فهرس الكتاب

الصفحة 2183 من 11127

1383 - (حَدَّثَنَا حِبَّانُ) بكسر الحاء المهملة وتشديد الموحدة، هو ابن موسى، وفي رواية وقد مرَّ ذكره [خ¦838] قال (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ) أي ابن المبارك قال (أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ) أي ابن الحجَّاج.

(عَنْ أَبِي بِشْرٍ) بكسر الموحدة وسكون المعجمة، جعفر بن أبي وحشيَّة، وقد مرَّ في أوَّل كتاب «العلم» [خ¦60] (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ،

ج 6 ص 547

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَوْلاَدِ الْمُشْرِكِينَ)قال الحافظ العسقلاني لم أقف في شيء من الطُّرق على تسمية هذا السَّائل، لكن يحتمل أن تكون عائشة رضي الله عنها لما روى أحمد وأبو داود عنها أنَّها قالت (( قلت يا رسول الله ذراري المسلمين، قال من آبائهم، قلت يا رسول الله بلا عمل، قال الله أعلم بما كانوا عاملين ... ) )الحديث.

وروى ابن عبد البر من طريق أبي معاذ، عن الزُّهري، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها قالت (( سألت خديجةُ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم عن أولاد المشركين؟ فقال هم مع آبائهم، ثمَّ سألته بعد ذلك فقال الله أعلم بما كانوا عاملين، ثمَّ سألته بعدما استحكم الإسلام، فنزلت {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الزمر 7] فقال هم على الفطرة أو قال في الجنَّة ) ).

وأبو معاذ هذا هو سليمان بن أرقم وهو ضعيف، ولو صحَّ هذا لكان قاطعًا للنزاع، والله أعلم.

(فَقَالَ اللَّهُ إِذْ خَلَقَهُمْ) أي حين خلقهم. قال في «المصابيح شرح هذا الجامع الصَّحيح» و «إذ» يتعلَّق بمحذوف؛ أي علم ذلك إذ خلقهم، والجملة معترضة بين المبتدأ وهو لفظة الجلالة، والخبر وهو قوله «أعلم» ، ولا يصحُّ تعلُّقها بأفعل التَّفضيل لتقدمها عليه، وقد يقال بجوازه مع التقدُّم؛ لأنَّه ظرف فيتَّسع فيه.

(أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ) قال ابن قتيبة معنى قوله «أعلم بما كانوا عاملين» ، الله أعلم بما كانوا يعملون لو لم يمتهم وأبقاهم إلى أن يبلغوا العمل، فلا تحكموا عليهم بشيء؛ أي لأنَّهم لا يعلمون إلى ما يصير حالهم لو بقوا إلى وقت العمل.

وقيل معناه الله أعلم بأنَّهم كانوا لا يعلمون ما يقتضي تعذيبهم ضرورة أنهم غير مكلفين، وقيل معناه الله أعلم؛ أي علم أنَّهم لا يعملون شيئًا ولا يرجعون فيعملون، أو أخبر أنَّه يعلم الشَّيء لو وجد كيف يكون، مثل قوله تعالى {وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا} [الأنعام 28] ولكن لم يرد أنَّهم يجاوزن بذلك في الآخرة؛ لأنَّ العبد لا يجازى بما لم يعمل.

وقال ابن بطَّال يحتمل قوله «الله أعلم بما كانوا عاملين» وجوهًا من التَّأويل

أحدها أن يكون قبل إعلامه أنَّهم من أهل الجنَّة.

والثَّاني أي على أيِّ دين يميتهم لو عاشوا فبلغوا العمل، فإذا عدم منهم العمل فهم في رحمة الله التي ينالها من لا ذنب له.

والثَّالث أنَّه مجمل يفسِّره قوله تعالى وَإِذْ أَخَذَ

ج 6 ص 548

رَبُّكَ مِنْ بَنِي آَدَمَ الآية [الأعراف 172] ، فهذا إقرار عام يدخل فيه أولاد المسلمين والمشركين، فمن مات قبل بلوغ الحنث ممَّن أقرَّ بهذا الإقرار من أولاد النَّاس كلهم فهو على إقراره المتقدِّم لا يُقضى له بغيره؛ لأنَّه لم يدخل عليه ما ينقضه إلى أن يبلغ الحنث، وأمَّا من قال حكمهم حكم آبائهم فهو مردود بقوله تعالى {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الإسراء 15] .

ثمَّ إنَّ هذا الحديث لم يسمعه ابن عبَّاس رضي الله عنهما من النَّبي صلى الله عليه وسلم بيَّن ذلك أحمد من طريق عمَّار بن أبي عمَّار، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال كنت أقول في أولاد المشركين هم منهم حتَّى حدَّثني رجل عن رجل من أصحاب النَّبي صلى الله عليه وسلم فلقيته فحدَّثني عن النَّبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال (( ربُّهم أعلم بهم هو خلقهم وهو أعلم بما كانوا عاملين ) )فأمسكتُ عن قولي.

ثمَّ هذا الحديث أخرجه المؤلِّف في «القدر» أيضًا [خ¦6597] ، وأخرجه مسلم، وأبو داود، والنَّسائي أيضًا.

واعلم أنَّه قد اختلف العلماء قديمًا وحديثًا في هذه المسألة على أقوال

أحدها أنَّهم في مشيئة الله تعالى، وهو منقول عن حمَّاد بن سلمة، وحمَّاد بن زيد، وعبد الله بن المبارك وإسحاق. ونقله البيهقي في «الاعتقاد» عن الشَّافعي في حقِّ أولاد الكفَّار خاصَّة، والحجَّة فيه «الله أعلم بما كانوا عاملين» .

وقال ابن عبد البر وهو مقتضى صنيع مالك، وليس عنه في هذه المسألة شيء منصوص إلَّا أنَّ أصحابه صرَّحوا بأنَّ أطفال المسلمين في الجنَّة، وأطفال الكفَّار خاصَّة في المشيئة.

ثانيها أنَّهم تبع لآبائهم، فأولاد المسلمين في الجنَّة، وأولاد الكفَّار في النَّار، وحكاه ابن حزم عن الأزارقة من الخوارج. واحتجُّوا بقوله تعالى {رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا} [نوح 26] . وردَّ بأنَّ المراد قوم نوح خاصَّة، وإنَّما دعا بذلك لمَّا أوحى الله إليه أنَّه لن يؤمن من قومك إلَّا من قد آمن، وأمَّا حديث (( هم من آبائهم أو منهم ) )فذاك ورد في حكم الحرب.

وأمَّا ما روى أحمد من حديث عائشة رضي الله عنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ولدان المسلمين قال (( في الجنَّة ) )، وعن أولاد المشركين قال (( في النَّار ) )فقلت يا رسول الله لم يدركوا الأعمال قال (( ربُّك أعلم بما كانوا عاملين، لو شئت أسمعتك تضاغيهم في النَّار ) )فهو حديث ضعيف جدًا؛ لأنَّ في إسناده أبا عقيل مولى بُهَيَّة وهو متروك.

ثالثها أنَّهم يكونون في برزخ بين الجنَّة والنَّار؛ لأنَّهم لم يعملوا

ج 6 ص 549

حسنات يدخلون بها الجنَّة، ولا سيئات يدخلون بها النَّار.

رابعها أنَّهم خدم أهل الجنَّة، وورد فيه حديث ضعيف عن أنس رضي الله عنه أخرجه أبو داود الطَّيالسي، وأبو يَعلى، وللطَّبري والبزَّار من حديث سَمُرة رضي الله عنه مرفوعًا (( أولاد المشركين خدم أهل الجنَّة ) )وإسناده ضعيف.

خامسها أنَّهم يصيرون ترابًا، روي ذلك عن ثمامة بن أشرس.

سادسها أنَّهم في النَّار، حكاه القاضي عياض عن أحمد، وغلَّطه ابن تيمية بأنَّه قول بعض أصحابه، ولا يحفظ عن الإمام أصلًا.

سابعها أنَّهم يمتحنون في الآخرة بأن تُرفع لهم نارٌ، فمن دخلها كانت عليه بردًا وسلامًا، ومن أبى عُذِّب. أخرج البزَّار من طريق فضيل بن مرزوق، عن عطيَّة، عن أبي سعيد رضي الله عنه، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم أحسبه قال (( يؤتى والهالك في الفتنة والمعتوه والمولود فيقول الهالك في الفترة لما يأتني كتاب ولا رسول، ويقول المعتوه أي ربِّ لم تجعل فيَّ عقلًا أعقل به خيرًا ولا شرًا، ويقول المولود لم أدرك العمل، قال فترفع لهم نار فيقال لهم رِدُوها، أو قال ادخلوها، فيدخلها من كان في علم الله سعيدًا لو أدرك العمل، قال ويمسك عنها من كان في علم الله شقيًا؛ أي لو أدرك العمل فيقول تبارك وتعالى إيَّاي عصيتم، فكيف برسلي بالغيب ) ).

قال البزَّار لا نعلمه يروي عن أبي سعيد إلَّا من حديث فضيل. ورواه الطَّبراني من حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه.

وقيل قد صحَّت مسألة الامتحان في حقِّ المجنون، ومن مات في الفترة، من طرق صحيحة.

وروى البزَّار من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( يؤتى بأربعة يوم القيامة بالمولود والمعتوه، ومن مات في الفترة، وبالشَّيخ الفاني كلهم يتكلَّم بحجَّته فيقول الله تبارك وتعالى لعنق من جهنم أحسبه قال ابرزي فيقول لهم إنِّي كنت أبعث إلى عبادي رسلًا من أنفسهم، وإني رسول نفسي إليكم ادخلوا هذه فيقول مَن كُتب عليه الشَّقاء يا ربِّ أتدخلناها ومنها كنا نَفْرِق، ومن كتب له السَّعادة فيمضي فيقتحم فيها مسرعًا قال فيقول الله قد عصيتموني وأنتم لرسلي أشدُّ تكذيبًا ومعصية، قال فيدخل هؤلاء الجنَّة وهؤلاء النَّار ) ).

وروي أيضًا من حديث الأسود بن سريع، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم

ج 6 ص 550

قال (( يعرض على الله الأصمُّ الذي لا يسمع شيئًا، والأحمق والهرم ورجل مات في الفترة فيقول الأصم ربِّ جاء الإسلام وما أسمع شيئًا، ويقول الأحمق ربِّ جاء الإسلام، وما أعقل شيئًا، ويقول الذي مات في الفترة ربِّ ما أتاني لك من رسول، قال فيأخذوا مواثيقهم فيرسِل إليهم تبارك وتعالى ادخلوا النَّار، فوالذي نفس محمَّد بيده لو دخلوها لكانت عليهم بردًا وسلامًا ) ).

وحكى البيهقي في كتاب «الاعتقاد» أنَّ مسألة الامتحان في حقِّ المجنون، ومن مات في الفترة هو المذهب الصَّحيح. واعتُرِض عليه بأنَّ الآخرة ليست بدار تكليف فلا عمل فيها ولا ابتلاء.

وأجيب بأن ذلك بعد أن يقع الاستقرار في الجنَّة أو النَّار، وأمَّا في عرصات القيامة فلا مانع من ذلك، وقد قال تعالى {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ} [القلم 42] .

وفي «الصَّحيحين» إنَّ النَّاس يؤمرون بالسُّجود فيصير ظهر المنافق طبقًا فلا يستطيع أن يسجد [خ¦7439] .

ثامنها أنَّهم في الجنَّة. قال النَّووي وهو المذهب الصَّحيح، والمختار الذي صار إليه المحققون لقوله تعالى {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء 15] وإذا كان لا يعذَّب العاقلُ لكونه لم تبلغه الدعوة، فلأن لا يعذَّبَ غير العاقل من باب الأولى.

تاسعها الوقف.

عاشرها الإمساك، وفي الفَرْقِ بينهما دِقَّة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت