فهرس الكتاب

الصفحة 2227 من 11127

1415 - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ) بتصغير الأوَّل وتكبير الثَّاني، وسعيد هو ابن يحيى بن بُرد، بضم الموحدة، أبو قُدامة _ بضم القاف وتخفيف المهملة _ اليَشْكري، بفتح المثناة التحتية وسكون المعجمة

ج 7 ص 64

وبالكاف، السَّرخسي، مات سنة إحدى وأربعين ومائتين.

قال (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ الْحَكَمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) وفي رواية ، وفي أخرى (الْبَصْرِيُّ) الأنصاري قال (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) هو ابن الحجَّاج (عَنْ سُلَيْمَانَ) هو ابن مهران الأعمش (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) بالهمز، شقيق بن سلمة (عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ) عقبة بن عمرو بن ثعلبة الأنصاري البدري المشهور بكنيته، وجزم المؤلِّف بأنه شهد بدرًا واستخلف مرَّة على الكوفة وتوفِّي قبل سنة أربعين أو فيها، وصحَّح في «الإصابة» أنَّه مات بعدها؛ لأنَّه أدرك إمارة المُغيرة على الكوفة وذلك بعد سنة أربعين قطعًا.

(رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ آيَةُ الصَّدَقَةِ) هي قوله تعالى {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِم صَدَقَةً} أي خذ من أموال المسلمين صدقة مفروضة {تُطَهِّرَهُم} أي تطهِّر تلك الصَّدقة أموالهم {وَتُزَكِّيهِم} أنت {بِهَا} أعمالهم، والتَّزكية مبالغةٌ في التَّطهير وزيادة فيه أو بمعنى الإنماء والبركة في المال، ويجوز أن يكون كلا الفعلين خطابًا للنَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {وَصَلِّ عَلَيهِم} أي واعطف عليهم بالدُّعاء والاستغفار لهم وترحم، والسُّنة أن يدعو المُصَدِّق لصاحب الصَّدقة إذا أخذها.

وعن الشَّافعي رحمه الله أحب أن يقول الوالي عند أخذ الصَّدقة آجرك الله فيما أعطيتَ وبارك لك فيما أبقيتَ وجعله له طهورًا. {إِنَّ صَلَاتَكَ} أي استغفارك ودعاءك {سَكَنٌ لَهُم} يسكنون إليه وتطمئن قلوبهم بأنَّ الله قد قبل منهم الصَّدقة {وَاللهُ سَمِيعٌ} بقولهم {عَلِيمٌ} [التوبة 103] بما في ضمائرهم من الخلوص، فيجاري بالثَّواب أو من الرِّياء والسُّمعة فيفعل ما يليق بهم.

(كُنَّا نُحَامِلُ) بضم النون، جواب لما؛ أي كنَّا نتكلَّف الحمل بالأجرة لنكتسب ما نتصدَّق به. قال ابن سيده يقال تَحَامَل في الأمر نَحَمَّلَهُ بكلفةٍ ومشقَّة وإعياءٍ، وتحامل عليه كلَّفه ما لا يطيقه، وهذا المعنى لا يناسب المقام، والأظهرُ أنَّ نُحامِلُ هنا بمعنى نَحْمِلُ؛ لأنَّ فَاعَلَ قد يجيء بمعنى فَعَل.

وفي روايةٍ لمسلم (( كنَّا نُحامِل على ظُهورنا ) )؛ أي نحمل على ظهورنا بالأُجرة ونتصدَّق من تلك الأجرة أو نتصدَّق بها كلها. وفيه التَّحريض على الاعتناء بالصَّدقة، وأنَّه إذا لم يكن له مال يتوصَّل إلى تحصيل ما يتصدَّق به من حمل بالأجرة أو غيره من الأسباب المباحة.

(فَجَاءَ رَجُلٌ) هو عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، كما سيأتي في التَّفسير [خ¦4668] (فَتَصَدَّقَ بِشَيْءٍ كَثِيرٍ) بأربعين أوقيَّةٍ من ذهب. وقيل بأربعة آلاف درهم، وزن كل درهم مثقال،

ج 7 ص 65

فقال النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( أكثَرتَ؛ هل تركتَ لأهلِك شيئًا ) )، فقال يا رسول الله كان مالي ثمانية آلاف درهم فأقرضت ربِّي أربعة، وأمسكت أربعةً لعيالي، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( باركَ الله لك فيما أعطيتَ وفيما أمسكتَ ) )فبارك له حتَّى صولحت تماضر امرأته وقد طلَّقها في مرضه عن ربع الثُّمُن على ثمانين ألف درهم ونيِّف.

وفي رواية (( على ثمانين ألف دينارٍ ونيِّف ) )، وقيل هو عاصم بن عديٍّ، وكان تصدَّق بمائة وَسْق من تمرٍ، والوَسْق على ما سبق ستُّون صاعًا.

(فَقَالُوا) أي المنافقون (مُرَاءٍ) يُرائي الناس بصدقتهِ، وليس بمخلصٍ وصادقٍ في إنفاقهِ (وَجَاءَ رَجُلٌ) هو أبو عَقيل، بفتح العين المهملة، الأنصاري (فَتَصَدَّقَ بِصَاعٍ) من تمر، فقال بتُّ ليلتي أجرُّ بالجرير [1] على صاعين، فتركت صاعًا لعيالي وجئت بصاعٍ، فأمره رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن ينثرهُ على الصَّدقات.

(فَقَالُوا) أي المنافقون (إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنْ صَاعِ هَذَا) ولكنَّه أحب أن يذكِّر بنفسه ليُعْطَى من الصَّدقات (فَنَزَلَتِ {الَّذِينَ يَلْمِزُونَ} ) بكسر الميم وقُرِئ بضمها؛ أي يعيِّبون ويطعنون ويستهزئون، ومحلُّ الذين يلمزون نصبٌ أو رفعٌ على الذَّمِّ، أو جر بدلًا من الضَّمير في سرِّهم ونجواهم في الآية السَّابقة على هذه الآية.

(الْمُطَّوِّعِينَ) أصله المتطوِّعين، فأبدلت التاء طاءً، وأُدغمت الطَّاء في الطَّاء؛ أي المتبرِّعين (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ) بضم الجيم؛ أي طاقتهم مصدر جُهِد في الأمر إذا بالغ فيه، وهم كأبي عقيل المذكور وكامرأةٍ جاءت بتمرةٍ واحدة وتمام الآية {فَيَسْخَرُونَ مِنهُم} أي يستهزؤون بهم {سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ} [التوبة 79] جازاهم على سخريَّتهم، وهو كقوله تعالى {اللهُ يَسْتَهزِئُ بِهِم} [البقرة 15] في أنَّه خبر لا دعاء، وهذا من باب المقابلة على سوءِ صنيعِهم واستهزائهم بالمؤمنين، لأنَّ الجزاء من جنسِ العمل {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [التوبة 79] مؤلمٌ موجعٌ على كفرهم ونفاقهم، وفي «مغازي الواقدي» من اللَّامزين معتِّب بن بشير، وعبد الرحمن بن نَبْتَل، بنون ومثنَّاة مفتوحتين بينهما موحدة ساكنة ثم لام.

والظَّاهر أنَّ ذلك كان حين حثَّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على الصَّدقة حين أراد أن يخرجَ إلى غزوة تبوك.

وقال الإمام أحمد ثنا يزيد ثنا الجريري، عن أبي السَّليل قال وقف علينا رجلٌ في مجلسنا بالبقيع فقال

ج 7 ص 66

حدَّثني أبي أو عمِّي أنَّه رأى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالبقيعِ وهو يقول (( مَن يتصدَّق بصدقةٍ أشهد له بها يوم القيامة ) ).

قال فحللت من عمامتي لَوْثًا أو لَوْثين، وأنا أريد أن أتصدَّقَ بها فأدركنِي ما يُدرك ابنَ آدم فعقدت على عمامتي، فجاء رجلٌ لم أر بالبقيع رجلًا أشدَّ سوادًا منه ببعيرٍ ساقه لم أر بالبقيعِ ناقةً أحسنَ منها، فقال يا رسول الله أَصَدَقَة؟ قال (( نعم ) )قال دونك هذه النَّاقة قال فَلَمَزهُ رجلٌ، فقال هذا يَتَصَدَّق بهذه، فوالله لهي خيرٌ منه. قال فسمعها رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال (( كذبت، بل هو خيرٌ منك ومنها ثلاثَ مرَّات ) )ثمَّ قال (( ويلٌ لأصحاب المائين من الإبل ثلاثًا ) )قالوا إلَّا مَن يا رسول الله؟ قال (( إلَّا مَن قال بالمال هكذا وهكذا وجمع بين كفيه عن يمينهِ وعن شماله. ثمَّ قال «قد أفلح المزْهِدُ المُجْهِدُ» ثلاثًا «المزهد في العيش، المجهد في العبادة» . وحديث الباب أخرجه المؤلِّف في التفسير أيضًا [خ¦4668] ، وأخرجه مسلم، والنَّسائي في الزَّكاة، وابن ماجه في الزُّهد.

[1] أي آجرتُ نفسي اللَّيلة على النَّزع من البئر بالحبل بصاعين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت