فهرس الكتاب

الصفحة 2205 من 11127

1399 - 1400 - (حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ) بفتح الحاء المهملة والكاف، البهراني الحِمْصي قال (أَخْبَرَنَا شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ) بالحاء المهملة والزاي المعجمة، الأَمَوي مولاهم، الحِمْصي.

(عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم بن شهاب، قال (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ)

ج 7 ص 17

المدني (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ لَمَّا تُوُفِي) على البناء للمفعول (رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يوم الاثنين لثنتي عشرة ليلة من ربيع الأوَّل من سنة إحدى عشرة من الهجرة، ودُفن ليلة الأربعاء، وفيه أقوال أُخر.

(وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) خليفته بعده، وفي رواية أبي داود (( واستخلف أبو بكر بعده ) ) (وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنَ الْعَرَبِ) فَصِنْفٌ منهم ارتدُّوا عن الدِّين ونابذوا الملَّة، وعادوا إلى كُفْرهم، ثمَّ إنَّهم فِرَقٌ فرقةٌ كفروا بعبادة الأوثان، وفرقةٌ رجعوا إلى اتِّباع مُسيلمة والأسود العنسي المتنبِّئين، فهي منكرة لنبوَّة سيدنا محمَّد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مدَّعية لنبوَّة غيره، فقاتلهم أبو بكر رضي الله عنه حتَّى قتل مسيلمة باليمامة والعنسي بالصَّنعاء، وانقضت جموعهم وهلك أكثرهم، وفرقة أنكروا الشَّرائع وتركوا الصَّلاة والزَّكاة وغيرها من أمور الدِّين، وعادوا إلى ما كانوا عليه في الجاهلية، فلم يكن مسجد لله في بَسِيطِ الأرض إلَّا ثلاثة مساجد مسجد مكَّة، ومسجد المدينة، ومسجد عبد القيس في البحرين في قرية يقال لها جُوَاثَى.

وصنف فرَّقوا بين الصَّلاة والزَّكاة فأقرُّوا بالصَّلاة، وأنكروا فرض الزَّكاة ووجوب أدائها إلى الإمام، وهؤلاء على الحقيقة أهل بغي، وإنَّما لم يُدْعَو بهذا الاسم في ذلك الزَّمان تغليظًا عليها، وتغليبًا لدخولهم في غمار أهل الرِّدَّة، فأُضيف الاسم إلى الأكثرين وأرخ قتال أهل البغي في زمن عليِّ بن أبي طالب رضي الله عنه، إذ كانوا منفردين في زمانة لم يختلطوا بأهل الشِّرك.

وقد كان في ضمن هؤلاء المانعين للزَّكاة مَن كان يسمح بالزَّكاة ولا يمنعها، إلَّا أنَّ رؤساؤهم صدُّوهم عن ذلك، وقبضوا على أيديهم في ذلك كبني يربوع، فإنَّهم قد جمعوا صدقاتهم، وأرادوا أن يبعثوا بها إلى أبي بكر رضي الله عنه، فمنعهم مالك بن نويرة من ذلك وفرَّقها فيهم.

فإن قيل لو كان منكِرُ الزَّكاة باغيًا لا كافرًا لكان في زماننا أيضًا كذلك لكنَّه كافرٌ بالإجماع.

فالجواب أنَّهم عُذروا فيما جرى منهم؛ لقُرْبِ العهد بزمان الشَّريعة الَّذي كان يقع فيه نسخ، ولوقوع الفترة بموت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وكان القوم جُهَّالًا بأمور الدِّين قد أضلَّتهم الشُّبهة، أمَّا اليوم فقد شاع أمر الدِّين، واستفاض العلم بوجوب الزَّكاة حتَّى عرفه الخاصُّ والعامُّ، فلا يُعذر أحد فكان سبيلها سبيل

ج 7 ص 18

الصَّلوات الخمس ونحوها.

فإن قيل إنَّ هذا الحديث مشكل؛ لأنَّ أوَّل القصَّة دلَّ على كفرهم، والتَّفريق بين الصَّلاة والزَّكاة يوجب أن يكونوا ثابتين على الدِّين مقيمين للصَّلاة.

فالجواب ما أُشير إليه آنفًا من أنَّهم في الحقيقة أهل البغي، وإنَّما أُطلق عليهم الكفر تغليظًا عليهم وتغليبًا للكافرين عليهم.

ثمَّ إنَّ هذه الفرقة كانوا مُؤَولِّين في منع الزَّكاة مُحتجِّين بقوله تعالى {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ} [التوبة 103] فإنَّ التَّطهير ونحوه معدوم في غيره صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وكذا صلاة غيره ليست سكنًا لهم، ومثل هذه الشُّبهة توجب العُذر لهم والوقوف عن قِتالهم.

فالجواب أنَّ الخطاب في كتاب الله تعالى على ثلاثة أقسام خطابٌ عامٌّ؛ كقوله تعالى {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ} [المائدة 6] وخطابٌ خاص بالرَّسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ كقوله تعالى {فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ} [الإسراء 79] حيث قطع التَّشريك بقوله {نَافِلَةْ لَك} . وخطاب مواجهة للنَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهو وجميع أمَّته في المراد منه سواء؛ كقوله تعالى {أَقِمِ الصَّلَاةَ} [لقمان 17] فعلى القائم بعده بأمر الأمَّة أن يحتذى حذوه في أخذها منهم.

وأمَّا التَّطهير والتَّزكية والدُّعاء من الإمام لصاحبها، فإنَّ الفاعل قد ينال ذلك كلَّه بطاعة الله تعالى ورسوله فيها، وكل ثواب موعود على عملٍ كان في زمنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فإنَّه باقٍ غير منقطع.

ويستحبُّ للإمام أن يدعو للمتصدِّق ويُرجى أن يستجيبَ الله ذلك، ولا يُخيِّب مسألته، ثمَّ إنَّ مناظرة عمر رضي الله عنه مع أبي بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه كانت في هذه الفرقة.

(فَقَالَ عُمَرُ) بن الخطَّاب رضي الله عنه (لِأَبِي بَكْرٍ) رضي الله عنه (كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ) وفي حديث أنس رضي الله عنه (( أتريد أن تقاتل العرب ) )أي الفرقة الَّذين فرَّقوا بين الصَّلاة والزَّكاة، والحال أنَّهم يقولون لا إله إلا الله.

(وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمِرْتُ) بضم الهمزة على البناء للمفعول؛ أي أمرني الله (أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ) قال الطِّيبي أراد بالنَّاس عبَدة الأوثان دون أهل الكتاب؛ لأنَّهم يقولون لا إله إلا الله، ثمَّ لا يرفع عنهم السَّيف حتَّى يُقرُّوا بنبوَّة محمَّد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أو يعطوا الجزية، هذا، والظَّاهر الَّذي يذاق من لفظ «النَّاس» العموم والاستغراق؛ فإنَّ في حديث ابن عمر رضي الله عنهما زيادةً «وأنَّ محمَّدًا رسول الله، ويقيموا الصَّلاة ويؤتوا الزَّكاة» .

ج 7 ص 19

وفي رواية العلاء بن عبد الرَّحمن (( حتَّى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بما جئت به ) )، وهذا يعمُّ الشَّريعة كلَّها.

ومقتضاه أنَّ من جحد شيئًا ممَّا جاء به صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ودعا إليه فامتنع، ونصب القتال تجب مقاتلته وقتله إذا أصرَّ، فهذا من عمر رضي الله عنه كان تعلُّقًا بظاهر الكلام، وأوَّله قبل أن ينظر في آخره ويتأمَّل شرائطه، ولم يستحضر أيضًا ما رواه غيره، وإلَّا لم يعترض على أبي بكر رضي الله عنه في ذلك، وكذا لم يستحضره أبو بكر رضي الله عنه وإلَّا لردَّ به على عمر رضي الله عنه، ولم يحتج إلى الاحتجاج بعموم قوله «إلَّا بحقَّه» إلا أنَّه يحتمل أن يكون استحضره واستظهر بهذا الدَّليل.

ويحتمل كما قال الطِّيبي أن يكون عمر رضي الله عنه ظنَّ أنَّ المقاتلة إنَّما كانت لكفرهم لا لمنعهم الزَّكاة، فاستشهد بالحديث، وأجابه الصِّدِّيق رضي الله عنه بأنِّي ما أُقاتلهم لكفرهم، بل لمنعهم الزَّكاة، والله أعلم.

(فَمَنْ قَالَهَا) أي كلمة التَّوحيد مع لوازمها (فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ) فلا يجوز إهدار دمه ولا استباحة ماله بسببٍ من الأسباب (إِلاَّ بِحَقِّهِ) أي إلَّا بحقِّ الإسلام مِن قتل النَّفس المحرَّمة، وترك الصَّلاة مع الجحد، ومنع الزَّكاة بتأويل باطل وغير ذلك.

(وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ) وفي رواية (( وحسابهم على الله ) )أي فيما يسرُّون به من الكفر والمعاصي، والمعنى إنَّا نحكم عليهم بالإسلام، ونؤاخذهم بحقوق الإيمان بحسب ما يقتضيه ظاهرُ حالهم، والله تعالى يتولَّى سرائرهم وحسابهم؛ فيُثيب المؤمن المخلص ويعاقب المنافق. فاحتجَّ عمر رضي الله عنه بظاهر ما استحضره، وممَّا رواه من قبل أن ينظر إلى قوله «إلَّا بحقه» .

(فَقَالَ) له أبو بكر رضي الله عنه (وَاللَّهِ لأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ) روى بالتَّخفيف والتشديد (بَيْنَ الصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ) أي مَن أطاع في الصَّلاة وجحد الزَّكاة أو منعها متأولًا.

(فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ) كما أنَّ الصَّلاة حقُّ البدن؛ أي فدخلت في قوله «إلَّا بحقِّه» ، يعني أنَّ القضية تضمَّنت عصمة دمٍ ومال متعلِّقة بإيفاء شرائطها، والحكم المعلَّق بالشَّرطين لا يحصل بأحدهما، ثمَّ قاسه على الصَّلاة، لأنَّ قتال الممتنع من الصَّلاة كان إجماعًا من الصَّحابة رضي الله عنهم، ولذلك ردَّ المختلف فيه على المتَّفق عليه، فاجتمع في هذه القضيَّة الاحتجاج من عمر رضي الله عنه بالعموم، ومن أبي بكر رضي الله عنه بالقياس، فدلَّ ذلك على أنَّ العموم يخصُّ بالقياس، مع أنَّ هذه الرِّواية مختصرة من الرِّوايات المصرِّحة بالزَّكاة كما تقدَّم.

ج 7 ص 20

وإنَّما خصَّ الصلاة والزكاة بالذِّكر والمقاتلة عليهما بحقِّ الإسلام؛ لأنَّ حقَّ الإسلام إمَّا العبادات البدنيَّة، وإمَّا الماليَّة، والصَّلاة أم الأوَّل، والزَّكاة أم الثَّانية فمن وفَّاهما فقد وفَّى غيرهما إذ هما المعيار على غيرهما. وأيضًا سمى الصَّلاة عماد الدِّين، والزَّكاة قنطرة الإسلام، وأكثر الله سبحانه وتعالى ذكرهما متقارنتين في القرآن.

(وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا) بفتح العين المهملة، الأنثى من أولاد المعز، وفي رواية مسلم وأبي داود والبخاري في رواية أخرى [خ¦7284] (( عقالًا ) ).

واختلف العلماء فيه قديمًا وحديثًا، فذهب جماعةٌ منهم إلى أنَّ المراد بالعِقال زكاة عام، وهو معروف في اللُّغة، وهذا قول الكسائي، والنَّضر بن شميل، وأبي عُبيد والمبرِّد وغيرهم من أهل اللُّغة، وهو قول جماعة من الفقهاء قالوا لأنَّ العقال الَّذي هو الحبل الذي يعقل به البعير لا يجب دفعه في الزَّكاة، فلا يجوز القتال عليه فلا يصحُّ حمل الحديث عليه.

وذهب كثيرون من المحقِّقين إلى أنَّ المراد بالعقال الحبل الَّذي يعقل به البعير، وهذا القول محكيٌّ عن مالك وابن أبي ذئب وغيرهما، وهو مأخوذٌ مع الفريضة؛ لأنَّ على صاحبها التَّسليم.

وإنَّما يقع قبضها برباطها، وقيل معنى وجوب الزَّكاة فيه أنَّه إذا كان من عروض التِّجارة فبلغ مع غيره قيمة النِّصاب، وقيل أراد به الشَّيء التَّافه الحقير فضرب العقال مثلًا له. وقيل كان من عادة المصدِّق إذا أخذ الصَّدقة أن يعمد إلى قَرَن، بفتح القاف والراء، وهو الحبل الَّذي يقرن به بين بعيرين؛ لئلَّا يشرد الإبل فيُسَمَّى عند ذلك القران فكلُّ قرينتين منها عقال.

وفي «المحكم» العقال القلوص الفتيَّة، وروى ابن القاسم وابن وهب عن مالك العقال القلوص. وقال النَّضر بن شميل إذا بلغت الإبل خمسًا وعشرين وجبت فيها بنت مخاضٍ من جنس الإبل؛ فهو العقال.

وقال أبو سعيد الضَّرير كلُّ ما أُخذ من الأموال في الصَّدقة من الإبل والغنم والثِّمار من العشر ونصف العشر يُقال له عقال؛ لأنَّ المؤدِّي عَقَل به عنه طِلْبةَ السُّلطان، وعقل عنه الإثم الَّذي يطلُبُه الله تعالى به.

(كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهَا. قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فَوَاللَّهِ مَا هُوَ) أي ما هذا القول من أبي بكر رضي الله عنه (إِلاَّ أَنْ قَدْ) وفي رواية سقط لفظ (شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) أي فتحه ووسَّعه لقتالهم (فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَقُّ) فلمَّا استقرَّ عنده صحَّة رأي أبي بكر رضي الله عنه،

ج 7 ص 21

وبان عنده كونه صوابًا تابعه على القتال.

وقال عرفت أنَّه الحقُّ بالدَّليل الذي أقامه الصِّدِّيق نصًّا ودلالة وقياسًا لا أنَّه قلَّده في ذلك، لأنَّ المجتهد لا يقلِّد مجتهدًا.

وذكر البغوي والطَّبري وابن شاهين والحاكم في «الإكليل» من رواية حكيم بن حكيم بن عبَّاد بن حنيف، عن فاطمة بنت خُشَّافٍ السَّلمية، عن عبد الرَّحمن الظَّفري، وكانت له صحبة قال بعث رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى رجل من أشجع أن يؤخذ منه صدقته فأبى أن يعطيها، فردَّه إليه الثَّانية فأبى، ثمَّ ردَّه إليه الثَّالثة وقال (( إن أبى فاضرب عنقه ) )اللَّفظ للطَّبري.

قال عبد الرَّحمن بن عبد العزيز أحد رواة الحديث فقلت لحكيم بن حكيم ما أرى أبا بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه قاتل أهل الرِّدَّة إلَّا على هذا الحديث قال أجل.

وخَشَّاف ضبطه ابن الأثير، بفتح المعجمة وتشديد الشين المعجمة وآخره فاء، وفي الحديث فضيلةُ أبي بكر رضي الله عنه. وفيه جواز القياس والعمل به. وفيه جوازُ الحلف وإن كان في غير مجلس الحكم. وفيه اجتهاد الأئمَّة في النَّوازل. وفيه مناظرة أهل العلم والرُّجوع إلى قول صاحبه إذا كان هو الحق. وفيه أيضًا أنَّ حول النِّتاج حول الأمَّهات، وإلَّا لم يجز أخذ العَنَاق، وهذا هو مذهب الشَّافعية.

قال النَّووي إذا حال حول الأمَّهات زَكَّى السِّخال الصِّغار بحول الأمَّهات، سواء بقي من الأمَّهات شيء أم لا، وهذا هو الصَّحيح المشهور. وقال أبو القاسم الأنماطيُّ من أصحابنا لا يُزَكَّى الأولادُ بحول الأمَّهات، إلَّا أن يبقى من الأمَّهات نصاب. وقال بعضُ أصحابنا إلَّا أن يبقى من الأمَّهات شيء. انتهى.

والصَّحيح المشهور هو قول أبي يوسف أيضًا من أصحابنا الحنفيَّة، وعند أبي حنيفة ومحمَّد رحمهما الله لا تجب الزَّكاة في المسألة المذكورة، وحَمَلَا الحديث على المبالغة أو على الفَرْض والتَّقدير. وفيه أيضًا أنَّ من أظهر الإسلام وأسرَّ الكفر يُقْبَلُ إسلامُه في الظَّاهر، وهذا قول أكثر العلماء. وذهب مالك إلى أنَّ توبة الزِّنديق لا تُقْبل. ويُحكى ذلك أيضًا عن أحمد.

وقال النَّووي اختلف أصحابنا في قبول توبة الزِّنديق وهو الَّذي يُنْكِرُ الشَّرعَ جملةً، فذكروا فيه خمسة أوجه لأصحابنا

أصحُّها والأصوب منها قبوله مطلقًا للأحاديث الصَّحيحة المطلقة.

الثَّاني لا تُقْبل ويَتَحتَّم قتله، لكنَّه إن صدق في توبته نفعه ذلك في الدَّار الآخرة، وكان من أهل الجنَّة.

ج 7 ص 22

والثَّالث أنَّه إن تاب مرَّة واحدةً قُبلت توبته، فإن تكرَّر ذلك منه لم تُقْبَل.

والرَّابع إنْ أَسْلَمَ ابتداء من غير طلب قُبلت، وإن كانت تحت السَّيف لم تُقبل.

والخامس إن كان داعيًا إلى الضَّلال لم تُقبل منه، وإلَّا قبلت، وعندنا معاشر الحنفيَّة تُقْبَلُ توبةُ الزِّنديق. وعن أبي حنيفة رحمه الله إذا أوتيت بزنديقٍ استتبته، فإن تاب قُبلت توبته.

وفي رواية عن أصحابنا لا تقبل توبته، وفيه أنَّ الرِّدَّة لا تُسقط الزَّكاة عن المرتدِّ إذا وجبت في ماله. قاله في «التَّوضيح» .

ثمَّ الحديث أخرجه المؤلف في استتابة المرتدِّين [خ¦6925] ، وفي الاعتصام أيضًا [خ¦7284] . وأخرجه مسلم في الإيمان، وكذا التِّرمذي، وأخرجه النَّسائي فيه، وفي المحاربة، والله أعلم.

فائدة قد اختلف في أوَّل وقتِ فرض الزَّكاة، فذهب الأكثر إلى أنَّه وقع بعد الهجرة، فقيل كان في السَّنة الثَّانية قبل فرض رمضان أشار إليه النَّووي في باب السَّير من «الرَّوضة» . وجزم ابن الأثير في «التاريخ» بأنَّ ذلك كان في التَّاسعة، وفيه نظر.

وقد تقدَّم في حديث ضِمَام بن ثعلبة [خ¦46] ، وكان قدومه سنة خمسٍ، وفي حديث وفد عبد القيس [خ¦53] ، وفي عدَّة أحاديث ذِكْرُ الزَّكاة [خ¦87] [خ¦523] ، وكذا مخاطبة أبي سُفيان مع هرقل [خ¦7] وكانت في أوَّل السَّابعة، وقال فيها «يأمرنا بالزَّكاة» ولكن لا يلزم منه أن يكون المراد بالزَّكاة الزَّكاة المخصوصة ذات النِّصاب والحول. وادَّعى ابن خزيمة في «صحيحه» أنَّ فرضها كان قبل الهجرة، والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت