فهرس الكتاب

الصفحة 2214 من 11127

1406 - (حَدَّثَنَا عَلِيٌّ) هكذا غير منسوب، ورُوِيَ عليُّ بن أبي هاشم، واسم أبي هاشم عبيد الله اللَّيثي البغدادي، ويعرف عبيد الله بالطِّبْراخ، بكسر الطاء المهملة وسكون الموحدة آخره خاء معجمة، أنَّه (سَمِعَ هُشَيْمًا) بضم الهاء وفتح الشين المعجمة، هو ابن بُشَير، بضم الموحدة وفتح الشين المعجمة، ابن القاسم بن دينار، قال (أَخْبَرَنَا حُصَيْنٌ) بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين، أبو الهذيل.

(عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ) بفتح الواو، هو ابن سليمان الهمداني الجهني الكوفي التَّابعي الكبير، أحد المخضرمين(قَالَ مَرَرْتُ

ج 7 ص 39

بِالرَّبَذَةِ)بفتح الراء والموحدة والذال المعجمة، موضعٌ معروف بين مكَّة والمدينة، على ثلاث مراحل من المدينة، وكان عمر رضي الله عنه حماها لإبل الصَّدقة.

وقال السَّمعاني هي قرية من قرى المدينة نزل بها أبو ذرٍّ رضي الله عنه في عهد عثمان رضي الله عنه، ومات بها سنة ثنتين وثلاثين، وقد ذكر في هذا الحديث سبب نزوله.

(فَإِذَا أَنَا بِأَبِي ذَرٍّ) جندب بن جنادة، وكلمة إذا للمفاجأة والباء للمصاحبة (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَقُلْتُ لَهُ مَا) أي أيُّ شيء (أَنْزَلَكَ مَنْزِلَكَ هَذَا) وإنَّما سأله زيد بن وهب عن ذلك؛ لأنَّ مبغضي عثمان رضي الله عنه كانوا يشنِّعون عليه أنَّه نفى أبا ذرٍّ رضي الله عنه فبيَّن أبو ذرٍّ رضي الله عنه أنَّ نزوله في ذلك المكان إنَّما كان باختياره حيث (قَالَ) أبو ذرٍّ رضي الله عنه (كُنْتُ بِالشَّأْمِ) أي بدمشق (فَاخْتَلَفْتُ أَنَا وَمُعَاوِيَةُ) بن أبي سفيان، وكان إذ ذاك عامل عثمان رضي الله عنه على دمشق.

(فِي) مَن نزل قوله تعالى ( {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} قَالَ مُعَاوِيَةُ) رضي الله عنه (نَزَلَتْ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ) وفي رواية جرير (فَقُلْتُ نَزَلَتْ فِينَا وَفِيهِمْ) فمعاوية رضي الله عنه نظر إلى سياق الآية فإنَّها نزلت في الأحبار والرُّهبان الذين لا يؤتون الزَّكاة، وأبو ذرٍّ رضي الله عنه نظر إلى عموم الآية وأنَّ مَن لا يرى أداءها مع أنَّه يرى وجوبها يلحقه هذا الوعيد الشَّديد.

(فَكَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ فِي ذَلِكَ) وفي نسخة أي نزاع بل قيل إنَّه كان كثير الاعتراض عليه والمنازعة له، وكان جيش معاوية رضي الله عنه يميل إلى أبي ذرٍّ رضي الله عنه وكان لا يخاف في الله لومة لائم.

وقد بيَّن السَّبب في سكناه الشَّام ما أخرجه أبو يعلى عن زيد بن وهب حدَّثني أبو ذرٍّ رضي الله عنه قال قال لي رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( إذا بلغ البناء، أي بالمدينة، سلعًا فارتحل إلى الشَّام ) )فلمَّا بلغ البناء سلعًا قدمت الشام فكنت بها.

فذكر الحديث وعنده أيضًا بإسنادٍ فيه ضعفٌ عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما، قال استأذن أبو ذرٍّ رضي الله عنه على عثمان رضي الله عنه فقال إنَّه يؤذينا فلمَّا دخل قال له عثمان أنت الَّذي تزعم أنَّك خيرٌ من أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، قال لا ولكن سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول (( إنَّ أحبَّكم إليَّ وأقربكم منِّي من بقي

ج 7 ص 40

على العهد الَّذي عاهدته عليه، وأنا باقٍ على عهده )) .

قال فأمره أن يلحق بالشَّام فكان يحدِّثهم ويقول لا يبيتنَّ عند أحدكم دينارٌ ولا درهم إلَّا ما ينفقه في سبيل الله أو يُعِدُّه لغريمٍ فخشي معاوية رضي الله عنه أن يقع بين المسلمين خلاف.

(وَكَتَبَ) أي معاوية رضي الله عنه (إِلَى عُثْمَانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يَشْكُونِي) حيث كتب إليه إن كان لك بالشَّام حاجةٌ فابعث إلى أبي ذرٍّ، قال المهلَّب وكان هذا من توقير معاوية رضي الله عنه له؛ إذ كتب فيه إلى السُّلطان الأعظم، ولم يخرجه؛ لأنَّه لو أخرجه لكان وصمةً عليه.

(فَكَتَبَ عُثْمَانُ) رضي الله عنه (أَنِ أقْدَمِ الْمَدِينَةَ) بفتح الدال، إمَّا فعل مضارع فهمزته همزة قطع، أو فعل أمر فهمزته همزة وصلٍ (فَقَدِمْتُهَا) أي المدينة (فَكَثُرَ عَلَيَّ النَّاسُ) أي يسألونني عن سبب خروجي من دمشقَ وعمَّا جرى بيني وبين معاوية.

(حَتَّى كَأَنَّهُمْ لَمْ يَرَوْنِي قَبْلَ ذَلِكَ، فَذَكَرْتُ ذَاكَ لِعُثْمَانَ، فَقَالَ) لي (إِنْ شِئْتَ تَنَحَّيْتَ) من التنحِّي وهو التَّباعد (فَكُنْتَ) مكانًا (قَرِيبًا) من المدينة؛ أي إن كنت تخشى وقوع فتنةٍ فاسكن مكانًا قريبًا من المدينة، فنزل الرَّبذة وسكن بها، وقبرهُ فيها، وقد كان يغدو إليها في زمن النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كما رواه أصحاب «السُّنن» من وجهٍ آخر عنه، وفي رواية الطَّبراني فقال له (( تنحَّ قريبًا قال والله لن أدعَ ما كنت أقوله ) )، وكذا لابن مردويه من طريق ورقاءَ عن حصين بلفظ (( فوالله لا أدعُ ما قلت ) ).

والحاصل أنَّ عثمان رضي الله عنه أمره بالتنحِّي عن المدينة؛ لدفع المفسدة الَّتي خافها على غيره من مذهبه المذكور فاختار الرَّبذة.

(فَذَاكَ الَّذِي أَنْزَلَنِي هَذَا الْمَنْزِلَ) بالنَّصب، ثمَّ أخبر أنَّ طاعة الأمراء واجبةٌ حتَّى لو أمَّر الخليفة حبشيًا كان على الرَّعية السَّمع والطَّاعة له، فقال (وَلَوْ أَمَّرُوا عَلَيَّ) عبدًا (حَبَشِيًّا لَسَمِعْتُ) قوله (وَأَطَعْتُ) أمره.

وفي «فوائد» أبي الحسن بن حَذْلَم بإسناده إلى عبد الله بن الصَّامت قال دخلت مع أبي ذرٍّ رضي الله عنه على عثمان رضي الله عنه فحسر عن رأسه، فقال والله ما أنا منهم؛ يعني الخوارج، فقال إنَّما أرسلنا إليك لتجاورنا بالمدينة، قال لا حاجة لي في ذلك ائذَن لي بالربذة، قال نعم.

وفي رواية أبي دواد الطَّيالسي بعد قوله «ما أنا منهم» «والله لو أمرتني أن أقوم

ج 7 ص 41

ما قعدت».

وفي «طبقات» ابن سعد من وجهٍ آخر إنَّ ناسًا من أهل الكوفة قالوا لأبي ذرٍّ رضي الله عنه إنَّ هذا الرجل فعل بك ما فعل فهل أنت ناصبٌ لنا رايةً؛ يعني فنقاتله، فقال لا لو أنَّ عثمان رضي الله عنه سيَّرني من المشرق إلى المغرب لسمعتُ وأطعتُ.

وروى أحمد وأبو يعلى من طريق أبي حرب بن أبي الأسود عن عمِّه، عن أبي ذرٍّ رضي الله عنه أنَّ النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال له (( كيف تصنعُ إذا أخرجت منه ) )أي من المسجد النَّبوي، قال آتي الشَّام قال (( كيف تصنع إذا أخرجت منها؟ ) )قال أعودُ إليه؛ أي إلى المسجد النَّبوي، قال (( كيف تصنعُ إذا أخرجت منه؟ ) )قال أضربُ بسيفي، قال (( ألا أدلُّك على ما هو خيرٌ لك من ذلك وأقرب رُشدًا تسمعُ وتطيعُ وتنساقُ لهم حيث ساقوك ) ).

ثمَّ الصَّحيح أنَّ إنكار أبي ذرٍّ رضي الله عنه كان على السَّلاطين الَّذين يأخذون المال لأنفسهم ولا ينفقونه في وجهه. كذا قال بعضهم.

وتعقَّبه النَّووي بأنَّ السَّلاطين حينئذٍ كانوا مثل أبي بكرٍ وعمر وعثمان رضي الله عنهم وهؤلاء لم يخونوا لكن لقوله رضي الله عنه محملٌ، وهو أنَّه أراد من يفعل ذلك وإن لم يوجد حينئذٍ من يفعله.

وفي هذا الحديث أنَّ الكفَّار مخاطبون بفروع الشَّريعة لاتِّفاق أبي ذرٍّ ومعاوية رضي الله عنهما على أنَّ الآية نزلت في أهل الكتاب.

وفيه أيضًا ملاطفة الأئمَّة للعلماء، فإنَّ معاوية رضي الله عنه لم يجْسُرْ على الإنكار عليه حتَّى كاتب من هو أعلى منه في أمره، وعثمان رضي الله عنه لم يعنِّف على أبي ذرٍّ رضي الله عنه مع كونه كان مخالفًا له في تأويله. وفيه أيضًا التَّحذير من الشِّقاق والخروج على الأئمة والتَّرغيب في الطَّاعة لأولي الأمر، وأمر الأفضل بطاعة المفضول خشية المفسدة.

وفيه أيضًا جوازُ الاختلاف والاجتهاد في الآراء، ألا ترى أنَّ عثمان رضي الله عنه ومن كان بحضرته من الصَّحابة رضي الله عنهم لم يردُّوا أبا ذرٍّ عن مذهبه، ولا قالوا له إنَّه لا يجوز لك اعتقاد ذلك؛ لأنَّ أبا ذرٍّ رضي الله عنه استشهد بقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( ما أحبُّ أن لي مثل أحد ذهبًا أنفقه كله إلَّا ثلاثة دنانير ) )وبقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( مَن ترك صفراء أو بيضاء كوي بها ) ).

ج 7 ص 42

وفيه أيضًا الأخذ بالشِّدة في الأمر بالمعروف، وإن أدَّى إلى فراق الوطن. وفيه أيضًا تقديم دفع المفسدة على جلب المصلحة؛ لأنَّ في بقاء أبي ذرٍّ رضي الله عنه بالمدينة مصلحة كبيرة من بثِّ علمه في طالبي العلم، ومع ذلك رجَّح عثمان رضي الله عنه دفع ما يتوقَّع من المفسدة بالأخذ بمذهبهِ الشَّديد في هذه المسألة، ولم يأمره مع ذلك بالرُّجوع عنه لأنَّ كلًا منهما كان مجتهدًا.

ثمَّ مطابقة الحديث للتَّرجمة من جهة أنَّ ما أُدِّيَ زكاته فليس بكنزٍ، ومفهوم الآية كذلك. وفي الحديث رواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ عن صحابي، وقد أخرجه المؤلِّف في التفسير أيضًا [خ¦4660] ، وأخرجه النَّسائي أيضًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت