فهرس الكتاب

الصفحة 2166 من 11127

1372 - (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) هو لقب عبد الله بن عثمان بن جبلة بن أبي رواد ثابت، قال (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبِي) عثمان (عَنْ شُعْبَةَ) أي ابن الحجَّاج، قال (سَمِعْتُ الأَشْعَثَ) بالمثلثة في آخره (عَنْ أَبِيهِ)

ج 6 ص 527

أبي الشَّعثاء _ بالمد _ سليم بن أسود المحاربي، وفي رواية أبي داود الطَّيالسي عن شعبة (( عن أشعث سمعت أبي ) ).

(عَنْ مَسْرُوقٍ) هو ابن الأجدع (عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أَنَّ يَهُودِيَّةً) قال الحافظ العسقلاني لم أقف على اسمها (دَخَلَتْ عَلَيْهَا) أي على عائشة رضي الله عنها (فَذَكَرَتْ) تلك اليهوديَّة (عَذَابَ الْقَبْرِ، فَقَالَتْ لَهَا) أي لعائشة رضي الله عنها (أَعَاذَكِ اللَّهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ. فَسَأَلَتْ عَائِشَةُ) رضي الله عنها (رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (نَعَمْ، عَذَابُ الْقَبْرِ) أي حقٌّ أو ثابت، بحذف الخبر، وفي رواية الحموي والمستملي بإثبات الخبر.

لكن قال الحافظ العسقلاني إنَّه ليس بجيِّد؛ لأنَّ المصنِّف قال عقب هذه الطَّريق زاد غندر (( عذاب القبر حق ) )، فبيَّن أنَّ لفظة «حق» ، ليست في رواية عبدان، عن أبيه، عن شعبة. وأنَّها ثابتة في رواية غندر؛ يعني عن شعبة، وهو كذلك. وقد أخرج طريق غندر النَّسائيُّ والإسماعيلي كذلك، وكذلك أخرجه أبو داود الطَّيالسي في «مسنده» عن شعبة.

وتعقَّبه العيني بأنَّ قوله زاد غندر (( عذاب القبر حق ) )ليس بموجود في كثير من النُّسخ، وإنَّما في رواية أبي ذرٍّ، ولئن سلَّمنا وجوده فلا نسلِّم أنَّه يستلزم حذف الخبر مع أنَّ الأصل ذكر الخبر، وكيف ينفي الجودة من رواية المستملي مع كونها على الأصل، فماذا يلزم من المحذور إذا ذكر الخبر في الرِّوايات كلها؟ انتهى وفيه تأمُّل.

(قَالَتْ عَائِشَةُ) رضي الله عنها (فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدُ) مبنيٌّ على الضم؛ أي بعد سؤالي إيَّاه صلى الله عليه وسلم (صَلَّى صَلاَةً إِلاَّ تَعَوَّذَ) فيها (مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ) وزاد أبو ذرٍّ هنا قوله .

ففي هذا الحديث أنَّه صلى الله عليه وسلم أقرَّ اليهوديَّة على أنَّ عذاب القبر حقٌّ. وقد وقع في رواية أبي وائل عن مسروق عند البخاري في «الدَّعوات» [خ¦6366] دخل عجوزان من عُجز يهود المدينة فقالتا إنَّ أهل القبور يعذَّبون في قبورهم.

فهذه الرِّواية محمولة على أنَّ إحداهما تكلَّمت، وأقرَّتها الأخرى على ذلك فنُسِب القول إليهما مجازًا، والإفراد يُحمل على التكلُّم، وزاد في رواية أبي وائل (( فكذَّبتهما ) ).

فإن قيل روى مسلم من طريق ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها

ج 6 ص 528

قالت دخلت عليَّ امرأة من اليهود وهي تقول هل شعرتِ أنَّكم تفتنون في القبور؟ قالت فارتاعَ رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال (( إنَّما تفتنُ يهود ) )قالت عائشة رضي الله عنها فلبثنا ليالي، ثمَّ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( هل شعرتِ أنَّه أوحي إليَّ أنَّكم تفتنون في القبور ) )قالت عائشة فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يستعيذ من عذاب القبر.

وبين هاتين الرِّوايتين مخالفة؛ لأنَّ في هذه أنَّه صلى الله عليه وسلم أنكر على اليهودية، وفي الأولى أنَّه أقرَّها.

فالجواب ما قاله النَّووي تبعًا للطَّحاوي وغيره أنَّهما قضيَّتان أنكر النَّبي صلى الله عليه وسلم في القضية الأولى، ثمَّ أُعلِم النَّبي صلى الله عليه وسلم بذلك، ولم يُعلِم عائشة رضي الله عنهما، فجاءت اليهوديَّة مرَّة أخرى فذكرت لعائشة رضي الله عنها ذلك، فأنكرت عليها مستندة إلى الإنكار الأوَّل، فأعلمها النَّبي صلى الله عليه وسلم بأنَّ الوحي نزل بإثباته، انتهى.

وقال الكرماني يحتمل أنَّه صلى الله عليه وسلم كان يتعوَّذ سرًّا، فلمَّا رأى استغراب عائشة رضي الله عنها حين سمعتْ ذلك من اليهوديَّة أعلنَ ليترسَّخ ذلك في عقائد أمَّته، ويكونوا على خيفة من فتنته، انتهى.

قال الحافظ العسقلاني وكأنَّه لم يقف على رواية الزُّهري عن عروة التي تقدَّمت آنفًا؛ أي فلذلك ذكر ما ذكره بالاحتمال.

وقد تقدَّم في باب «التعوذ من عذاب القبر» في «الكسوف» [خ¦1049] من طريق عمرة، عن عائشة رضي الله عنها إنَّ يهودية جاءت تسألها فقالت لها أعاذك الله من عذاب القبر، فسألت عائشة رضي الله عنها رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أيعذَّب النَّاس في قبورهم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عائذًا بالله من ذلك، ثمَّ ركب ذات غداة مركبًا فخسفت الشَّمس ... فذكر الحديث وفي آخره (( ثمَّ أمرهم أن يتعوَّذوا من عذاب القبر ) ).

وفي هذا موافقة لرواية الزُّهري، وأنَّه صلى الله عليه وسلم لم يكن عنده علم بعذاب القبر لهذه الأمَّة.

وأصرح منه ما رواه أحمد في «مسنده» بإسنادٍ صحيحٍ على شرط البخاري عن سعيد بن عَمرو بن سعيد الأموي، عن عائشة رضي الله عنها (( أنَّ يهودية كانت تخدمها فلا تصنع عائشة رضي الله عنها إليها شيئًا من المعروف إلَّا قالت لها اليهودية وقاك الله عذاب القبر، قالت فقلت يا رسول الله هل للقبر عذاب؟ قال كذبت يهود لا عذاب دون القيامة، ثمَّ مكث بعد ذلك ما شاء الله أن يمكث، فخرج ذات يوم نصف النَّهار وهو

ج 6 ص 529

ينادي بأعلى صورته أيُّها النَّاس استعيذوا بالله من عذاب القبر فإن عذاب القبر حقٌّ )) .

وفي هذا كلِّه أنَّه صلى الله عليه وسلم إنَّما علم بحكم عذاب القبر إذ هو بالمدينة في آخر الأمر. فإن قيل الآية أعني قوله تعالى {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا} الآية [إبراهيم 27] مكيَّة، وكذا قوله تعالى {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا} [غافر 46] .

فالجواب أنَّ عذاب القبر يؤخذ من الآية الأولى بطريق المفهوم في حقِّ من لم يتَّصف بالإيمان، وكذا بالمنطوق في الآية الثَّانية في حقِّ آل فرعون، وإن التحق بهم من كان له حكمهم من الكفَّار، فالذي أنكره النَّبي صلى الله عليه وسلم إنَّما هو وقوع العذاب على الموحِّدين، ثمَّ أعلم صلى الله عليه وسلم أنَّ ذلك قد يقع على من شاء الله منهم، فجزم به وحذَّر منه، وبالغ في الاستعاذة منه تعليمًا لأمَّته وإرشادًا به، فزال التَّعارض.

وفي الحديث أنَّ عذاب القبر حقٌّ، وأنَّه ليس بخاص بهذه الأمَّة بخلاف المسألة، ففيها اختلاف كما سيأتي ذكره في آخر الباب إن شاء الله تعالى [خ¦1374] .

وفيه جواز التحدُّث عن أهل الكتاب إذا وافق قول الرَّسول صلى الله عليه وسلم.

وفيه التوقُّف عن خبرهم حتَّى يعرف أصدق أم كذب.

وفيه استحباب التعوُّذ من عذاب القبر عقيب الصَّلاة؛ لأنَّه وقت إجابة الدَّعوة.

وفيه جواز دخول اليهوديَّة عند المسلمات.

وفي حديث أحمد جواز استخدام أهل الذمَّة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت