فهرس الكتاب

الصفحة 2215 من 11127

1407 - 1408 - (حَدَّثَنَا عَيَّاشٌ) بتشديد المثناة التحتية وبالمعجمة، هو ابن الوليد الرقام، وقد مرَّ في كتاب الغسل في باب الجنب يخرج [خ¦285] ، قال (حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى) هو ابن عبد الأعلى أبو محمَّد السَّامي بالمهملة، قال (حَدَّثَنَا الْجُرَيْرِيُّ) بضم الجيم وفتح الراء، سعيد بن إياس، وقد مرَّ في باب كم بين الأذان والإقامة [خ¦624] .

(عَنْ أَبِي الْعَلاَءِ) بفتح العين وبالمد، يزيد من الزِّيادة ابن عبد الله الشخِّير المغافري (عَنِ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ) بفتح الهمزة وسكون الحاء المهملة وفتح النون وفي آخره فاء (قَالَ جَلَسْتُ) قال البخاري رحمه الله

(وَحَدَّثَنِي) بالإفراد (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) ابن بهرام، أبو يعقوب الكوسج المروزي، قال (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ) هو ابن عبد الوارث (قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبِي) عبد الوارث بن سعيد بن ذكوان العنبري التَّميمي، قال

(حَدَّثَنَا الْجُرَيْرِيُّ) قال (حَدَّثَنَا أَبُو الْعَلاَءِ بْنُ الشِّخِّيرِ) بكسر الشين والخاء المعجمتين (أَنَّ الأَحْنَفَ بْنَ قَيْسٍ حَدَّثَهُمْ) إنَّما أردف المؤلِّف الإسناد السَّابق بهذا الإسناد، وإن كان أنزلَ منه لتصريح عبد الصَّمد بتحديث أبي العلاء الجريري والأحنف لأبي العلاء.

(قَالَ) أي الأحنف (جَلَسْتُ إِلَى مَلَإٍ) أي انتهى جلوسي إلى جماعةٍ (مِنْ قُرَيْشٍ) وفي رواية مسلم والإسماعيلي من طريقِ إسماعيل بن عليَّة، عن الجريري (( قدمت المدينة فبينما أنا في حلقةٍ من قريش ) ).

(فَجَاءَ رَجُلٌ خَشِنُ الشَّعَرِ) بفتح الخاء المعجمة وكسر الشين المعجمة، من الخشونة. هكذا في رواية الأكثر، وفي رواية القابسي (( حسن الشعر ) )بالمهملتين، من الحسن والأوَّل أصح، وهو اللَّائق بمذهب أبي ذرٍّ وطريقته (وَالثِّيَابِ وَالْهَيْئَةِ) ووقع

ج 7 ص 43

في رواية مسلم (( خَشِن الثِّياب خَشِن الجسد خَشِن الوجه ) ).

وعند ابن الحذاء في الآخير خاصَّة «حسن الوجه» من الحسن ضدُّ القبح. وفي رواية يعقوب بن سُفيان من طريق حميد بن هلال، عن الأحنف قدمت المدينة فدَخلت مسجدها إذ دخلَ رجل آدم طوال أبيض الرَّأس واللِّحية يشبه بعضه بعضًا فقالا هذا أبو ذرٍّ.

(حَتَّى قَامَ) أي وقف (عَلَيْهِمْ، فَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ بَشِّرِ الْكَانِزِينَ) الَّذين يكنزون الذَّهب والفضَّة. وفي رواية الإسماعيلي (( بشر الكنَّازين ) )بتشديد النون، جمع كنَّاز، مبالغة كانز.

وقال ابن قُرقول وعند الطِّبري والهروي الكاثرين، بالمثلثة والراء، من الكثرة، والمشهور هو الأول.

(بِرَضْفٍ) بفتح الراء وسكون الضاد المعجمة وفي آخره فاء، هي الحجارة المُحْمَاة واحدها رضفة (يُحْمَى عَلَيْهِ) أي على الرَّضف، وفي رواية (فِي نَارِ جَهَنَّمَ) هو اسم أعجميٌّ لا ينصرف للعجمة والعلميَّة أو عربي فعدم انصرافه للعلميَّة والتَّأنيث، سمِّيت به لبعد قعرها جدًا، قال قطرب يقال بئر جِهِنَّام؛ أي بعيدة القَعْر.

وقال الواحدي قال بعض أهل اللُّغة هي مشتقَّة من الجهومة وهي الغلظ يقال جهيم الوجه؛ أي غليظه فسمِّيت جهنَّم؛ لغلظ أمرها في العذاب.

(ثُمَّ يُوضَعُ) أي الرَّضف (عَلَى حَلَمَةِ ثَدْيِ أَحَدِهِمْ) الحلَمة، بفتح اللام، ما نَشَزَ من الثَّدي وطال، ويقال لها قُراَد الصَّدر، وفي «المحكم» حلمتا الثَّديين طرفاهما.

وعن الأصمعي هي رأس الثَّدي من المرأة والرَّجل، وفي هذا الحديث استعمال الثَّدي للرَّجل وهو الصَّحيح. وقال العسكري في «الفصيح» لا يقال ثدي إلَّا للمرأة، ويقال في الرجل ثَنْدُوة، والثَّدي يُذكَّر ويؤنَّث.

(حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ نُغْضِ كَتِفِهِ) بضم النون وسكون الغين المعجمة آخره ضاد معجمة، وهو العظم الرَّقيق الذي على طرف الكتف، ويسمى الغضروف أيضًا. وقيل هو أعلى الكتف، ويقال له أيضًا النَّاغض، وأصل النُّغض الحركة فسمِّي به الشَّاخص من الكتف؛ لأنَّه يتحرك من الإنسان في مشيه وتصرُّفه.

(وَيُوضَعُ عَلَى نُغْضِ كَتِفِهِ) بالإفراد في كلا الموضعين (حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ حَلَمَةِ ثَدْيِهِ، يَتَزَلْزَلُ) أي يتحرَّك ويضطَّرب ذلك الرضَّف. وفي رواية الإسماعيلي (( فيتجلجل ) )بجيمين، وهو بمعنى الأوَّل. وفي بعض النُّسخ بالتثنية

ج 7 ص 44

في الثاني، والإفراد في الأول.

وزاد الإسماعيلي في هذه الرِّواية (( فوضع القوم رؤوسهم، فما رأيت أحدًا منهم رَجَع إليه شيئًا قال فأدبر فاتَّبعته حتَّى رجع إلى سارية ) ).

(ثُمَّ وَلَّى) أي أدبر (فَجَلَسَ إِلَى سَارِيَةٍ) أي أسطوانة (وَتَبِعْتُهُ وَجَلَسْتُ إِلَيْهِ وَأَنَا لاَ أَدْرِي مَنْ هُوَ، فَقُلْتُ لَهُ لاَ أُرَى) بضم الهمزة؛ أي لا أظنُّ (الْقَوْمَ إِلاَّ قَدْ كَرِهُوا الَّذِي قُلْتَ) بالخطاب لأبي ذرٍّ رضي الله عنه.

وفي رواية مسلم من طريق خُليد العصري، عن الأحنف فقلت مَن هذا، قالوا هذا أبو ذرٍّ فقمتُ إليه، فقلت ما شيء سمعتُك تقوله، قال ما قلت إلَّا شيئًا سمعته من نَّبيهم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وفي هذه الرِّواية ردٌّ لقول من قال إنَّه موقوف على أبي ذرٍّ فلا يكون حجَّةً على غيره.

وفي «مسند أحمد» من طريق يزيد الباهلي عن الأحنف «كنت بالمدينة، فإذا أنا برجلٍ يفرُّ منه الناس حين يرونه، قلت من أنت؟ قال أبو ذرٍّ، قلت ما يفرُّ الناس منك؟ قال إنِّي أنهاهُم عن الكنوز التي ينهاهم عنها رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» .

(قَالَ) أبو ذرٍّ رضي الله عنه (إِنَّهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئًا) فسَّره بقوله الآتي إنَّما يجمعون الدُّنيا؛ أي فالذين يجمعون الدُّنيا لا يفهمون كلام مَن ينهاهم عن الكنوز.

(قَالَ لِي خَلِيلِي قَالَ) أي الأحنف (قُلْتُ مَنْ) وفي روايةٍ بالواو (خَلِيلُكَ) وفي نسخةٍ زيادة (قَالَ) أبو ذرٍّ هو (النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وقوله (يَا أَبَا ذَرٍّ، أَتُبْصِرُ أُحُدًا) مقول (قال لي خليلي) ، وأُحد هو الجبل المشهور، وحينئذٍ يستقيم الكلام بلا احتياجٍ إلى تقدير.

وقال الحافظ العسقلاني سقط من الكتاب قوله قال النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أو السَّاقط قال فقط، وكأنَّ بعض الرُّواة ظنَّها مكرَّرة فحذفها، ولا بدَّ من إثباتها. انتهى.

(قَالَ فَنَظَرْتُ إِلَى الشَّمْسِ مَا بَقِيَ مِنَ النَّهَارِ) أي أيُّ شيء بقي من النَّهار؛ أي فنظرت إلى الشَّمس أتعرَّف القدر الذي بقي من النَّهار (وَأَنَا أُرَى) بضم الهمزة؛ أي أظنُّ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُرْسِلُنِي فِي حَاجَةٍ لَهُ، قُلْتُ نَعَمْ) جوابٌ لقوله أتبصر أحدًا.

(قَالَ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي مِثْلَ أُحُدٍ) مثل بالنصب إمَّا اسم لأنَّ، وإمَّا حال مقدمة على ذي الحال وقوله (ذَهَبًا) على الأوَّل تمييز، وعلى الثاني اسمُ أنَّ (أُنْفِقُهُ كُلَّهُ) أي كلَّ مثل أحد ذهبًا (إِلاَّ ثَلاَثَةَ دَنَانِيرَ) قال القرطبي الدَّنانير الثَّلاثة واحد لأهله، وآخر لعتق رقبة، وآخر لِدَينٍ.

وقال الكِرماني يحتمل أنَّ هذا المقدار كان دَينًا أو مقدار كفاية إخراجات تلك اللَّيلة له صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،

ج 7 ص 45

وهذا محمول على أنَّ جمع المال وإن كان مباحًا لكنَّ الجامع مسؤولٌ عنه، وفي المحاسبة خطر فكان التَّرك أسلم، وما ورد من التَّرغيب في تحصيله وإنفاقه في حقِّه فمحمولٌ على مَن وثق بأنَّه يجمعه من الحلال الَّذي يأمن معه من خطر المحاسبة عليه، فإنه إذا أنفقه حصل له ثواب ذلك النَّفع المتعدِّي، ولا يتأتَّى ذلك لمن كان بخلافه، أو المراد من الإنفاق إنفاقه لخاصَّة نفسه، وإلَّا فالإنفاق في سبيل الله مُستحسن، والله أعلم.

وإنَّما أورده أبو ذرٍّ رضي الله عنه للأحنف؛ لتقوية ما ذهب إليه من ذمِّ اكتناز الأموال.

(وَإِنَّ هَؤُلاَءِ لاَ يَعْقِلُونَ) عطفٌ على قوله إنَّهم لا يعقلون شيئًا، وليس من تتمَّة كلام الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بل هو من كلام أبي ذرٍّ، وكرَّره للتَّأكيد ولربط ما بعده عليه؛ أعني قوله (إِنَّمَا يَجْمَعُونَ الدُّنْيَا) فإنَّه بيانٌ لعدم عقلهم (لاَ وَاللَّهِ) وفي رواية بالواو (لاَ أَسْأَلُهُمْ دُنْيَا) أي لا أطمع في دنياهم ولا أسألهم شيئًا من متاعِها، بل أقنعُ بالقليل وأرضى باليسير، وفي رواية مسلم (( لا أسألهم عن دنيا ) ).

قال النَّووي الأجود حذف عن، كما في رواية البخاري، وفي رواية الإسماعيلي (( قلت مالك ولإخوانك من قريشٍ لا تعتريهم ولا تصيب منهم، قال وربك لا أسألهم دنيا ... إلى آخره ) ). وقوله لا تعتريهم؛ أي لا تأتيهم ولا تطلب منهم شيئًا.

(وَلاَ أَسْتَفْتِيهِمْ عَنْ دِينٍ) اكتفاءً بما سمعته من رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من العلم (حَتَّى أَلْقَى اللَّهَ) عزَّ وجلَّ.

وفي الحديث زهد أبي ذرٍّ رضي الله عنه، وكان من مذهبه أنَّه يحرم على الإنسان ادِّخار ما زاد على حاجته، وأنَّه ذهب إلى ما يقتضيه ظاهر قوله تعالى {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ} الآية [التوبة 34] ؛ إذ الكنز في اللُّغة المال المدفون سواء أُدِّيتْ زكاتهُ أو لا، وفي قوله إنَّما يجمعون الدُّنيا، دلالةٌ على أنَّ الكنز عنده جمع المال.

وفيه وعيدٌ شديدٌ لمن لا يؤدِّي زكاته، وكان أبو ذرٍّ رضي الله عنه أحد السَّابقين، أسلم خامس خمسة، ثم رجع إلى أرض قومه، وقدم المدينة بعد الهجرة، وكان من أكابر العلماء والزهَّاد، كبير الشأن كان عطاؤه في السنة أربعمائة دينار، وكان لا يدَّخر شيئًا، وقال النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حقِّه (( ما أقلَّت الغبراء ولا أظلَّت الخضراء أصدق لهجة من أبي ذرٍّ رضي الله عنه ) ).

ورجال إسناد الحديث كلهم بصريُّون، وقد أخرج متنه مسلم أيضًا في الزَّكاة. ثمَّ إنَّه لما كان في هذا الحديث تشديدٌ على الذي يجمع المال ويدَّخره سواء أدَّى زكاته أم لا أراد أن يبيِّن أنَّ المراد هو الذي لا يؤدِّي زكاة ماله فقال

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت