129 - (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) أي ابن مسرهد (قَالَ حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ) هو ابن سليمان بن طَرْخان _ بفتح المهملة وسكون الراء وبالخاء المعجمة وبالنون _ أبو محمد البصري التيمي لم يكن من بني تيم، وإنما كان نازلًا فيهم وهو مولى بني مرة، روى عن أبيه ومنصور وغيرهما، وعنه ابن مهدي وغيره، وكان ثقة صدوقًا رأسًا في العلم والعبادة كأبيه، ولد سنة ست ومائة، ومات سنة سبع وثمانين ومائة بالبصرة، وكان الناس يقولون يوم موته مات اليوم أعبد الناس، ويقال كان أكبر من سفيان بن عيينة بسنة، روى له الجماعة.
(قَالَ سَمِعْتُ أَبِي) سليمان بن طرخان التيمي، وكان ينزل في بني مرة، فلما تكلم بالقدر أخرجوه، فقبله بنو تميم وقدموه وصار إمامًا لهم، قال شعبة(ما رأيت أحدًا أصدق من سليمان كان إذا حدث عن النبي
ج 1 ص 726
صلى الله عليه وسلم تغيَّر لونه).، وقال أيضًا (شكُّ سليمانَ يقينٌ) ، وكان من العباد المجتهدين يصلي الليل كله بوضوء العشاء الأخيرة، كان هو وابنه معتمر يدوران بالليل في المساجد فيصليان في هذا المسجد مرة وفي ذلك أخرى، ومناقبه جمة، مات بالبصرة سنة ثلاث وأربعين ومائة.
(قَالَ سَمِعْتُ أَنَسًا) وفي رواية رضي الله عنه، ورجال هذا الإسناد كلهم بصريون، وفيه رواية الابن عن الاب، وأنه من الرباعيات العوالي، وهذا حديث لم يخرجه إلا البخاري رحمه الله.
(قَالَ ذُكِرَ لِي) على صيغة المجهول ولم يسمِّ أنسٌ من ذكر له ذلك، وليس ذلك بقادح في الصحة؛ لأن المتن ثابت من طريق آخر، ومعلوم أن أنسًا لا يروي إلا عن العدل سواء كان صحابيًا أو غيره فلا يضر الجهالة هنا، على أنه يحتمل أن يكون الذاكر له عمرو بن ميمون فإنه حضر معاذًا حين حضرته الوفاة بالشام، كما سيأتي في كتاب «الجهاد» إن شاء الله تعالى [خ¦2856] ، ويحتمل أن يكون عبد الرحمن بن حمزة فإنه قد روى النسائي أنه سمع ذلك من معاذ أيضًا.
(أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ) وفي روايةٍ (مَنْ لَقِيَ اللَّهَ) أي من لقي الأجل الذي قدَّره الله يعني الموت كذا قاله جماعة، ويحتمل أن يكون المراد البعث أو رؤية الله في الآخرة.
(لاَ يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا) جملة وقعت حالًا، والمعنى مات حال كونه موحدًا أو بُعِث أو رأى الله تعالى في الآخرة حال كونه لا يشرك به شيئًا، فإن قيل الإشراك لا يتصور في القيامة وحق الظاهر أن يُقال ولم يشرك به في الدنيا؟. فالجواب أن أحكام الدنيا مستصحبة إلى الآخرة، فإذا لم يشرك في الدنيا عند الانتقال إلى الآخرة صدق أنه لا يُشرك في الآخرة.
(دَخَلَ الْجَنَّةَ) وإن لم يعمل صالحًا، إما قبل دخول النار وإما بعده وذلك بمشيئة الله تعالى، إن شاء عفى عنه وإن شاء عذبه، ثم أدخله الجنة بفضله ورحمته، فإن قيل التوحيد بدون إثبات الرسالة لا ينفعه فكيف اقتصر عليه؟. فالجواب أنه مثل من توضأ صحت صلاته؛ أي عند وجود سائر الشرائط، فمعناه من لقي الله موحدًا عند الإيمان بسائر ما يجب الإيمان به على أن نفي الإشراك يستدعي إثبات الرسالة باللزوم إذ من كذب رسل الله فقد كذب الله ومن كذب الله فهو مشرك.
ويمكن أن يُقال إنه عَلِمَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم
ج 1 ص 727
أنَّ من الناس من يعتقد أن المشرك أيضًا يدخل الجنة فقال _ ردًا لذلك الاعتقاد، والفاسد _ من لقي الله لا يشرك به شيئًا دخل الجنة.
(قَالَ) معاذ رضي الله عنه، وفي رواية (أَلاَ أُبَشِّرُ النَّاسَ) بذلك (قَالَ) صلى الله عليه وسلم (لاَ) أي لا تبشرهم ثم استأنف فقال (أَخَافُ أَنْ يَتَّكِلُوا) على مجرد التوحيد ويتركوا العمل حين تبشرهم به، فليست كلمة «لا» داخلة على «أخاف» ، وفي رواية كريمة وأبي الوقت بإثبات «أني» ، وفي رواية الحسن بن سفيان في «مسنده» عن عبيد الله بن معاذ عن معتمر قال «لا، دعهم فليتنافسوا في الأعمال، فإني أخاف أن يتكلوا» .