1405 - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ يَزِيدَ) هو إسحاق بن إبراهيم بن يزيد، أبو النَّضر الأموي، مولاهم، الفراديسي الشَّامي، قال (شُعَيْبُ بْنُ إِسْحَاقَ) بن عبد الرَّحمن الأموي، مولاهم، البصري، ثمَّ الدِّمشقي، مات سنة تسع وثمانين ومائة.
(قَال) عبد الرَّحمن (الأَوْزَاعِيُّ) وفي رواية ، قال (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) بالمثلثة (أَنَّ عَمْرَو بْنَ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ) بفتح العين في الأوَّل وضمِّها في عمارة المازني الأنصاري (أَخْبَرَهُ، عَنْ أَبِيهِ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ) المازني المدني
ج 7 ص 34
(أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ) سعد بن مالك الخدري.
(رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يَقُولُ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ) وأواق بغير ياء كجوار، وكذا في رواية أبي داود، ووقع في رواية مسلم (( أواقي ) )بالياء، وقال النوويُّ ووقع أيضًا بدون الياء وكلاهما صحيحٌ، وهي جمع أُوقيَّة، بضم الهمزة وتشديد الياء، ويجمع على أواقيِّ، بتشديد الياء وتخفيفها، وأواقٍ بحذفها.
قال ابن السِّكيت في «الإصلاح» كلُّ ما كان من هذا النَّوع واحده مشدَّدًا جاز في جمعه التَّشديد والتخفيف كالأوقيَّة والأواقي، والسُّريَّة والسراري والنُّجتية والنجاتي، والأُثفيَّة والأثافي. وقيل، بحذف الهمزة وفتح الواو وتشديد الياء، وجمعها وقايا مثل ضحيَّة وضحايا، وأجمع أهل الحديث والفقه، وأئمة اللُّغة على أنَّ الأوقية الشَّرعية أربعون درهمًا، وهي أوقيَّة الحجاز.
وقال القاضي عياض ولا يصحُّ أن تكون الأوقيَّة والدراهم مجهولةً في زمن النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهي الَّتي تعتبر في باب الزَّكاة والنِّكاح، وهذا يبيِّن أنَّ قول مَن زعم أنَّ الدَّراهم لم تكن معلومة إلى زمان عبد الملك بن مروان، وأنَّه جمعها برأي العلماء وجعل كلَّ عشرة وزن سبعة مثاقيل ووزن الدِّرهم ستَّ دوانيق قولٌ باطلٌ، وإنَّما معنى ذلك أنَّه لم يكن منها شيء سوى ضرب فارس أو الرُّوم، بل كانت صغار أو كبار أو قطعُ فضَّة غير مضروبة ولا منقوشة، فرأى صرفها إلى ضرب الإسلام ونَقشه، وصيَّرها وزنًا واحدًا لا تختلف، وأعيانًا يُستَغْنَى فيها عن الموازين فجمع أكبرها وأصغرها، وضربه على وزنٍ معلوم.
قال القاضي ولا شكَّ أنَّ الدَّراهم كانت حينئذٍ معلومة، وإلَّا فكيف كان يتعلَّق بها حقوق الله تعالى في الزَّكاة وغيرها وحقوقُ العباد، كما كانت الأوقيَّة معلومةً.
وقال النَّووي أجمع أهل العصر الأوَّل على التَّقدير بهذا الوزن المعروف، وهو أنَّ الدِّرهم ستَّة دوانيق وكل عشرة دراهم سبعة مثاقيل، ولم يتغيَّر المثقال في الجاهليَّة ولا الإسلام وهو اثنان وسبعون شعيرة معتدلة لم تقشر وقطع من طرفيها ما دقَّ وطال.
وقد روى ابن سعد في «الطَّبقات» في ترجمة عبد الملك بن مروان أنَّه ضرب عبد الملك بن مروان الدَّراهم والدَّنانير سنة خمس وسبعين، وهو أوَّل من أحدث ضربها ونقش عليها.
وقال الواقديُّ كانت مثاقيل الجاهليَّة التي ضرب عليها عبد الملك اثنتين وعشرين قيراطًا إلَّا حبة
ج 7 ص 35
بالشَّامي، وكان العشرة وزن سبعة مثاقيل. انتهى.
وقال أبو عُبيد القاسم بن سلام في كتاب «الأموال» في باب الصَّدقة وأحكامها كانت الدَّراهم قبل الإسلام كبارًا وصغارًا، فلمَّا جاء الإسلام ورأوا ضرب الدَّراهم وكانوا يزكُّونها من النَّوعين فنظروا إلى الدِّرهم الكبير فإذا هو ثمانية دوانيق، وإلى الدِّرهم الصَّغير فإذا هو أربعة دوانيق فوضعوا زيادة الكبير على نقصان الصَّغير فجعلوهما درهمين كلُّ واحد منهما ستَّة دوانيق، ثمَّ اعتبروها بالمثاقيل، ولم يزل المثقال في الدَّهر محدودًا لا يزيد ولا ينقص فوجدوا عشرةً من هذه الدَّراهم التي واحدها ستَّة دوانيق سبعة مثاقيل، وأنَّه موافق لسنَّة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الصَّدقة فمضت سنَّة الدراهم على هذا.
واجتمعت عليه الأمَّة فلم تختلف في أنَّ الدرهم ستة دوانيق فما زاد أو نقص، قيل فيه زائد أو ناقص والنَّاس في الزَّكوات على الأصل الذي هو السنَّة لم يزيغوا عنها. انتهى.
وذكر في كتب أصحابنا أنَّ الدراهم كانت في الابتداء على ثلاثة أصنافٍ صنف منها كل عشرة منه عشرة مثاقيل كل درهمٍ مثقال، وصنُف منها كل عشرة منه ستَّة مثاقيل كلُّ درهمٍ ثلاثة أخماس مثقال، وصنف منها كلُّ عشرة منه خمسة مثاقيل كلُّ درهمٍ نصف مثقال، وكان النَّاس يتصرَّفون فيها ويتعاملون بها فيما بينهم إلى أن استخلف عمر رضي الله عنه، فأراد أن يستخرج الخراج بالأكبر فالتمسوا منه التَّخفيف فجمع حُسَّاب زمانه ليتوسَّطوا ويوفِّقوا بين الدراهم كلَّها وبيَّن ما رامه عمر رضي الله عنه وبين ما رامه الرعيَّة فاستخرجوا له وزن السَّبعة بأن أخذوا من كلِّ صنف ثلاثة فيكون المجموع سبعة مثاقيلٍ.
هذا، وفي «الذخيرة» للقرافي أنَّ الدرهم المصري أربعة وستون حبَّةً، وهو أكبر من درهم الزَّكاة فإذا أسقطت الزِّيادة كان النصاب من دراهم مصر مائة وثمانين درهمًا وحبَّتين.
وفي «فتاوى الفضلي» تعتبر دنانير كل بلد ودراهمهم، وقال القرطبي درهم الكيل زنته خمسون حبَّة وخُمْسا حبَّة، وسمي بذلك لأنَّه بتكييل عبد الملك بن مروان؛ أي بتقديره وتحقيقه، وذلك أنَّ الدراهم الَّتي كان النَّاس يتعاملون بها نوعان نوعٌ عليه نقش فارس، ونوعٌ عليه نقش الرُّوم، وأحد النَّوعين يقال له البغْلي وكان ثمانية دوانيق،
ج 7 ص 36
والآخر يقال له الطَّبرَي وكان أربعة دوانيق.
وفي «شروح الهداية» البغلية منسوبةً إلى ملك يقال له رأس البغل، والطَّبرية نسبةً إلى طبرية، وقيل إلى طبرستان.
وفي «الأحكام» للماوردي استقرَّ في الإسلام زمنة الدَّراهم ستَّة دوانيق متى زيد على الدِّرهم ثلاثة أسباعه كان مثقالًا ومتى نقص من المثقال ثلاثةُ أعشاره كان درهمًا، وكل عشرة دراهم سبعة مثاقيل، وكلُّ عشرة مثاقيل أربعة عشر درهمًا وسبعان.
وزعم المرغيناني أنَّ الدِّرهم كان شبيه النَّواة ودوِّر في عهد عمر رضي الله عنه فكتب عليه لا إله إلا الله محمَّد رسول الله، ثمَّ زادنا ناصر الدَّولة بن حمدان قول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فكانت منقبةً لآل حمدان.
وفي كتاب «المكاييل» عن الواقديِّ عن معبد بن مسلم، عن عبد الرَّحمن بن سابط، قال كان لقريش أوزان في الجاهليَّة فلمَّا جاء الإسلام أُقِرَّتْ على ما كانت عليه الأوقيَّة أربعون درهمًا، والرَّطل اثنتا عشرة أوقيَّة فذلك أربعمائة وثمانون درهمًا، وكان لهم النَّش وهو عشرون درهمًا، والنواة وهي خمسة دراهم، وكان المثقال اثنين وعشرين قيراطًا إلَّا حبَّة، وكان العشرة دراهم وزنها سبعة مثاقيل، والدِّرهم خمسة عشر قيراطًا، فلمَّا قدم النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المدينة وكان يسمَّى الدينار لوزنه دينارًا، وإنَّما هو تبر ويسمَّى الدِّرهم لوزنه درهمًا وإنَّما هو تبر أقر موازين المدينة على هذا فقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( الميزان ميزان أهل المدينة ) )، ثمَّ القيراط طَسُوجان والطَّسوج حبَّتان، والحبة سُدْسُ ثُمُنِ دِرهْم، وهو جزءٌ من ثمانية وأربعين جزءًا من درهم، وقيل القيراط خمس شَعِيرات.
وعند الدَّارقطني بسندٍ فيه زيد بن أبي أنيسة، عن أبي الزُّبير، عن جابر رضي الله عنه يرفعه (( والوقيَّة أربعون درهمًا ) ). وقال أبو عمر وروى جابر أنَّ النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال (( الدينار أربعةٌ وعشرون قيراطًا ) ).
قال أبو عمر هذا وإن لم يصحَّ سنده ففي الإجماع على معناه ما يُغني عن إسناده، والله أعلم.
والحاصل أنَّ في قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( ليس فيما دون خمس أواقٍ صدقة ) )بيان نصاب الفضة وهي مائتا درهمٍ؛ لأنَّ كل أوقيَّة أربعون درهمًا بنصِّ الحديث والإجماع.
وأمَّا الذَّهب فعشرون مثقالًا، والمعوَّل فيه على الإجماع، إلَّا ما روي عن الحسن البصري والزُّهري أنَّهما قالا لا تجب في أقلَّ من أربعين مثقالًا، والأَشهر عنهما الوجوب في عشرين مثقالًا، كما قاله الجمهور.
وقال القاضي عياض وعن بعض السَّلف وجوب الزَّكاة في الذَّهب إذا بلغت قيمته مائتي درهم، وإن كان دون عشرين مثقالًا، قال ولا زكاة في العشرين حتَّى تكون قيمتها مائتي درهم، ثمَّ إذا زاد الذهب أوالفضة على النِّصاب اختلفوا فيه، فقال مالك واللَّيث
ج 7 ص 37
والثَّوري والشَّافعي وابن أبي ليلى وأبو يوسف ومحمَّد، وعامَّة أهل الحديث إنَّ فيما زاد من الذَّهب والفضَّة ربع العشر في قليله وكثيره ولا وقص، مثلًا إذا زاد على المائتي درهم يجب فيها جزء من أربعين جزءًا من درهم، وإذا زاد درهمان ففيهما جزءان منها وهكذا، وروي ذلك عن عليٍّ وابن عمر رضي الله عنهم.
وقال أبو حنيفة وبعض السَّلف لا شيء فيما زاد على مائتي درهمٍ حتَّى يبلغ أربعين درهمًا، ولا فيما زاد على عشرين دينارًا حتَّى يبلغ أربعة دنانير فإذا زادت ففي كلِّ أربعين درهمًا درهم، وفي كلِّ أربعة دنانير درهم فجعل لها وقصًا كالماشية.
دليل الفريق الأول قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( إذا بلغت مائتي درهم ففيها خمسة دراهم، وإذا زاد عليها فبحسابه ) )، ودليلُ الفريق الثَّاني قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( لا شيء فيما زاد على المائتين حتَّى يبلغَ أربعين ) )، وما رواه الفريق الأوَّل محمولٌ على زيادة مقدار الخمس.
(وَلَيْسَ) وفي رواية (فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ) من الإبل (صَدَقَةٌ) الذَّوْد، بفتح الذال المعجمة وسكون الواو وفي آخره دال مهملة، هي الإبل من الثَّلاثة إلى العشرة، ولا واحد له من لفظه. وقيل الذَّود ما بين الثِّنتين والتِّسع من الإناث دون الذُّكور، وقيل من الواحد إلى العشرة، ويجمع على أذواد.
وقال سيبويه وقالوا ثلاث ذود فوضعوه موضع أذواد، وقال الفارسي وهذا على حدِّ قولهم ثلاث أشياء، فإذا وصفت الذود، فإن شئتَ جعلت الوصف مفردًا بالهاء على حدِّ ما تُوْصَفُ الأسماءُ المؤنَّثة التي لا تعقل، فقلت ذود جربة، وإن شئت جمعت فقلت ذود جراب، ذكره في «المخصص» .
وفي «المحكم» وقيل الذَّود من ثلاث إلى خمس عشرة، وقيل إلى عشرين. وقال ابنُ الأعرابي إلى الثلاثين، ولا يكون إلَّا من الإناث، وهو مؤنَّث وتصغيره بغير هاء على غير قياس.
وفي كتاب «نعوت الإبل» لأبي الحسن النَّضر بن شُميل المازني ما يدلُّ على أنَّه يُطلَقُ على الذكور أيضًا، وهو قوله الذود ثلاثة أبعرة.
وفي «الجامع» للقزَّاز وقول الفقهاء ليس فيما دون خمس ذَوْد صدقة إنَّما معناه خمسٌ من هذا الجنس، وقد أجاز قوم أن يكون الذود واحدًا وسمِّي الذود ذودًا؛ لأنَّه يذاد؛ أي يساق، ثمَّ الرواية المشهورة خمس ذود بالإضافة، وروي بتنوين خمس ويكون ذود بدلًا منه وبزيادة التاء
ج 7 ص 38
في خمس؛ نظرًا إلى أنَّ الذود يُطلقُ على المذكر والمؤنث، وتركوا القياس في الجمع كما قالوا ثلاثمائة، وقيل إنَّما جاز؛ لأنَّه في معنى الجمع كقوله تعالى {تِسْعَةُ رَهْطٍ} [النمل 48] .
ثمَّ في هذا القول بيان نصاب الإبل في الزَّكاة، فالإبل إذا بلغت خمسًا سائمة وحال عليها الحول ففيها شاة، وهذا بالإجماع وليس فيه خلاف. وسيجيء الكلام فيه مفصَّلًا في موضعه إن شاء الله تعالى [خ¦1453] .
(وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ) وفي رواية (أَوْسُقٍ) من تمرٍ أو حب (صَدَقَةٌ) الأَوسُق، بفتح الهمزة وضم السين، جمع وَسق، بفتح الواو وكسرها والفتح أشهر.
وأصله في الحِمْل حِمْلُ البعير، وقيل هو الحِمْل عامَّةً، وقيل هو ستُّون صاعًا بصاع النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والصَّاع أربعة أمداد، والمدُّ رطلٌ وثلث بالبغدادي، فالأوسق الخمسة ألف وستمائة رطل بالبغدادي، ورطل بغداد على الأشهر الأظهر مائة وثمانية وعشرون درهمًا وأربعة أسباع درهم.
واحتجَّ به الشَّافعي وأبو يوسف ومحمَّد أنَّ ما أخرجته الأرض إذا بلغ خمسة أوسق تجب فيها الصَّدقة، وهي العشر، وليس فيما دون ذلك شيء.
وقال أبو حنيفة رحمه الله في قليل ما أخرجته الأرض وكثيره العشر سواءٌ سقاه سيحٌ؛ أي ماء جار أو مطر، وسواء يبقى سنة أو لا إلَّا القصب والحطب والحشيش، ودليل أبي حنيفة رحمه الله قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( ما أخرجته الأرض ففيه العشر ) ).
وإذا ورد الحديثان على شيءٍ واحد، ولم يعرف تاريخهما فالأخذ بالعامِّ أولى احتياطًا، وإنَّما استثنى القصب والحطب والحشيش؛ لأنَّ سبب وجوب الزَّكاة الأرض النامية بالخارج، والأرض لا تُستنمَى بالحطب وأمثاله عادةً، وأمَّا الأقلام وقصب السكر ففيهما العشر؛ لأنَّ الأرض تُسْتنَمى بهما.