1436 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) بن عبد الله، أبو جعفر المسندي، قال (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) هو ابن يوسف، أبو عبد الرَّحمن، قاضي صنعاء، قال (حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ) هو ابن راشدٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم بن شهاب (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ) بالزاي المعجمة، هو ابن خويلد الأسدي (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ) أي أخبرني عن حكم (أَشْيَاءَ، كُنْتُ أَتَحَنَّثُ) بالمثلثة؛ أي أتقرَّب وأتعبَّد، والحنث في الأصل الإثم، فأصل التَّحنُّث أن يفعل الرجل فعلًا يخرج به من الحنث، وكذا تأثَّم وتحرَّج وتهجَّد؛ أي فعل فعلًا خرج به من الإثم والحرج والهجود؛ أي النوم.
وقال النَّووي التحنُّث التعبُّد، وفسره في الرِّواية الأخرى بالتَّبرر، وهو فعل البرِّ وهو الطاعة.
وقال ابن قُرْقول كنت أتحنَّث، بتاء مثنَّاة، رواه المروزي في باب مَن وصل رحمه، وهو غلطٌ من جهة المعنى، وأمَّا الرِّواية فصحيحة. والوهم فيه من شيوخ البخاري، بدليل أنَّ البخاري لمَّا أخرج هذا الحديث في الأدب عن أبي اليمان، عن شعيب، عن الزُّهري قال في آخره [خ¦5992] ويقال أيضًا عن أبي اليمان (( أتحنَّث أو أتحنت ) ) [خ¦5992] على الشَّك، والصحيح الَّذي روته العامَّة بثاء مثلَّثة.
وعن القاضي عياض بالتاء المثناة غلطٌ من جهة المعنى. ويحتمل أن يكون لها معنى وهو أن يكون من الحانوت، لأنَّ العرب كانت تسمِّي بيوت الخمَّارين الحوانيت، يعني كنت أتحنَّت حوانيتهم، والله أعلم.
(بِهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ) قبل الإسلام (مِنْ صَدَقَةٍ، أَوْ عَتَاقَةٍ) بالألف قبل القاف
ج 7 ص 115
(وَصِلَةِ رَحِمٍ) بغير ألف قبل الواو، وفي رواية بالألف قبلها، وفي أُخرى بغير ألف في الموضعين (فَهَلْ) لي (فِيهَا مِنْ أَجْرٍ) وزاد في رواية هشام بن عروة، عن أبيه الَّتي أوردها المؤلِّف في العتق [خ¦2538] (( أنَّه أَعتق في الجاهليَّة مائةَ رقبةٍ وحَمَلَ على مائةِ بعيرٍ ) )وزاد في آخره (( فوالله لا أدع شيئًا صنعته في الجاهليَّة إلَّا فعلت في الإسلام مثله ) ).
(فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسْلَمْتَ عَلَى مَا سَلَفَ مِنْ خَيْرٍ) أي على اكتساب ما سلف لك من خيرٍ أو على احتسابه، أو على قبول ما سلف، ورُوي أنَّ حسنات الكافر إذا خُتم له بالإسلام مقبولة أو محتسبةٌ له؛ فإنَّ من مات على كفره بطل عملُه، قال تعالى {وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ} الآية [المائدة 5] .
وقال المازري اختلف في قوله أسلمت على ما سلف من خيرٍ، ظاهره خلاف ما تقتضيه الأصول؛ لأنَّ الكافر لا يصحُّ منه قربةٌ؛ لأنَّ شرطها النيَّة، وهو ليس من أهلها؛ فلا يُثاب عليها، ويصحُّ أن يكون مطيعًا غير متقرِّبٍ كنظيره في الإيمان فإنَّه مطيعٌ من حيث كان موافقًا للأمر، لكنَّه لا يكون متقرِّبًا، لأنَّ من شرط التقرب أن يكون عارفًا بالتقرُّب إليه وهو في حين نظره لم يحصل له العلم بالله تعالى بعد، فإذا تقرَّر هذا فاعلم أنَّ الحديث متأَوَّلٌ، وهو يحتمل وجوهًا
أحدها أن يكون المعنى أنَّك اكتسبت طباعًا جميلة تنتفعُ بتلك الطِّباع في الإسلام، ويكون ذلك تمهيدًا لك ومعونةً على فعل الخير والطَّاعات.
الثَّاني أنَّ معناه اكتسبت بذلك ثناءً جميلًا فهو باقٍ عليك في الإسلام.
الثَّالث أنَّه لا يبعد أن يزاد في حسناته الَّتي يفعلها في الإسلام ويكثر أجره لِما تقدَّم له من الأفعال الجميلة، وقد قالوا في الكافر إذا كان يفعل الخير فإنَّه يخفَّف عنه به فلا يبعد أن يزاد له في الأجور.
الرَّابع ما قاله القاضي عيَّاض إنَّ معناه ببركة ما سبق لك من خيرٍ هداك الله إلى الإسلام، فإن المبادئ عنوان الغايات، ومَن ظهر فيه خيرٌ في أول أمره فهو دليلٌ على سعادة أُخراه وحسن عاقبته.
وذهب ابن بطَّال وغيره من المحقِّقين إلى حمل الحديث على ظاهره، وأنَّه إذا أسلم الكافر ومات على الإسلام يُثاب على فعله الخير
ج 7 ص 116
في حال الكفر، واستدلُّوا بحديث أبي سعيد الخدريِّ رضي الله عنه، قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( إذا أسلم الكافر فَحَسُن إسلامه كتب الله له كلَّ حسنةٍ كان زَلفها، ومحى عنه كلَّ سيئة كان زلفها، وكان عمله بعد ذلك الحسنة بعشرِ أمثالها إلى سبعمائة ضعفٍ، والسَّيئة بمثلها إلَّا أن يتجاوز الله تعالى ) )، ذكره الدَّار قطني في «غريب حديث مالك» ، ورواه عنه من تسع طرقٍ، وثبت فيها كلها أنَّ الكافر إذا حسُن إسلامه يكتب له في الإسلام كل حسنةٍ عملها في الشِّرك.
وقال ابن بطَّال بعد ذكر هذا الحديث ولله تعالى أن يتفضَّل على عباده بما شاء لا اعتراض لأحدٍ عليه، وهو كقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لحكيم بن حزام (( أسلمت على ما أسلفت من خيرٍ ) )فيكون معناه أسلمت على قبول ما سلفَ لك من خيرٍ.
وقال بعضُ أهل العلم معناه كلُّ مشركٍ أسلم يكتبُ له كل خيرٍ عمله قبل إسلامه، ولا يكتب عليه من سيِّئاته شيء؛ لأنَّ الإسلام يهدم ما قبله، وإنَّما كتب له الخير؛ لأنَّه أراد به وجه الله تعالى، لأنَّهم كانوا مقرِّين بالربوبيَّة إلا أن عَمَلَهم كان مردودًا عليهم لو ماتوا على شركهم، فلمَّا أسلموا تفضَّل الله عليهم فكتب لهم الحسنات ومحى عنهم السَّيئات، كما قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( ثلاثة يؤتون أجرهم مرَّتين ) ).
وفيه وهو الثَّالث ورجلٌ من أهل الكتاب آمن بنبيِّه وآمن بمحمَّد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وقال المهلَّب ولعلَّ حكيمًا لو مات على جاهليَّته يكون ممَّن يخفف عنه من عذاب النار، كما حُكِيَ في أبي طالب وأبي لهب. انتهى.
وفيه أنَّه لا يُقاس عليهما لخصوصيَّتهما. وقال ابن الجوزي قيل إنَّ النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ورَّى عن جوابه فإنَّه سأله هل له فيها من أجرٍ؛ يريد ثواب الآخرة. ومعلومٌ أنَّه لا ثواب في الآخرة لكافرٍ، فقال له أسلمتَ على ما سلف لك من خيرٍ والعتق فعلُ خير، فكأنَّه أراد أنَّك قد فعلت خيرًا والخير يمدح فاعله وقد يُجَاَزى عليه في الدُّنيا وذكر حديث أنس رضي الله عنه مرفوعًا في «صحيح مسلم» أنَّه قال (( إنَّ الكافر يُثاب في الدنيا بالرِّزق على ما يفعله من حسنةٍ فإذا لقيَ الله تعالى لم يكن له حسنة ) ).
وقال القرطبي الإسلام إذا حسُن هدم ما قبله من الآثام، وأحرز ما قبله من البِرِّ.
وقال الحربيُّ معنى حديث حكيم ما تقدَّم من الخير الذي عملته هو لك، كما تقول أسلمت على ألف درهمٍ على أن أحوزها لنفسي.
قال القرطبي وهذا الذي
ج 7 ص 117
قاله الحربي هو أشبهها وأولاها.
وقال النَّووي وقد يعتدُّ ببعض أفعال الكافر في أحكام الدُّنيا، فقد قال الفقهاء إذا وجب على الكافر كفَّارة ظهار أو غيرها فكفَّر في حال كفره أجزأه ذلك، وإذا أسلم لا يجب عليه إعادتها.
واختلف أصحاب الشَّافعي فيما إذا أجنبَ واغتسل في حال كفره، ثمَّ أسلم هل يجب عليه إعادة الغسل أو لا، وبالغ بعضُهم فقال يصحُّ من كلِّ كافرٍ كل طهارةٍ من غسل ووضوء وتيمُّم، وإذا أسلم صلَّى بها. انتهى.
وقال أصحابنا الحنفيَّة غُسل الكافر إذا أسلم مستحبٌّ إن لم يكن جُنبًا ولم يغتسل، فإن كان جنبًا ولم يغتسلْ حتَّى أسلم ففيهِ اختلاف المشايخ.