1386 - (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) أبو سلمة المنقري التَّبوذكي، قال (حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ) بالحاء المهملة والزاي قال (حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ) بتخفيف الجيم وبالمد، عمران بن تميم، ويقال ابن ملحان العطاردي، مخضرم أدرك زمان النَّبي صلى الله عليه وسلم، وأسلم بعد فتح مكَّة، ولم يرَ النَّبي صلى الله عليه وسلم ونزل البصرة.
(عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا صَلَّى صَلاَةً) وفي رواية وفي أخرى (أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ) الكريم (فَقَالَ مَنْ رَأَى مِنْكُمُ اللَّيْلَةَ رُؤْيَا) مقصور غير منصرف، ويكتب بالألف كراهة اجتماع مثلين وجمعه رُأًى مثل رُعًى بالتنوين، والمشهور عند أهل اللُّغة أنَّ الرُّؤيا في المنام والرُّؤية في اليقظة.
وقد قيل إنَّ الرُّؤيا أيضًا تكون في اليقظة، وعليه تفسير الجمهور في قوله تعالى {وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ} [الإسراء 60] أنَّ الرُّؤيا هنا في اليقظة.
(قَالَ فَإِنْ رَأَى أَحَدٌ) أي رؤيا (قَصَّهَا) عليه صلى الله عليه وسلم (فَيَقُولُ مَا شَاءَ اللَّهُ، فَسَأَلَنَا) بفتح اللام جملة من الفعل والفاعل والمفعول، وقوله (يَوْمًا) نصب على الظرفية (فَقَالَ هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رُؤْيَا؟ قُلْنَا لاَ، قَالَ) صلى الله عليه وسلم
(لَكِنِّي رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ) بالنصب (رَجُلَيْنِ) قال الطِّيبي وجه الاستدراك أنَّه كان يحب أن يعبِّر لهم الرُّؤيا، فلما قالوا ما رأينا كأنه قال أنتم ما رأيتم شيئًا، لكنِّي رأيت رجلين، وفي حديث علي رضي الله عنه عند أبي حاتم (( رأيت ملكين ) ).
(أَتَيَانِي فَأَخَذَا بِيَدِي فَأَخْرَجَانِي إِلَى الأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ) وفي رواية . وعند أحمد (( إلى أرض فضاء أو أرض
ج 6 ص 553
مستوية )) ، وفي حديث علي رضي الله عنه (( فانطلقا بي إلى السماء ) ) (فَإِذَا رَجُلٌ جَالِسٌ) كلمة «إذا» للمفاجأة.
(وَرَجُلٌ قَائِمٌ، بِيَدِهِ) أي شيء فسَّره المؤلِّف بقوله (قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا) أبهمه لنسيان أو غيره، وليس بقادح؛ لأنَّه لا يروي إلَّا عن ثقة بشرطه المعروف فلا بأس بجهل اسمه.
قال الحافظ العسقلاني لم أعرف المراد به إلَّا أن الطَّبراني أخرجه في «المعجم الكبير» عن العبَّاس بن الفضل الأسفاطي، عن موسى بن إسماعيل، فذكر الحديث بطوله وفيه (( بيده كلَّاب من حديد ) ).
(عَنْ مُوسَى) هو ابن إسماعيل التَّبوذكي (كَلُّوبٌ مِنْ حَدِيدٍ) بفتح الكاف وضم اللام المشددة، وهي الحديدة التي لها شِعْبٌ ينشل بها اللَّحم عن القدر، وكذلك الكِلَّاب _ بكسر الكاف _ و «من» للبيان.
(يُدْخِلُهُ فِي شِدْقِهِ) أي يدخل ذلك الكلوب في شِدْقه _ بكسر الشين المعجمة وسكون المهملة _؛ أي في جانب فم الرَّجل الجالس، وفي رواية .
قال بعض أصحابنا إنَّه يدخل ذلك الكلوب في شدقه، فهذا سياق مستقيم، وعلى الرِّواية الأولى يحتاج إلى تقدير في الكلام كما لا يخفى على ذوي الأفهام، كما أشرنا إليه فيما قبل.
(حَتَّى يَثْلَغَ قَفَاهُ) من ثلَغ يثلَغ _ بفتح اللام فيهما _ ثلغًا، ومادته ثاء مثلثة ولام وغين معجمة وبالموحدة تصحيف، والثَّلغ الشَّدَخ، وقيل هو ضربك الشَّيء الرَّطب بالشَّيء اليابس حتَّى ينشدخَ.
قال القسطلانيُّ فيشرشرُ شِدقه إلى قفاه، ومنخره إلى قفاه، وعينه إلى قفاه؛ أي يقطعه شقًا، وفي حديث عليٍّ رضي الله عنه (( وإذا أنا بملك وأمامه آدمي وبيد الملك كلوب من حديد فيضعه في شقه الأيمن فيشقه ) ).
(ثُمَّ يَفْعَلُ بِشِدْقِهِ الآخَرِ مِثْلَ ذَلِكَ) أي مثل ما فعل بشدقه الأوَّل (وَيَلْتَئِمُ شِدْقُهُ هَذَا) وفي «التعبير» [خ¦7047] (( فما يفرغ من ذلك الجانب حتَّى يصح ذلك الجانب كما كان ) ) (فَيَعُودُ) ذلك الرَّجل (فَيَصْنَعُ مِثْلَهُ) قال صلى الله عليه وسلم (قُلْتُ) أي للرَّجلين اللذين أتيا بي (مَا هَذَا؟) أي ما حال هذا الرَّجل، وفي رواية أي من هذا الرَّجل (قَالاَ انْطَلِقْ، فَانْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ مُضْطَجِعٍ عَلَى قَفَاهُ، وَرَجُلٌ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِهِ بِفِهْرٍ) بكسر الفاء وسكون الهاء وفي آخره راء، هو الحجر ملأ الكف، وقيل هو الحجر مطلقًا، والجملة حالية.
ج 6 ص 554
(أَوْ صَخْرَةٍ) على الشَّكِّ، وفي «التعبير» (( وإذا آخر قائم عليه بصخرة ) ) [خ¦7047] من غير شك (فَيَشْدَخُ) بفتح الدال المهملة وبالخاء المعجمة، من الشَّدخ وهو كسر الشيء الأجوف تقول شدخت رأسه فانشدخ.
(بِهِ) أي بالفهر، وفي رواية أي بالصَّخرة (رَأْسَهُ) وفي «التعبير» (( وإذا هو يهوي بالصَّخرة لرأسه فيثلغ رأسه ) ) (فَإِذَا ضَرَبَهُ تَدَهْدَهَ الْحَجَرُ) بفتح الدالين المهملتين بينهما هاء ساكنة على وزن تدحرج لفظًا ومعنى، يقال دهدهت الحجر فتدهدهَ، إذا دحرجتَه فتدحرجَ، ويقال دهديته أيضًا بإبدال الياء من الهاء.
وفي حديث عليٍّ رضي الله عنه (( فمررتُ على ملَك وأمامه آدمي، وبيد الملَك صخرة يضربُ بها هامة الآدمي، فيقعُ رأسه جانبًا وتقعُ الصَّخرة جانبًا ) ).
(فَانْطَلَقَ إِلَيْهِ) أي إلى الحجر (لِيَأْخُذَهُ) فيصنع به كما صنعَ (فَلاَ يَرْجِعُ إِلَى هَذَا) الذي شُدِخَ رأسه (حَتَّى يَلْتَئِمَ رَأْسُهُ) وفي «التعبير» (( حتَّى يصحَّ رأسه ) ).
(وَعَادَ رَأْسُهُ كَمَا هُوَ، فَعَادَ إِلَيْهِ فَضَرَبَهُ قُلْتُ) لهما (مَنْ هَذَا؟) فإن قيل لم ذكر في هذا بلفظ «من» وفي أخواتهما بلفظ «ما» ؟
فالجواب أن السُّؤال بـ «من» عن الشَّخص، وبـ «ما» عن حاله وهما متلازمان في المآل، لكن لمَّا كان هذا عبارة عن العالِم بالقرآن ذكره بلفظ «من» الذي للعقلاء، إذ العلم من حيث هو فضيلة وإن لم يكن العمل، بخلاف غيره إذ لا فضيلة لهم كأنَّهم لا عقل لهم، كذا قرَّره الكرماني فليتأمَّل.
(قَالاَ انْطَلِقْ، فَانْطَلَقْنَا إِلَى ثَقْبٍ) بفتح المثلثة وسكون القاف، وفي رواية الكُشميهني بالنون المفتوحة وسكون القاف، وعند الأَصيلي بالنون وفتح القاف، وهو بمعنى ثقب بالمثلثة.
(مِثْلِ التَّنُّورِ) بفتح المثناة الفوقية وبضم النون المشددة وفي آخره راء، وهذه اللَّفظة من الغرائب حيث توافق فيه جميع اللُّغات وهو الذي يخبز فيه.
(أَعْلاَهُ ضَيِّقٌ وَأَسْفَلُهُ وَاسِعٌ، يَتَوَقَّدُ) أي ذلك الثقب (تَحْتَهُ نَارًا) نصب على التمييز؛ كقوله مررت بامرأة تتضوع من أردانها طيبًا؛ أي يتضوَّع طيبها من أردانها، فكأنَّه قال يتوقَّد ناره تحته، قاله ابن مالك.
وقال البدر الدَّماميني وهو صريح في أنَّ «تحته» منصوب لا مرفوع، وقال إنَّه رآه في نسخة بضم التاء، وصحَّح عليها قال وكأنَّ هذا بناء على أنَّ «تحته» فاعل «يتوقَّد» .
ونصوص أهل العربيَّة تأباه، فقد صرَّحوا بأنَّ «فوق» و «تحت» من الظروف المكانية العادمة للتصرُّف انتهى.
وقال ابنُ مالك ويجوز أن يكون فاعل «يتوقَّد» موصولًا بـ «تحته» ، فحذف وبقيت صلته دالَّة عليه؛ لوضوح المعنى، والتَّقدير يتوقَّد الذي تحته أو ما تحته نارًا، وهو مذهب الكوفيين والأخفش، واستصوبه ابن مالك، وفي رواية أبي ذرٍّ وأبي الوقت بالرفع على أنَّه فاعل «يتوقد» .
(فَإِذَا اقْتَرَبَ) بالموحدة، من القرب،
ج 6 ص 555
كذا في رواية أبي ذرٍّ والأَصيليِّ؛ أي إذا قرب الوقود أو الحر، الدال عليه قوله «يتوقَّد» ، وفي رواية القابسيِّ وابن السَّكن وعبدوس بالفاء والتاء المثناة الفوقية، من الفترة، وهو الضَّعف والانكسار، وقد فترَ الحرُّ وغيره يُفْتر فتورًا.
قال ابن التِّين ما علمتُ له وجهان؛ لأنَّ بعده فإذا خمدت رجعوا، ومعنى خمدت وفترت واحد، وفي رواية الكُشميهني بهمزة قطع فقاف فمثناتين بينهما راء، من القَتَرة وهو الغبار، والمعنى التهبتْ وارتفع نارها.
وقال الجوهريُّ قَتَر اللَّحم يقتِر _ بالكسر _، إذا ارتفعَ قُتارها، والقُتار ريح الشِّواء، وقتر _ بالكسر _ لغة فيه. وعند البغوي فإذا أوقدت. وعند الحميديِّ فإذا ارتقتْ من الارتقاء، وهو الصُّعود.
قال الطِّيبي وهو الصَّحيح دراية ورواية.
(ارْتَفَعُوا) جواب «إذا» ، والضَّمير فيه يرجع إلى النَّاس بدَلالة سياق الكلام، ووقع في جمع الحميدي (( ارتقوا ) )من الارتقاء، بمعنى الصُّعود (حَتَّى كَادَ أَنْ يَخْرُجُوا) «أن» مصدرية؛ أي كاد خروجهم، والخبر محذوف؛ أي كاد خروجهم يتحقَّق. وفي رواية ، وفي نسخ «المصابيح» (( حتَّى يكادوا يخرجوا ) )وحقُّه إثبات النون، اللَّهم إلَّا أن يُتمحَّل ويُقدَّر أن يخرجوا تشبيهًا لـ «كاد» بـ «عسى» ثمَّ حذفت «أن» ، وترك على حاله. وفي «التَّوضيح» وروي بإثبات النون.
(فَإِذَا خَمَدَتْ) بفتح الخاء المعجمة والميم؛ أي سكن لهيبها ولم يطفأ حرُّها (رَجَعُوا فِيهَا، وَفِيهَا رِجَالٌ وَنِسَاءٌ عُرَاةٌ، فَقُلْتُ) لهما (مَا هَذَا) وفي رواية (قَالاَ انْطَلِقْ، فَانْطَلَقْنَا، حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى نَهرٍ) بفتح الهاء وسكونها (مِنْ دَمٍ) وفي «التعبير» (( فأتينا على نهر حسبت أنَّه كان يقول أحمر مثل الدَّم ) ) [خ¦7047] .
(فِيهِ) أي في ذلك النَّهر (رَجُلٌ قَائِمٌ، عَلَى) بدون الواو، وفي رواية بالواو (وَسطِ النَّهرِ رَجُلٌ) بفتح السين وسكونها، ويروى بالشين المعجمة وتشديد الطاء، أمَّا التَّعليق عن يزيد فوصله أحمد عنه، وساق الحديث بطوله وفيه (( فإذا نهرٌ من دمٍ فيه رجل، وعلى شطِّ النَّهر رجل ) )، وأمَّا التَّعليق عن وهب بن جرير فوصله أبو عَوَانة في «صحيحه» وفيه (( حتَّى ننتهيَ إلى نهرٍ من دمٍ، ورجل قائم في وسطه، ورجل على شاطئ النَّهر ) ).
(بَيْنَ يَدَيْهِ حِجَارَةٌ، فَأَقْبَلَ الرَّجُلُ الَّذِي فِي النَّهَرِ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ) من النَّهر (رَمَى الرَّجُلَ) الذي بين يديه
ج 6 ص 556
الحجارة، ويروى بالرفع أيضًا، وحينئذٍ يكون ، على صيغة المجهول (بِحَجَرٍ فِي فِيْهِ) أي في فمه.
(فَرَدَّهُ حَيْثُ كَانَ) من النَّهر (فَجَعَلَ كُلَّمَا جَاءَ لِيَخْرُجَ) من النَّهر (رَمَى فِي فِيهِ بِحَجَرٍ، فَيَرْجِعُ كَمَا كَانَ) قال ابن مالك وفيه وقوع خبر «جعل» التي هي من أفعال المقاربة جملة فعليَّة مصدرة بـ «كُلَّما» ، والاستعمال المطرد أن يكون فعلًا مضارعًا تقول جعلت أفعل كذا، وما جاء بخلافه فهو منبه على أصل متروك، وذلك أنَّ سائرَ أفعال المقاربة مثل «كان» في الدُّخول على المبتدأ والخبر.
فالأصل أن يكون خبرها كخبر «كان» في وقوعه مفردًا وجملةً اسميِّة وفعلية وظرفًا، فترك الأصل والتزم أن يكون الخبر مضارعًا، ثمَّ نبَّه على الأصل شذوذًا في مواضع.
(فَقُلْتُ مَا هَذَا؟ قَالاَ انْطَلِقْ، فَانْطَلَقْنَا) وفي رواية سقط لفظة «فانطلقنا» (حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى رَوْضَةٍ خَضْرَاءَ، فِيهَا شَجَرَةٌ عَظِيمَةٌ) زاد في «التعبير» (( فيها من كلِّ لون الربيع ) ) [خ¦7047] (وَفِي أَصْلِهَا شَيْخٌ وَصِبْيَانٌ) وفي «التعبير» (( فإذا بين ظهري الرَّوضة رجل طويل لا أكاد أرى رأسه طولًا في السَّماء، وإذا حوله من أكثر ولدانٍ ما رأيتُهم قط ) ).
(وَإِذَا رَجُلٌ قَرِيبٌ مِنَ الشَّجَرَةِ، بَيْنَ يَدَيْهِ نَارٌ يُوقِدُهَا) وفي «التعبير» (( فانطلقنا فأتينا على رجل كريه المرآة كأكره ما أنت راءٍ رجلًا مرآة، وإذا عنده نار يحشها ويسعى حولها ) ) (فَصَعِدَا) بكسر العين (بِي) بالموحدة (فِي الشَّجَرَةِ) التي هي في الرَّوضة الخضراء (وَأَدْخَلاَنِي) بالنون (دَارًا، لَمْ أَرَ قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهَا، فِيهَا رِجَالٌ شُيُوخٌ، وَشَبَابٌ) وفي رواية بضم المعجمة وتشديد الموحدة وفي آخره نون بدل الموحدة.
(وَنِسَاءٌ وَصِبْيَانٌ، ثُمَّ أَخْرَجَانِي مِنْهَا) أي من الدَّار (فَصَعِدَا بِي الشَّجَرَةَ) أيضًا (وَأَدْخَلاَنِي) ويروى بالفاء (دَارًا، هِيَ أَحْسَنُ وَأَفْضَلُ) من الأولى (فِيهَا شُيُوخٌ وَشَبَابٌ) ويروى أيضًا (فَقُلْتُ) لهما (طَوَّفْتُمَانِي) بفتح الطاء وتشديد الواو، من التَّطويف، يقال طوَّف إذا أكثر الطَّواف، وهو الدَّوران، ويروى هذا اللَّفظ بالنون قبل الياء، وبالموحدة قبلها أيضًا.
(اللَّيْلَةَ، فَأَخْبِرَانِي) بكسر الموحدة (عَمَّا رَأَيْتُ. قَالاَ نَعَمْ) نخبرك، (أَمَّا) الرَّجل (الَّذِي رَأَيْتَهُ يُشَقُّ شِدْقُهُ) بضم الياء وفتح الشين على البناء للمفعول، و «شدقُه» بالرفع نائب عن فاعله (فَكَذَّابٌ، يُحَدِّثُ بِالْكَذْبَةِ) بفتح الكاف
ج 6 ص 557
ويجوز كسرها.
(فَتُحْمَلُ عَنْهُ حَتَّى تَبْلُغَ الآفَاقَ) بتخفيف ميم «تحمل» على صيغة البناء للمفعول، والفاء في قوله «فكذاب» جواب «أمَّا» (فَيُصْنَعُ بِهِ) ما رأيتَ من شقِّ شدقهِ (إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) لما ينشأ من تلك الكذبة من المفاسد.
(وَ) أمَّا (الَّذِي رَأَيْتَهُ يُشْدَخُ رَأْسُهُ) على البناء للمفعول أيضًا (فَرَجُلٌ عَلَّمَهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ فَنَامَ عَنْهُ) أي أعرض عن تلاوته (بِاللَّيْلِ وَلَمْ يَعْمَلْ فِيهِ بِالنَّهَارِ) ظاهره أنَّه يعذّب على ترك تلاوة القرآن باللَّيل، لكن يحتمل أن يكون التَّعذيب على مجموع الأمرين ترك القرآن وترك العمل.
(يُفْعَلُ بِهِ) ما رأيت من الشَّدخ (إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) لأنَّ الإعراض عن القرآن مع حفظه جناية عظيمة؛ لأنَّه يوهم أنَّه رأى فيه ما يُوجب الإعراض عنه، فلمَّا أعرضَ عن أفضل الأشياء عوقب في أشرف أعضائه وهو الرَّأس.
(وَ) أمَّا الفريق (الَّذِي رَأَيْتَهُ فِي الثَّقْبِ) ويروى (فَهُمُ الزُّنَاةُ) جمع زان، وإنَّما قدر قوله «أمَّا الفريق» ؛ لأنَّه قد يستشكل الإخبار عن «الذي» بقوله «هم الزُّناة» ، لاسيما والعائد الذي في قوله «رأيتَه» ، مفرد، فروعي اللَّفظ تارة، والمعنى أخرى، وكذا الحال في تاليه، وأمَّا تقدير «أمَّا» فيه وفي سابقه ولاحقهِ فلمكان الفاء في الخبر، فتدبر.
(وَ) أمَّا الفريق (الَّذِي رَأَيْتَهُ فِي النَّهَرِ آكِلُو الرِّبَا) ترك الفاء هنا تفننًا، وهو جائزٌ كما هو قوله أما القتالُ لا قتال لديكم، ويمكن أن يقالَ لما حذفت «أمَّا» حذف مقتضاها، وكذا الحال في قوله
(وَ) أمَّا (الشَّيْخُ) الكائن (فِي أَصْلِ الشَّجَرَةِ إِبْرَاهِيمُ) الخليل (عَلَيْهِ السَّلاَمُ، وَالصِّبْيَانُ) الكائنون (حَوْلَهُ فَأَوْلاَدُ النَّاسِ) عام يشمل أولاد المؤمنين والكافرين، وهذا هو موضع التَّرجمة، وفي «التعبير» (( وأمَّا الولدان حوله فكلُّ مولود مات على الفطرة قال فقال بعض المسلمين يا رسول الله وأولاد المشركين؟ قال وأولاد المشركين ) )وظاهره أنَّه صلى الله عليه وسلم ألحقهم بأولاد المسلمين في الآخرة، ولا يعارضه قوله «من آبائهم» ؛ لأنَّ ذلك في حكم الدُّنيا.
(وَالَّذِي يُوقِدُ النَّارَ مَالِكٌ خَازِنُ النَّارِ، وَالدَّارُ الأُولَى الَّتِي دَخَلْتَ) فيها (دَارُ عَامَّةِ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَمَّا هَذِهِ الدَّارُ فَدَارُ الشُّهَدَاءِ) وهذا يدلُّ على أنَّ منازل الشُّهداء أرفع
ج 6 ص 558
من منازل عامَّة المؤمنين، ولا يلزم منه أن يكونوا أرفع درجة من الخليل عليه الصَّلاة والسَّلام؛ لاحتمال أن تكون إقامته في أصل الشَّجرة بسبب كفالته الولدان، ومنزلته في الجنَّة أعلى من منازل الشُّهداء بلا ريب.
كما أنَّ آدم عليه الصَّلاة والسَّلام في السَّماء الدُّنيا؛ لكونه يرى نَسَم بنيه من أهل الخير ومن أهل الشرِّ، فيضحك ويبكي مع أنَّ منزلته في عليين، فإذا كان يوم القيامة استقرَّ كل منهم في منزلته.
وفيه إشارة إلى أنَّ الأصل في الملَّة ومن بعده من الموحِّدين فهو تابع له، يصعدون بتبعيته في الملَّة شجرة الإسلام ويدخلون الجنَّة بفضل الله سبحانه.
ثمَّ إنَّه اكتفى في دار الشُّهداء بذكر الشيوخ والشباب، ولم يذكر النِّساء والصبيان؛ لأنَّ الغالب أنَّ الشَّهيد لا يكون إلَّا شيخًا أو شابًّا لا امرأة أو صبيًا.
(وَأَنَا جِبْرِيلُ، وَهَذَا مِيكَائِيلُ، فَارْفَعْ رَأْسَكَ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَإِذَا فَوْقِي مِثْلُ السَّحَابِ، قَالاَ ذَاكَ) وفي رواية باللام (مَنْزِلُكَ، قُلْتُ دَعَانِي) أي اتركاني وهو خطاب للملَكَين (أَدْخُلْ) مجزوم بالأمر (مَنْزِلِي، قَالاَ إِنَّهُ بَقِيَ لَكَ عُمْرٌ لَمْ تَسْتَكْمِلْهُ، فَلَوِ اسْتَكْمَلْتَ) أي عمرك، وفي رواية (أَتَيْتَ مَنْزِلَكَ) فإن قيل مناسبة التعبير للرُّؤيا ظاهرة إلا في الزُّناة فما هي؟
فالجواب أنَّها من جهة أنَّ العري فضيحة كالزِّنا، ثمَّ إنَّ الزَّاني يطلب الخلوة كالتنور، ولا شكَّ أنَّه خائف حذر وقت الزِّنا كأنَّ تحته النَّار ونحوه.
وفي الحديث الاهتمام بأمر الرُّؤيا، واستحباب السُّؤال عنها وذكرها بعد الصَّلاة. وفيه التَّحذير عن الكذب، والرِّواية بغير الحق.
وفيه التَّحذير عن ترك قراءة القرآن والعمل به. وفيه التَّغليظ على الزنا والربا.
وفيه سعادة صبيان الخلق كلهم وتفضيل الشُّهداء على غيرهم، ووجه الضَّبط في الأمور المذكورة أنَّ الحال لا يخلو من الثَّواب والعذاب، فالعذاب إمَّا على ما يتعلق بالقول أو بالفعل، والأوَّل إمَّا على وجود قول لا ينبغي أو على عدم قول ينبغي، والثَّاني إمَّا بدني وهو الزنا ونحوه أو مالي وهو الربا ونحوه، والثَّواب إما لرسول الله صلى الله عليه وسلم ودرجته فوق الكل مثل السَّحابة، وإمَّا للأمة وهي ثلاث درجات الأولى للصبيان، والأوسط للعامَّة، والأعلى للشُّهداء.
وفي الحديث
ج 6 ص 559
أيضًا فضل تعبير الرؤيا. وفيه أنَّ من قدَّم خيرًا وجده يوم القيامة لقوله (( أتيت منزلك ) ). وفيه استحباب إقبال الإمام بعد سلامه على أصحابه.
وفيه مبادرة المعبِّر إلى تعبير الرُّؤيا أوَّل النَّهار قبل أن يتشعَّب ذهنه باشتغاله في معاشه في الدُّنيا، ولأنَّ عهد الرائي قريب ولم يطرأ عليه ما يشوشها، ولأنه قد يكون فيها ما يستحبُّ تعجيله على خير والتَّحذير عن معصية.
وفيه إباحة الكلام في العلم في المسجد. وفيه أن استدبار القبلة في الجلوس للعلم أو غيره جائز، والله أعلم.