1358 - (حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ) الحكم بن نافع، قال (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حمزة الحمصي (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) الزُّهري (يُصَلَّى) على صيغة البناء للمفعول (عَلَى كُلِّ مَوْلُودٍ مُتَوَفًّى) بفتح الفاء المشددة صفة مولود.
(وَإِنْ كَانَ) أي المولود (لِغَيَّةٍ) باللام الجارة، والغَيَّة _ بفتح الغين المعجمة وتشديد المثناة التحتية _ مشتقٌّ من الغِواية، وهي الضَّلالة كفرًا أو غيره، ويقال لولد الزِّنا أيضًا ولد الغيَّة، ولغيره ولد الرشد، فالمراد منه وإن كان المولود لكافرةٍ أو زانيةٍ.
(مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ وُلِدَ عَلَى فِطْرَةِ الإِسْلاَمِ) أي ملَّته (يَدَّعِي أَبَوَاهُ الإِسْلاَمَ، أَوْ) يدعي (أَبُوهُ خَاصَّةً، وَإِنْ كَانَتْ أُمُّهُ عَلَى غَيْرِ) دين (الإِسْلاَمِ) وقوله «يدَّعي» جملة حاليَّة.
والحاصل أنَّ مذهب الزُّهري أنَّه يُصلَّىَ على ولد الزِّنا، ولا يمنع ذلك من الصَّلاة عليه، وهذا مصيرٌ منه إلى تسمية الزَّاني أبًا لمن زنا بأمِّه، وهو قول مالك وأنَّه يتبعه في الإسلام وأنَّ الولد محكومٌ بإسلامه تبعًا لأبويه أو لأبيه فقط.
(إِذَا اسْتَهَلَّ) أي إذا صاح عند الولادة، وقوله (صَارِخًا) حال مؤكدة من فاعل «استهلَّ» ، والمراد العلم بحياته بصياح أو غيره كاختلاج وتحرُّك بعد الانفصال (صُلِّيَ عَلَيْهِ) بضم الصاد وكسر اللام المشددة، على البناء للمفعول، وفي رواية .
(وَلاَ يُصَلَّى) بفتح اللام المشددة على البناء للمفعول أيضًا (عَلَى مَنْ لاَ يَسْتَهِلُّ) أو لم يتحرَّك (مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ سِقْطٌ) بتثليث السين المهملة، والمشهور هو الكسر، وهو الجنين يسقط قبل تمامه، قال أصحابنا إذا استهلَّ المولود سُمِّي وغُسِّل وصُلِّي عليه.
وعند الطَّحاوي أنَّ الجنين الميت يغسل قال ولم نجد فيه خلافًا، وعن محمَّد في سِقْط استبان خلقه، وذلك بعد أن بلغَ مائة وعشرين يومًا فحينئذٍ ينفخ فيه الرُّوح أنَّه يغسل ويكفَّن ويحنَّط ولا يصلَّى عليه ولا يورث.
وقال أبو حنيفة رحمه الله إذا خرج أكثر الولد وهو يتحرَّك صُلِّيَ عليه وإن خرج أقله لم يُصلَّ عليه، وفي «شرح المهذب» إذا استهلَّ السِّقط صُلِّيَ عليه؛ لحديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما
ج 6 ص 480
مرفوعًا (( إذا استهلَّ السِّقط صُلِّي عليه ووُرِّث ) )وهو حديثٌ غريبٌ، وإنَّما هو معروفٌ من قول جابر رضي الله عنه.
وقال التِّرمذي وكان الموقوف أصحُّ، وقال النَّسائي الموقوف أولى بالصَّواب.
ونقل ابنُ المنذر الإجماع على وجوب الصَّلاة على السِّقط، وعن مالك لا يصلَّى على الطِّفل إلَّا أن يختلج ويتحرَّك.
وعن ابن عمر رضي الله عنهما أنَّه يصلَّى عليه، وإن لم يستهلَّ، وبه قال ابن سيرين وابن المسيب وأحمد وإسحاق، وقال العبدريُّ إن كان له دون أربعة أشهر لم يصلَّ عليه بلا خلاف _ يعني بالإجماع _ بل ووُرِّيَ بخرقةٍ ودُفِن، وإن كان له أربعة أشهرٍ ولم يتحرَّك لم يُصلَّ عليه عند جمهور العلماء، وقال أحمد وداود يُصلَّى عليه.
وقال ابنُ قدامة السِّقط الولدُ تضعه المرأة ميتًا أو لغير تمام، فأمَّا إن خرج حيًّا، واستهلَّ فإنَّه يُصلَّى عليه بعد غسله بلا خلاف، وصلَّى ابن عمر رضي الله عنهما على ابن ابنه ولد ميتًا.
وقال الحسن وإبراهيم والحكم وحمَّاد ومالك والأوزاعي وأصحاب الرَّأي لا يُصلَّى عليه حتَّى يستهلَّ، وللشَّافعيِّ قولان، وحُكِي عن سعيد بن جبيرٍ أنَّه لا يُصلَّى عليه ما لم يبلغ. وقال ابنُ حزم وروِّيناه أيضًا عن سويد بن غَفَلة.
وعند المالكيَّة لا يصلى عليه ما لم تُعلم حياته بعد انفصاله بالصُّراخ، وفي العطاس والحركة والرضاع اليسير قولان أمَّا الرضاع المحقق والحياة المعلومة بطول المكث فكالصُّراخ.
وعن اللَّيث وابن وهبٍ وأبي حنيفة والشَّافعي أنَّ الحركة والرضاع والعطاس استهلالٌ، وعن بعض المالكيَّة أنَّ البول والحدث حياةٌ، والله أعلم.
(فَإِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) الفاء فيه للتَّعليل، ورواية ابن شهاب عن أبي هريرة رضي الله عنه منقطعة؛ لأنَّه لم يسمع من أبي هريرة رضي الله عنه شيئًا ولا أدركه، والبخاريُّ لم يذكره للاحتجاج إنَّما ذكر كلامه مسنَدًا لعلوِّه.
وقال أبو عمر روى هذا الحديث من وجوهٍ صحاحٍ ثابتةٍ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وغيره، فممن رواه عن أبي هريرة رضي الله عنه الأعرج وابن المسيب وابن سيرين وسعيد بن أبي سعيد وأبو سلمة وحميد ابنا عبد الرَّحمن وأبو صالح.
واختلف على ابن شهاب في روايته فمعمر قال عنه عن سعيدٍ عن أبي هريرة رضي الله عنه. ويونس وابن أبي ذئب قالا عنه، عن أبي سلمة عن أبي هريرة. وقال الأوزاعيُّ عنه، عن حميد.
قال محمد بن يحيى الذُّهلي هذه الطُّرق كلُّها صحاحٌ عن ابن شهابٍ، وهو عند مالك في «الموطأ» عن أبي الزِّناد عن الأعرج.
ورواه عن
ج 6 ص 481
أبي الزِّناد أيضًا عبد الله بن الفضل الهاشمي شيخ مالك، وعند ابن شهابٍ عن عطاء بن يزيد عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا سُئل عن أولاد المشركين فقال (( الله أعلم ما كانوا عاملين ) ).
(كَانَ يُحَدِّثُ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا مِنْ مَوْلُودٍ) كلمة «مِن» زائدة، «ومولود» مبتدأ، وقوله الآتي «يولد» خبره؛ أي ما مولود من بني آدم (إِلاَّ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ) والمعنى ما من مولودٍ يوجد على أمرٍ إلَّا على الفطرة، وهي في اللَّغة الخِلْقة.
والمراد بها هنا ما يراد في الآية الشَّريفة وهي دين الإسلام؛ لأنَّه قد اعتبرها البيان من أوَّل الآية، وهو قوله تعالى {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ} ومن آخرها وهو قوله تعالى {ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} [الروم 30] .
قال صاحب «الكشاف» {فطرةَ الله} نصب بالإغراء؛ أي الزموا، ومعناه أنَّه خلقهم قابلين التَّوحيد ودين الإسلام لكونه على مقتضى العقل والنَّظر الصَّحيح حتَّى لو تُرِكوا وطباعهم لما اختاروا عليه دينًا انتهى، وفيه تلميحٌ إلى مذهبه في الحسن والقبح.
وقال الطِّيبي كلمة «من» الاستغراقية في سياق النَّفي تفيد العموم كقولك ما أحدٌ خير منك.
والتَّقدير ما مولود يوجد على أمرٍ من الأمور إلَّا على هذا الأمر، والفطرة تدلُّ على نوعٍ منها وهو الابتداع والاختراع كالجلسة والقعدة، والمعني بها هاهنا تمكن النَّاس من الهدى في أصل الجبلة، والتَّهيؤ لقبول الدِّين، فلو تُرِك عليها لاستمرَّ على لزومها ولم يفارقها إلى غيرها؛ لأنَّ هذا الدِّين حُسْنه مركوز موجود في النُّفوس، وإنَّما يعدل عنه لآفةٍ من الآفات البشريَّة وللتَّقليد قال تعالى {أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى} [البقرة 16] .
والفاء في قوله
(فَأَبَوَاهُ) إما للتَّعقيب وهو ظاهرٌ وإمَّا للتَّسبيب؛ أي إذا تقرَّر ذلك فمن تغير فإنَّما تغير بسبب أبويه حيث إنَّهما (يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ) أي يعلِّمانه ما هم عليه ويصرفانه عن الفطرة، أو يرغبانه في ذلك، أو يكون تبعًا لهما في الدِّين بولادته على فراشهما فيكون حكمه حكمهما في الدُّنيا، فإن سبقت له السَّعادة أسلم إذا بلغ، وإلَّا مات على كفره، وإن مات قبل بلوغه. فالصَّحيح أنَّه من أهل الجنَّة ولا عبرة بالإيمان الفطريِّ في الدُّنيا، وإنَّما العبرة بالإيمان الشَّرعي المكتسب بالإرادة والفعل، فطفل اليهوديين مثلًا مع وجود الإيمان الفطريِّ محكومٌ بكفره في الدُّنيا تبعًا لأبويه.
فإن قيل
ج 6 ص 482
الضَّمير في «فأبواه» راجعٌ إلى «كلِّ مولودٍ» وهو عامٌّ فيقتضي تهويد كلِّ المواليد أو نحوه، وليس كذلك لبقاء البعض على فطرة الإسلام، فالجواب أنَّ الغرض من التَّركيب أنَّ الضَّلالة ليست من ذات المولود ومقتضى طبعه، بل أينما حصلت فإنَّما هي بسببٍ خارجٍ عن ذاته.
(كَمَا تُنْتَجُ) يروى على البناء للمفعول، وفي «المُغرِب» نتج النَّاقة ينتجها نتجًا إذا تولَّى نتاجها حتَّى وضعت فهو ناتجٌ، وهو للبهائم كالقابلة للنِّساء، ولذا يعدَّى إلى المفعولين فإذا بني للمفعول قيل نتجت، فقوله (الْبَهِيمَةُ) مفعوله الأول أقيم مقام الفاعل، وقوله (بَهِيمَةً) بالنصب مفعوله الثَّاني (جَمْعَاءَ) بفتح الجيم وسكون الميم ممدودًا نعت لبهيمة، وهي التي لم يذهب من بدنها شيءٌ، سُميت بذلك لاجتماع أعضائها سالمةً لا جَدَع فيها ولا كي.
وقوله (هَلْ تُحِسُّونَ) بضم المثناة الفوقية وكسر الحاء المهملة وتشديد السين المهملة في موضع الحال أو النَّعت على تقدير القول؛ أي مقولًا في حقِّها هل تبصرون (فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ) بجيم مفتوحة ودال مهملة ساكنة ممدودًا، وهي البهيمة التي قطعت أطرافها من الأذن أو الأنف، وفيه نوعٌ من التَّأكيد يعني كلَّ من نظر إليها.
قال هذا القول لظهور سلامتها، وتخصيصُ ذكر الجدع إيماءٌ إلى أن تصميمهم على الكفر إنَّما كان بسبب صممهم عن الحقِّ، وأنَّه كان خليقًا فيهم، فكأنَّهم جدعوا أذنه إذ الجدع شائعٌ في قطع الأنف.
قال الطِّيبي قوله «كما تُنتج» إمَّا حالٌ من الضمير المنصوب في «يهوِّدانه» مثلًا، فالمعنى يهوِّدان المولود بعد أن خُلق على الفطرة حال كونه شبيهًا بالبهيمة التي جدعت بعد أن خلقت سليمة. وإمَّا صفة مصدر محذوف؛ أي يغيِّرانه تغييرًا مثل تغييرهم البهيمة السَّليمة فالأفعال الثَّلاثة؛ أعني يهوِّدانه وينصِّرانه ويمجِّسانه، تنازعت في «كما تنتج» على التَّقديرين.
(ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) الظَّاهر أنَّه ممَّا أدرجه في الحديث كما بيَّنه مسلمٌ في روايته حيث قال ثمَّ يقول أبو هريرة «اقرءوا إن شئتم» ، وإنَّما أتى بالمضارع على حكاية الحال الماضية استحضارًا له في ذهن السَّامع.
{فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} [الروم 30] أي الزموا خلقته التي خلقهم عليها، وهي قبول الحقِّ وتمكِّنهم من إدراكه، أو ملَّة الإسلام، فإنَّهم لو خُلُّوا وما خُلقوا عليه أدَّاهم ذلك إليه؛ لأنَّ حُسْن هذا الدِّين ثابتٌ في النُّفوس،
ج 6 ص 483
وإنَّما يعدل عنه لآفةٍ من الآفات البشريَّة كالتَّقليد كما مرَّ.