات، قال وإن مات، قلت فإنَّه قد أسلم، قال وإن أسلم، قلت فإنَّه قد دخل المدينة قال وإن دخلَ المدينة.

وأخرج أبو داود من حديث نافع قال كان ابن عمر رضي الله عنهما يقول والله ما أشكُّ أنَّ المسيح الدَّجال ابن صيَّاد. وإسناده صحيحٌ.

وقال الخطَّابي اختلف السَّلف في أمره بعد كِبَره فروي عنه أنَّه تاب من ذلك القول ومات بالمدينة، وأنَّهم لمَّا أرادوا الصَّلاة عليه كشفوا عن وجهه حتَّى رآه النَّاس، وقيل لهم اشهدوا.

واعترض عليه بما رواه أبو داود بسندٍ صحيحٍ عن جابر رضي الله عنه قال فقدنَا ابن صيَّاد يوم الحرَّة، ويرد بهذا قول من قال إنَّه مات بالمدينة وصلُّوا عليه.

وفي كتاب «الفتوح» لمَّا نزل النُّعمان على السوس أعياهم حصارها، فقال لهم القسِّيسون يا معشر العرب إنَّ ممَّا عهد علماؤنا وأوائلنا أن لا يفتح السوس إلَّا الدَّجال، فإن كان فيكم فستفتحونها وإن لم يكن فيكم فلا، قال وصافي بن صيَّاد في جند النُّعمان، وأتى باب السوس غضبانًا فدقَّه برجله، وقال انفتح فتقطعت السَّلاسل وتكسَّرت الأغلاق، وانفتح الباب فدخل المسلمون.

وقال ابن التِّين والأصحُّ أنَّه ليس هو؛ لأنَّ عينه لم تكن ممسوحةً ولا عينه طافية، ولا وجدت فيه علامة، وروى ابن أبي شيبة عن الفلتان بن عاصم، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال (( أمَّا مسيح الضَّلالة فرجلٌ أجلى الجبهة ممسوحة العين اليسرى، عريض النَّحر فيه دفاء ) )أي انحناء.

وروى مسلم عن حذيفة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( الدَّجال أعورُ عين اليسرى جفال الشَّعر معه جنَّة ونار، فناره جنَّة وجنَّته نار ) ).

وفي حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما

ج 6 ص 475

قال ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا بين ظهراني النَّاس المسيح الدَّجال فقال (( إنَّ الله تعالى ليس بأعور، إلا إنَّ المسيح الدَّجال أعور العين اليمنى كأنَّ عينه عِنَبة طافية ) )رواه مسلم.

وفي «صحيح مسلم» بإسناده إلى أبي سعيدٍ الخدريِّ رضي الله عنه قال صحبتُ ابن صائد إلى مكَّة، فقال لي ما لقيتُ من النَّاس يزعمون أنِّي الدَّجال، ألست سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (( إنَّه لا يولد له؟ ) )قال قلت بلى، قال فقد ولد لي، أوليس سمعتَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (( لا يدخل المدينة ولا مكَّة؟ ) )قلت بلى قال فلقد ولدت بالمدينة، وها أنا أريد مكَّة، قال ثمَّ قال في آخر قوله أما والله إنِّي لأعلم مولده ومكانه وأين هو فلبسني.

وفي لفظ له قال فما زال حتَّى كاد أن يأخذَ في قوله، قال فقال أما والله إنِّي لأعلم الآن حيث هو وأعرف أباه وأمه، وفي لفظ له ثمَّ قال أمَا والله إنِّي لأعرفه وأعرفُ مولده وأين هو الآن، قال قلت تبًّا لك سائر اليوم.

وقال القرطبيُّ وأمَّا احتجاجه بأنَّه مسلم والدَّجال كافرٌ، وبأنَّه لا يولد للدَّجال وقد ولد به، وأنَّ الدَّجال لا يدخل الحرمين وقد دخلهما هو، فغيرُ واضحٍ؛ لأنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم إنَّما أخبرت عن صفات الدَّجال وقت فتنته، والله تعالى أعلم.

ثمَّ إنَّه إذا كان هو الدَّجال كيف كان حاله حتى بقي إلى وقت خروجه في آخر الزَّمان.

قال صاحب «زهرة الرياض» رأيت في «أمالي» القاضي الإمام أبي بكر محمد بن علي بن الفضل بإسناده عن أبي هريرة رضي الله عنه قال بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلِّي صلاة الغداة، فلمَّا سلَّم استقبل أصحابه بوجهه يحدِّثهم، إذ أقبلت صيحة شديدة بناحية اليهود ما سمعنا صيحة أشدَّ منها، فأرسل رجلًا ليأتنا بالخبر، قال فما مكث حتَّى رجع وقد تغيَّر لونه، فقال يا رسول الله أما علمت أنَّ البارحة وُلِد ولد في اليهود، وأنَّه غضبَ وتزبَّد حتَّى امتلأ البيت منه، وقد ضمَّ أمَّه مع سريرها إلى زاوية البيت ورفع السَّقف عن حيطانها وهم يخافونه، فاسترجع النَّبي صلى الله عليه وسلم ثمَّ قال (( إنِّي أخاف أنَّه دجال ) )فلمَّا مضت سبعة أيَّام قال النَّبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه (( ألا تمضون بنا إلى هذا المولود ) )، فإذا الدَّجال على رأس نخلةٍ يلتقط رطبًا ويأكله، وله همهمةٌ شديدةٌ وأمُّه جالسةٌ في أصل النَّخلة، فلمَّا رأت النَّبي صلى الله عليه وسلم نادته يا ابن الصَّائد هذا محمَّد قد أقبل، قال فسكت وترك الهمهمة.

قال فرجع النَّبي صلى الله عليه وسلم، ونزل الدَّجال من النَّخلة،

ج 6 ص 476

واتَّبعَ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم، وقال النَّبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه (( اسمعوا إلى مقالته وأنا أسأله، ثمَّ قال أتشهدُ أنِّي نبيٌّ ) )وقال له الدَّجال أتشهد أنِّي نبيٌّ، ثمَّ رجع النَّبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه قال فقام عمر رضي الله عنه فضرب بالسَّيف على هامته فنبا [1] السَّيف كأنَّه قد ضرب على حجر، ثمَّ رجع السَّيف فشجَّ رأس عمر رضي الله عنه قال فوقع عمر رضي الله عنه صريعًا جريحًا يسيل الدَّم من رأسه، قال وقام الدَّجال على رأسه يسخر به ويستهزئ به حتَّى ورد الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقام النَّبي صلى الله عليه وسلم مسرعًا حزينًا حتَّى أتى عمر رضي الله عنه فقال ما الذي دَعاك إلى هذا؟ فأخبره بما جرى، فقال صلى الله عليه وسلم (( يا عمرُ إنَّك لن تستطيعَ أن تردَّ قضاء الله تعالى ) ).

قال فوضع النَّبي صلى الله عليه وسلم يده المباركة على رأس عمر فدعا الله تعالى فالتحمَ الجرحُ بإذن الله تعالى، وقال عمر رضي الله عنه يا رسول الله، وددت أن يرفعه الله تعالى، فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم (( أتحبُّ ذلك يا عمر؟ ) )قال نعم، قال (( اللَّهمَّ افعل ) )فنزل جبريل عليه السَّلام في قطعةٍ من الغمام كشبه التُّرس، فنزل على رأس الدَّجال، وهو جالسٌ في وسط اليهود فأخذ بناصيته وجذبه عن ظهر الأرض وأمُّه وأبوه وقومُه ينظرون إليه، ويبكون عليه، فرفعه جبريل عليه السَّلام فألقاهُ إلى جزيرة في البحر حتَّى قدم تميم الدَّاري إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبره بخبرهِ.

وأخرج مسلم حديثًا طويلًا عن فاطمة بنت قيس رضي الله عنها أوَّله (( إنَّ تميمًا الدَّاري كان رجلًا نصرانيًّا فبايع وأسلم، وحدَّثني حديثًا وافق الذي كنتُ أحدِّثكم عن المسيح الدَّجال ... ) ). الحديث.

وقال البيهقيُّ من ذهب إلى أنَّ ابن صياد غير الدَّجال، احتجَّ بحديث تميم الدَّاري في قصَّة الجسَّاسة، ثمَّ إنَّه قد قيل كيف سكت رسول الله صلى الله عليه وسلم عمَّن يدَّعي النُّبوة كاذبًا؟ وكيف تركه بالمدينة يساكنه في داره ويجاوره فيها.

وأجيب بأنَّ هذا فتنةٌ امتحن الله بها عباده المؤمنين. وقد امتحنَ قوم موسى في زمانه بالعجلِ فافتتن به قومٌ وهلكوا، ونجا من هداه الله تعالى وعصمَه.

وقال الخطَّابي والذي عندي أنَّ هذه القصَّة إنَّما جرت معه أيام مهادنة رسول الله صلى الله عليه وسلم اليهود وحلفاءهم، وذلك أنَّه بعد مقدَمِه المدينة كتب بينه وبينهم كتابًا صالحهم فيه على أن لا يهاجروا وأن يُتركوا على أمرهم، وكان ابن صياد منهم أو دَخيلًا في جملتهم.

وقيل لأنَّه كان من أهل الذِّمَّة،

ج 6 ص 477

وقيل لأنَّه كان دون البلوغ، وهو ما اختارهُ القاضي عياض فلم تجر عليه الحدود.

فإن قيل لم اشتغلَ به النَّبي صلى الله عليه وسلم وحاور معه المحاورات المذكورة؟

فالجواب أنَّه صلى الله عليه وسلم كان يَبْلُغه ما يدَّعيه من الكهانة وما يتعاطاهُ من الكلام في الغيب فامتحنه ليعلم حقيقة حاله، ويظهر أمره الباطل للصَّحابة رضي الله عنهم، وأنَّه كاهنٌ ساحرٌ يأتيه الشَّيطان فيُلقي على لسانه ما يُلقيه الشَّيطان للكهنة.

فإن قيل روى التِّرمذي وغيره من حديث أنسٍ رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( ما من نبيٍّ إلَّا وقد أنذر أمَّته الأعور الكذَّاب إلَّا أنَّه أعور، وإنَّ ربَّكم ليس بأعور مكتوبٌ بين عينيه ك ف ر ) )وقال هذا حديثٌ صحيحٌ.

وفي «صحيح مسلم» «الدَّجال مكتوبٌ بين عينيه ك ف ر» ؛ أي كافر. وفي لفظ له (( يقرأه كلُّ مسلمٍ ) ).

وفي حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما (( ما من نبيٍّ إلَّا أنذر قومه لقد أنذرَهُ نوح قومه ) )الحديث رواه مسلم.

وقد ثبت في أحاديث الدَّجال أنَّه يخرج بعد خروج المهدي، وأنَّ عيسى عليه السَّلام يقتله فما وجه إنذار الأنبياء عنه.

فالجواب أنَّ المراد به تحقيق خروجه؛ يعني لا شكَّ في خروجه فلا تشكُّوا فيه، وتنبَّهوا على فتنته، فإنَّ فتنته عظيمةٌ جدًا تدهش العقول وتحير الألباب، مع سرعة سيره في الأرض وقلَّة مكثه.

وإنَّما خصَّ نوحًا عليه السَّلام بالذِّكر؛ لأنَّه مقدَّم المشاهير من الأنبياء عليهم السَّلام كما قُدِّم في قوله تعالى {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا} الآية [الشورى 13] .

وفي حديث الباب وغيره حجَّة لمذهب أهل الحقِّ من صحَّة وجوده وأنَّه شخصٌ بعينه ابتلى الله تعالى به عباده وأقدره على أشياء من مقدوراتِ الله تعالى من إحياء الميت الذي يقتله، وظهور زهرة الدُّنيا والخصب معه، واتِّباع كنوز الأرض له، وأمر السَّماء أن تمطرَ فتمطر، والأرض أن تنبتَ فتنبت، فيقع كلُّ ذلك بقدرة الله تعالى ومشيئته، ثمَّ يُعجزه الله تعالى بعد ذلك فلا يقدر على شيءٍ من ذلك، ثمَّ يقتله عيسى بن مريم عليهما السَّلام.

وأبطل أمره الخوارج والجهميَّة وبعض المعتزلة، وزعم الجبائي ومن وافقه أنَّه صحيح الوجود، لكن ما معه خيالات لا حقيقة لها؛ ليفرق بينه وبين النَّبي.

وأُجيب عنه بأنَّه لا يدعي النُّبوة فيحتاج إلى فارق، وإنَّما يدَّعي الألوهيَّة وهو مكذَّب في ذلك لسمات الحدوث فيه، ونقص

ج 6 ص 478

صورته وعوره وتكفيره المكتوب بين عينيه، ولهذه الدَّلائل وغيرها لا يغترُّ به إلَّا رعاع النَّاس لشدَّة الحاجة والفاقة وسدِّ الرمق، أو خوفًا من أذاه وتقية.

وفي الحديث صحَّة إسلام الصَّبي وهو مقصود البخاريِّ من التَّبويب كما مرَّ.

وفيه دليلٌ على صلابة عمر رضي الله عنه وقوَّة دينه، وفيه دَلالةٌ على التَّثبت في أمر النَّهي وأن لا تستباح الدِّماء إلَّا بيقينٍ، والله أعلم.

[1] في هامش الأصل نبا من النَّبْوَة. منه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت