1363 - (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مُسَرْهَد، قال (حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ) بضم الزاي مصغرًا، قال (حَدَّثَنَا خَالِدٌ) هو الحذاء (عَنْ أَبِي قِلاَبَة) عبد الله بن زيد
ج 6 ص 504
(عَنْ ثَابِتِ بْنِ ضَحَّاكٍ) الأنصاري الأشهلي من أصحاب بيعة الرُّضوان، وهو صغيرٌ مات سنة خمس وأربعين رضي الله عنه.
(عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَنْ حَلَفَ بِمِلَّةٍ غَيْرِ) ملَّة (الإِسْلاَمِ) الملَّةُ الدِّين كالإسلام واليهوديَّة والنَّصرانيَّة صورته أن يحلفَ بدين النَّصارى، أو بدين اليهود، أو بدينٍ من أديان الكفر.
(كَاذِبًا) حال من الضَّمير الذي في «حلف» ؛ أي حال كونه كاذبًا في تعظيم تلك الملَّة التي حلف بها، فتكون هذه الحال من الأحوال اللازمة، كما في قوله تعالى {وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا} [البقرة 91] لأنَّ من عظَّم غير ملَّة الإسلام كان كاذبًا في تعظيمه ذاك دائمًا في كلِّ حالٍ وكلِّ وقتٍ لا ينتقل عنه، ولا يصلح أن يقال إنَّه يعني بكونهِ كاذبًا كونَه كاذبًا في المحلوف عليه؛ لأنَّه يستوي في حقِّه كونه كاذبًا أو صادقًا في المحلوف عليه إذا حلف بملَّةٍ غير الإسلام؛ لأنَّه إنَّما ذمه الشَّرع من حيث إنَّه حلف بتلك الملَّة الباطلة معظمًا لها نحو ما يعظم به ملَّة الإسلام الحق.
وقوله (مُتَعَمِّدًا) حالٌ أيضًا من الأحوال المترادفة، أو المتداخلة قيَّد به؛ لأنَّه إذا لم يتعمَّده بل سبق على لسانه ذلك لا يترتَّب عليه الوعيد المذكور، وأمَّا إذا تعمَّد ذلك واعتقده فهو يحكم عليه بالكفر، وأمَّا إذا لم يعتقده مع تعمده فهو آثمٌ مرتكبٌ كبيرة؛ لأنَّه تشبَّه في قوله هذا بمن يعظِّم تلك الملَّة ويعتقدها، فغلظ عليه الوعيد بأن صُيِّر كواحدٍ منهم مبالغة في الرَّدع والزَّجر، كما قال تعالى {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} [المائدة 51] .
وقال القرطبيُّ قوله (( متعمدًا ) )يحتمل أن يريد به النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم من كان معتقدًا لتعظيم تلك الملَّة المغايرة لملَّة الإسلام، وحينئذٍ يكون كافرًا حقيقةً فيبقى اللفظ على ظاهره؛ يعني قوله (فَهُوَ كَمَا قَالَ) أي فيحكم عليه بالذي نسبه لنفسه، وظاهره الحكم عليه بالكفر إذا قال هذا القول.
وقال ابن بطَّال أي هو كاذبٌ لا كافرٌ، ولا يخرج بهذا القول من الإسلام إلى الدِّين الذي حلف به؛ لأنَّه لم يقل ذلك معتقدًا له فوجب أن يكون كاذبًا كما قال، لا كافرًا.
وليس في الحديث دَلالةٌ على إباحة الحلف بملَّةٍ غير الإسلام صادقًا لاشتراطه في الحديث أن يحلفَ بها كاذبًا؛ لورود نهي النَّبي صلى الله عليه وسلم عن الحلف بغير الله نهيًا مطلقًا، فاستوى في ذلك الكاذب والصَّادق، وإنَّما معنى الكاذب هنا هو ما ذكر أنَّه كاذبٌ في تعظيم الملَّة التي حلف بها.
هذا وقيل يحتمل أن يعلَّقَ ذلك بالكذب؛ لما روى بُريدة رضي الله عنه مرفوعًا (( من قال أنا بريءٌ من الإسلام فإن كان كاذبًا فهو كما قال، وإن صادقًا فليقل ندبًا لا إله إلا الله محمَّد رسول الله
ج 6 ص 505
ويستغفر الله )) .
والتَّحقيق في ذلك هو التَّفصيل، فإن اعتقد تعظيم ما ذَكَرَ كفر، وعليه يُحمل قوله صلى الله عليه وسلم (( من حلف بغير الله فقد كفر ) )رواه الحاكم، وقال صحيحٌ على شرط الشَّيخين.
وإن قصد التَّعليق فينظر فإن كان أراد أن يتَّصف بذلك كفر؛ لأنَّ إرادة [كفرٌ] وإن أراد البعد عن ذلك لم يكفر، لكن هل يحرم عليه ذلك أو يكره تنزيهًا؟ المشهور هو الثَّاني. ذكره الإمام القسطلانيُّ.
ثمَّ إنَّه احتجَّ بهذا الحديث أبو حنيفة وأصحابه على أنَّ الحالف باليمين المذكورة تنعقد يمينه وعليه الكفَّارة، ولأنَّ الله تعالى أوجب على المظاهر الكفارة، وهو منكرٌ من القول وزور، والحلف بهذه الأشياء أيضًا منكر وزور.
وقال النَّووي لو قال إن فعلت كذا فهو يهوديٌّ لم ينعقدْ يمينه، بل عليه أن يستغفرَ الله ويوحِّده ويقول لا إله إلا الله، ولا كفَّارة عليه سواءٌ فعله أم لا.
وقال هذا مذهب الشَّافعي ومالك وجمهور العلماء، واحتجُّوا بقوله صلى الله عليه وسلم (( من حلف باللَّات والعزَّى فليقل لا إله إلا الله ) )ولم يذكر في الحديث كفَّارة.
والجواب أنَّه لا يلزم من عدم ذكر ما فيه نفي وجوبها.
(وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ) أي بآلةٍ قاطعةٍ، مثل السَّيف والسِّكين ونحوهما، والحديدةُ أخصُّ من الحديد سمِّي به؛ لأنَّه منيع، وأصله من الحدِّ وهو المنعُ، والجمع حدائد، وجاء في الشِّعر حدائدات.
وفي «الأيمان» [خ¦6652] «ومن قتل نفسه بشيءٍ» ، وهو أعمُّ.
(عُذِّبَ بِهِ) أي بالمذكور، وفي رواية الكُشميهني أي بالحديدة (فِي نَارِ جَهَنَّمَ) وهذا من باب مجانسة العقوبات الأخروية للجنايات الدنيويَّة.
وفيه أنَّ جناية الإنسان على نفسه، كجنايته على غيره في الإثم؛ لأنَّ نفسه ليست ملكًا له مطلقًا بل هي لله تعالى، فلا ينصرف فيها إلَّا بما أذن له فيه.
وأجمع أهل السُّنة على أنَّ من قتل نفسه لا يَخرجْ بذلك من الإسلام، ويصلَّى عليه عند الجمهور ولم يَكره الصَّلاة عليه إلَّا عمر بن عبد العزيز والأوزاعي.
والصَّواب قول الجماعة؛ لأنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم سنَّ الصَّلاة على المسلمين ولم يستثنِ منهم أحدًا، فيُصلِّىَ على جميعهم، كذا قال ابن بطَّال.
وقال العينيُّ قال أبو يوسف لا يُصلِّىَ على قاتل نفسه؛ لأنَّه ظالمٌ لنفسه فيلحق بالباغي وقاطع الطَّريق، وعند أبي حنيفة ومحمد يُصلَّى عليه؛ لأنَّ دمه هدر كما لو مات حتف أنفه.
وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف في «الأدب» [خ¦6047] و «الأيمان» [خ¦6652] أيضًا، وأخرجه مسلم في «الأيمان» وكذا أبو داود
ج 6 ص 506
والتِّرمذي والنَّسائي وابن ماجه في «الكفارات» .