فهرس الكتاب

الصفحة 2146 من 11127

1359 - (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) هو عبد الله بن عثمان، وقد مرَّ غير مرَّة، قال (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ) هو ابن المبارك، قال (أَخْبَرَنَا يُونُسُ) هو ابنُ يزيد الأيلي (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهري (قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلاَّ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، ويُنَصِّرَانِهِ) وفي رواية أبي ذرٍّ (وَيُمَجِّسَانِهِ) ويروى (كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً، هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ، ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ {فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ} [الروم 30] ) استشكل هذا مع كون الأبوين يهوِّدانه مثلًا.

وأجيب بأنَّه ليس إخبارًا محضًا بل هو مأوَّل بأن يقال ما ينبغي أن يُبدِّل، ومن شأنه أن لا يبدل أو يقال إنَّ المعنى على النَّهي؛ أي لا تبدلُّوا خلق الله تعالى.

(ذَلِكَ) إشارةٌ على الدِّين المأمور بإقامة الوجه له في قوله تعالى {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ} [الروم 30] أو الفطرة إن فسرت بالملَّة، (الدِّينُ الْقَيِّمُ) المستقيم المستوي الذي لا عوج فيه.

والمراد من ذكر هذا الطَّريق الإشارة إلى أنَّ الحديث وصل إليه من هذا الطَّريق أيضًا، وفيه زيادة قوله {لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} .

ثمَّ إنَّ العلماء اختلفوا في معنى قوله صلى الله عليه وسلم (( كلُّ مولود يولد على الفطرة ) )فقالت طائفةٌ ليس معناه عامًّا بمعنى أنَّ جميع المولودين من بني آدم أجمعين يولدون على الفطرة بل معناه أنَّ كلَّ من ولد على الفطرة وكان له أبوان على غير الإسلام هوَّداه أو نصَّراه.

واحتجُّوا على ذلك بحديث أُبيِّ بن كعب رضي الله عنه قال النَّبي صلى الله عليه وسلم (( الغلام الذي قتله الخضر طبعه الله يوم طبعه كافرًا ) ).

وبما رواه سعيد بن منصورٍ عن حمَّاد بن زيدٍ عن علي بن زيدٍ عن أبي نضرة عن أبي سعيد رضي الله عنه يرفعه (( ألا إنَّ بني آدم خُلقوا طبقاتٍ فمنهم من يولد مؤمنًا ويحيى مؤمنًا ويموت مؤمنًا، ومنهم من يولد كافرًا ويحيى كافرًا ويموت كافرًا، ومنهم من يولد مؤمنًا ويموت كافرًا ومنهم من يولد كافرًا ويحيى كافرًا ويموت مؤمنًا ) ).

قالوا ففي هذا وفي غلام الخضر ما يدلُّ على أنَّ الحديث ليس على عمومه، وأُورِدَ عليهم قوله صلى الله عليه وسلم (( كلُّ بني آدم يولد على الفطرة ) )

ج 6 ص 484

وأجابوا بأنَّه غير صحيحٍ ولو صحَّ فليس فيه حجَّة لجواز الخصوص كما في قوله تعالى {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ} ولم تدمِّر السَّماء والأرض، وقوله {فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ} ولم يفتح عليهم أبواب الرَّحمة.

وقال آخرون معنى الحديث على العموم لقوله صلى الله عليه وسلم (( كلُّ بني آدم يولد على الفطرة ) )، ولحديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا (( الله أعلم بما كانوا عاملين ) ) [خ¦1384] .

ولحديث إبراهيم عليه الصَّلاة والسَّلام والوِلْدان حوله أولادُ النَّاس، فهذه كلُّها تدلُّ على أنَّ المعنى الجميع يولدون على الفطرة، وضعفوا حديث سعيد بن منصور بوجهين

الأول أنَّ في سنده ابن جدعان.

والثَّاني أنَّه لا يعارض دعوى العموم؛ لأنَّ الأقسام الأربعة راجعةٌ إلى علم الله تعالى فإنَّه قد يولد الولد بين مؤمنين، والعياذ بالله يكون قد سبق في علمه تعالى غير ذلك، وكذا من ولد بين كافرين وإلى هذا يرجع غلام الخضر.

ويكفي في الرَّدِّ عليهم حديث أبي صالحٍ عن أبي هريرة رضي الله عنه (( ليس مولود يولد إلَّا على الفطرة ) )أخرجه مسلم.

ثمَّ إنَّهم اختلفوا في الفطرة المذكورة، فذكر أبو عبيدٍ عن محمَّد بن الحسن أنَّه قبل أن يؤمر النَّاس بالجهاد.

قيل وفيه نظرٌ لأنَّ في حديث الأسود بن سريع أنَّه بعد الجهاد رواه عنه الحسن البصري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( ما بال قومٍ يبلغوا في القتل إلى الذرية، إنَّه ليس من مولودٍ إلَّا وهو يولد على الفطرة فيعبِّر عنه لسانه ) ).

ورواه ابن حبَّان في «صحيحه» بلفظ (( ما من مولودٍ يولد إلَّا على فطرة الإسلام حتَّى يُعرِب ) )، وذكره أبو نُعيم في «الحلية» وقال هو حديثٌ مشهورٌ ثابتٌ.

وفيه نظرٌ لأنَّ علي بن المديني ويحيى بن معين وأبا عبد الله ابن منده وأبا داود وغيرهم أنكروا أن يكون الحسنُ سمع من الأسود شيئًا.

وقيل روي عن الأعمش عن الأسود وهو حديثٌ بصريٌّ صحيحٌ، وقال قوم الفطرةُ هنا الخِلْقة التي يُخلق عليها المولود من المعرفة بربِّه؛ لأنَّ الفطرة الخلقة من الفاطر الخالق.

وأنكروا أن يكون المولود يفطر على كفرٍ أو إيمانٍ أو معرفةٍ أو إنكار، وإنَّما يولد على السَّلامة في الأغلب خِلقةً وطبعًا وبنيةً، ليس فيها إيمانٌ ولا كفرٌ ولا معرفة ولا إنكار، ثمَّ يعتقدون الإيمان وغيره إذا ميَّزوا.

واحتجُّوا بقوله في الحديث (( كما تُنتج البهيمة ... ) )الحديث، فالأطفال في حين الولادة كالبهائم السَّليمة فإذا بلغوا استهوتهم الشَّياطين، فكَفَرَ أكثرهم إلَّا من عصمه الله تعالى، ولو فُطِروا على الإيمان أو الكفر في أوَّل أمرهم لما انتقلوا عنه أبدًا، فقد تجدهم يؤمنون ثمَّ يكفرون ثمَّ يؤمنون.

ويستحيل

ج 6 ص 485

أن يكون الطِّفل في حين ولادته يعقل شيئًا؛ لأنَّ الله تعالى أخرجهم في حال لا يفقهون معها شيئًا، فاستحال منه إيمانٌ أو كفرٌ أو معرفة أو إنكار، وقال أبو عمر هذا القول أصحُّ ما قيل في معنى الفطرة هنا، والله تعالى أعلم.

وقال قوم إنَّما قال (( كلُّ مولودٍ يولد على الفطرة ) )قبل أن تنزل الفرائض؛ لأنَّه لو كان يولد على الفطرة ثمَّ مات أبواه قبل أن يهوِّداه وينصراه لما كان يرثهما ويرثانه، فلمَّا نزلت الفرائض علم أنَّه يولد على دينهما.

وقال قومٌ الفطرة هنا الإسلام؛ لأنَّ السَّلف أجمعوا في قوله تعالى {فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} [الروم 30] أنَّها دين الإسلام.

واحتجُّوا بحديث عياض بن حمار قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( قال الله تبارك وتعالى إنِّي خلقتُ عبادي حنفاء على استقامة وسلامةٍ ) )والحنيف في كلام العرب المستقيم السَّالم. وبقوله صلى الله عليه وسلم (( خمسٌ من الفطرة. فذكر قصَّ الشَّارب والاختتان ) )وذلك من سنن الإسلام، وإليه ذهب أبو هريرة رضي الله عنه والزُّهري.

وقال أبو عمر يستحيل أن تكون الفطرة المذكورة فيه الإسلام؛ لأنَّ الإسلام والإيمان قولٌ باللسان واعتقادٌ بالقلبِ وعملٌ بالجوارح، وهذا معدومٌ في الطفل.

وقال قومٌ معنى الفطرة فيه البداءة التي ابتدأهم عليها؛ أي على ما فطر الله تعالى عليه خلقه، من أنَّه ابتدأهم للحياة والموت والسَّعادة والشَّقاوة، وإلى ما يصيرون إليه عند البلوغ من قبولهم وآبائهم.

وقال قومٌ معنى ذلك أنَّ الله تعالى أخذ من ذرية آدم عليه السَّلام الميثاق حين خلقهم فقال {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} [الأعراف 172] فقالوا جميعًا بلى، فأمَّا أهل السَّعادة فقالوا بلى على معرفة له طوعًا من قلوبهم، وأمَّا أهل الشَّقاوة فقالوا بلى كرهًا لا طوعًا، ومصداق ذلك قوله تعالى {وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا} [آل عمران 83] .

وقال المروزيُّ سمعت ابنَ راهويه يذهب إلى هذا، واحتجَّ ابن راهويه أيضًا بحديث عائشة رضي الله عنها حين مات صبيٌّ من الأنصار بين أبوين مسلمين، فقالت عائشة رضي الله عنها طوبى له عصفورٌ من عصافير الجنَّة، فردَّ عليها النَّبي صلى الله عليه وسلم فقال (( مه يا عائشة وما يدريك؟ إنَّ الله تعالى خلق الجنَّة وخلق لها أهلًا، وخلق النَّار وخلق لها أهلًا ) ).

وقال أبو عمر قول إسحاق بن راهويه في هذا الباب

ج 6 ص 486

لا يرضاه حذاق الفقهاء من أهل السُّنة، وإنَّما هو قول المجبرة، وقال قومٌ الفطرة هنا ما يقلب الله عزَّ وجلَّ قلوب الخلق إليه بما يريد ويشاء.

وقال أبو عمر هذا القول وإن كان صحيحًا في الأصل لكنَّه أضعف الأقاويل من جهة اللغة في معنى الفطرة، والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت