فهرس الكتاب

الصفحة 2165 من 11127

1371 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) هو ابن أبي شيبة بن إبراهيم الكوفي، قال (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) أي ابن عيينة (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ إِنَّمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّهُمْ لَيَعْلَمُونَ الآنَ أَنَّ مَا كُنْتُ أَقُولُ حَقٌّ) وفي رواية وهذا مصير من عائشة رضي الله عنها إلى ردِّ رواية ابن عمر رضي الله عنهما المذكورة [خ¦1370] ، ثمَّ استدلَّت لما نفته بقولها

(وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتَى} ) وخالفها الجمهور في ذلك، وقبلوا حديث ابن عمر رضي الله عنهما لموافقة رواية غيره.

وقال السُّهيلي عائشة رضي الله عنها لم تحضر قول النَّبي صلى الله عليه وسلم فغيرها ممَّن حضر أحفظ

ج 6 ص 525

للفظ النَّبي صلى الله عليه وسلم، وقد قالوا له يا رسول الله أتخاطب قومًا قد جيفوا؟ فقال (( ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ) ). قال وإذا جاز أن يكونوا في تلك الحال عالمين جاز أن يكونوا سامعين إمَّا بآذان رؤوسهم كما هو قول الجمهور، أو بأذن الرُّوح على رأي من يوجِّه السُّؤال إلى الرُّوح من غير رجوع إلى الجسد.

قال وأمَّا الآية فإنَّها كقوله تعالى {أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ} [الزخرف 40] أي إنَّ الله هو الذي يسمع ويهدي. انتهى.

قال الحافظ العسقلاني وقوله «إنَّها لم تحضر» ، صحيح، لكن لا يقدح ذلك في روايتها؛ لأنَّه مرسل صحابي، وهو محمول على أنَّه سمع ذلك ممَّن حضره، أو من النَّبي صلى الله عليه وسلم بعدُ، ولو كان ذلك قادحًا وفي روايتها لقدح في رواية ابن عمر رضي الله عنهما، فإنَّه لم يحضر أيضًا، ولا مانع أن يكون النَّبي صلى الله عليه وسلم قال اللَّفظين معًا فإنَّه لا تعارض بينهما.

وقال ابن التِّين لا معارضة بين حديث ابن عمر رضي الله عنهما والآية؛ لأنَّ الموتى لا يسمعون بلا شكٍّ، لكن إذا أراد الله إسماع ما ليس من شأنه السَّماع لم يمتنع، كقوله تعالى {وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا} الآية [فصلت 11] ، وكقوله تعالى {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ} الآية [الأحزاب 72] ، وأنَّ النَّار اشتكت إلى ربِّها، وسيأتي في «المغازي» [خ¦3978] قول قتادة إنَّ الله أحياهم حتَّى سمعوا كلام نبيِّه توبيخًا ونقمةً. انتهى.

فيكون معنى قوله تعالى {إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى} [النمل 80] مثل قوله تعالى {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} [القصص 56] .

وقال المفسِّرون في قوله تعالى {إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ} [النمل 80] هذا مَثَلٌ ضربه الله للكفَّار؛ أي فكما أنَّك لا تسمع الموتى، فكذلك لا تفقهه كفَّار مكَّة، ولا تُسمع الصُّمَّ الدُّعاء إذا أعرضوا عن الحقِّ مكذِّبين.

وقال الزَّمخشري {إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ} تأكيد لحال الأصم؛ لأنَّه إذا تباعد عن الدَّاعي بأن يولِّي عنه مدبرًا كان أبعد عن إدراك صوته.

هذا وقد أخذ ابن جرير وجماعة من الكرَّاميَّة من هذه القصَّة أنَّ السُّؤال في القبر يقع على البدن فقط، وأنَّ الله تعالى يخلقُ فيه إدراكًا بحيث يسمع ويعلم ويلذُّ ويألم.

وذهبَ ابن حزمٍ وابن هبيرة إلى أنَّ السُّؤال يقع على الرُّوح فقط من غير عود إلى الجسد، وخالفهم الجمهور فقالوا تعاد الرُّوح إلى الجسد أو بعضه، كما ثبت في الحديث، ولو كان على الرُّوح فقط لم يكن للقبرِ بذلك اختصاص، ولا يمنع من ذلك كون الميِّت قد تتفرَّق أجزاءه؛ لأنَّ الله تعالى قادرٌ أن يعيدَ الحياة

ج 6 ص 526

إلى جزء من الجسد يقع عليه السُّؤال، كما هو قادر على أن يجمعَ أجزاءه المتفرِّقة.

والحاصل للقائلين بأنَّ السُّؤال يقع على الرُّوح فقط أنَّ الميِّت قد يشاهد في قبره حال المسألة لا أثر فيه من إقعاد ولا غيره ولا ضيق في قبره ولا سعة، وكذلك غير المقبور كالمصلوب.

والجواب عنه أنَّ ذلك غير ممتنع في القدرة، بل له نظير في العادة وهو النَّائم، فإنه يجد لذَّة وألمًا لا يدركها جليسه، بل اليقظان قد يجد ألمًا ولذَّة لما يسمعه أو يفكِّر فيه، ولا يدرك ذلك جليسه، وإنَّما أتى الغلطُ من قياس الغائب على الشَّاهد وأحوال ما بعد الموت على ما قبله.

والظَّاهر أنَّ الله تعالى صرف أبصار العباد وأسماعهم عن مشاهدة ذلك، وستره عنهم إبقاء عليهم؛ لئلا يتدَافنوا، وليست للجوارح الدنياويَّة قدرة على إدراك أمور الملكوت إلَّا من شاء الله.

وقد ثبتت الأحاديث بما ذهب إليه الجمهور كقوله (( إنَّه يسمع خفق نعالهم ) )، وقوله (( تختلف أضلاعه لضمَّة القبر ) )، وقوله (( يسمع صوته إذا ضرب بالمطراق ) )، وقوله (( يُضرب بين أُذنيه ) )، وقوله (( فيقعدانه ) )، وكلُّ ذلك من صفات الأجساد.

وذهب أبو الهذيل ومن تبعه إلى أنَّ الميِّت لا يَشعر بالتَّعذيب ولا بغيره إلَّا بين النفختين، قالوا وحاله كحال النَّائم والمغشيِّ عليه لا يُحسُّ بالضَّرب ولا بغيره إلا بعد الإفاقة، والأحاديث الثَّابتة في السُّؤال حال تولِّي أصحاب الميِّت عنه تردُّ عليهم.

ثمَّ إنَّ وجه إدخال حديث ابن عمر وحديث عائشة رضي الله عنهم في ترجمة عذاب القبر أنَّه لما ثبت من سماع أهل القليب كلامه وتوبيخه لهم دلَّ إدراكهم الكلام بحاسة السَّمع على جواز إدراكهم ألم العذاب ببقية الحواس، بل بالذَّات، أو الجامع بينهما وبين بقيَّة الأحاديث أنَّ المؤلِّف رحمه الله أشار إلى التَّوفيق بين حديثي ابن عمر وعائشة رضي الله عنهما بحمل حديث ابن عمر على أنَّ مخاطبة أهل القليب وقعت وقت المسألة، وحينئذٍ كانت الرُّوح قد أُعيدت إلى الجسد.

وقد تبيَّن من الأحاديث الأخرى أنَّ الكافر المسؤول يعذَّب، وأمَّا إنكار عائشة رضي الله عنها فمحمول على غير وقت المسألة فيتَّفق الخبران، والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت