128 - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) أي ابن راهويه، وقد تقدم ذكره في باب «فضل من علم وعلم» [خ¦79] (قَالَ حَدَّثَنَا) وفي رواية (مُعَاذُ) بضم الميم (بْنُ هِشَامٍ) بكسر الهاء؛ أي ابن عبد الله الدَّستوائي _ بالهمزة _ وقيل _ بالنون _ وقيل _بالياء التحتية _ البصري روى عن أبيه وابن عون وعنه أحمد وغيره، قال ابن معين صدوق وليس بحجة وعنه ثقة ثقة، وعن ابن عدي ربما يغلط في شيء وأرجو أنه صدوق، مات بالبصرة سنة مائتين.
(قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبِي) هشام، وقد مرَّ في باب «زيادة الإيمان ونقصانه» [خ¦44] (عَنْ قَتَادَةَ) بن دعامة أبو الخطاب السدوسي البصري الأكمه، وقد مر في باب «من الإيمان أن يحب لأخيه» [خ¦13] (قَالَ) أي إنه قال (حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) رضي الله عنه.
ورجال هذا الإسناد كلهم بصريون ما خلا إسحاق، وهو أيضًا دخل البصرة، وفيه رواية الأبناء عن الآباء، وقد أخرج متنه مسلم في «الإيمان» أيضًا.
(أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمُعَاذٌ) أي والحال أن معاذ بن جبل رضي الله عنه، وقد مر ذكره في أول كتاب «العلم» [خ¦128] وكتاب «الإيمان» [خ¦8 قبل] .
ج 1 ص 720
(رَدِيفُهُ) أي راكب خلفه، قال ابن سِيْده (ردف الرجل وأردفه وارتدفه جعله على الدابة، ورديفك الذي يرادفك، والجمع ردفاء، والردف الراكب خلفك، والرداف موضع مركب الرديف) .
وفي «الصَّحاح» (كل شيء تبع شيئًا فهو ردفه) ، وفي «الجامع» للقزاز أنكر بعضهم الرديف وقال إنما هو الردف، وحكى ردفت الرجل وأردفته إذا ركبت وراءه، وإذا جئت بعده، وأرداف الملوك في الجاهلية هم الذين كانوا يخلفون الملوك كالوزراء.
وعند ابن حبيب يركب مع الملك عديله أو خَلَفه، وإذا قام الملك جلس مكانه، وإذا سُقيَ الملك سُقيَ بعده، وقد جمع ابن منده أرداف النبي صلى الله عليه وسلم فبلغوا نيفًا وثلاثين ردفًا.
(عَلَى الرَّحْلِ) إما متعلق بالرديف، أو حال من النبي صلى الله عليه وسلم، وهو _ بفتح الراء وسكون المهملة _ للبعير، وهو أصغر من القَتَبُ يجمع على أرحل ورحال الأول للقليل، والثاني للكثير، وهو من مراكب الرجال دون النساء، يقال رحلت البعير أرحله رحلًا إذا شددت على ظهره رحلًا.
والقَتَب بالتحريك رحل صغير على قدر السنام، وقد كان معاذ رضي الله عنه في تلك الحالة رديفه صلى الله عليه وسلم على حمار كما يأتي في «الجهاد» [خ¦2856] إن شاء الله تعالى.
(قَالَ يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ) يجوز فيه وجهان من الإعراب
أحدهما النصب على أنه مع ما بعده كاسم واحد مركب إضافي، والمنادى المضاف منصوب، واختاره ابن الحاجب.
والآخر الرفع على أنه منادى مفرد معرفة، واختاره ابن مالك؛ لأنه لا يحتاج إلى اعتذار، وأما «ابن» فإنه منصوب بلا خلاف.
(قَالَ) أي معاذ رضي الله عنه (لَبَّيْكَ) من المصادر التي يجب حذف فعلها ونصبها من اللَّب بفتح اللام، وكان حقه أن يقال لبًا لك، فثَنَّى على معنى التوكيد والتكثير؛ أي إلبابًا لك بعد إلباب، والمعنى أنا مقيم على طاعتك إقامة بعد إقامة، وإجابة، لك بعد إجابة.
قال ابن الأنباري في «لبيك» أربعة أقوال
أحدها أن معناه إجابتي لك وإقامتي ببابك من لب بالمكان وألب به إذا قام به، وثنَّى لإرادة التوكيد والتكثير؛ أي إجابة بعد إجابة، كما قالوا حنانيك؛ أي رحمة بعد رحمة.
والثاني أن معناه اتجاهي وقصدي إليك من قولهم داري تلبُّ دارك؛ أي تحاذيها وتواجهها فكأنه قال أواجهك بما تحب
ج 1 ص 721
مواجهة بعد مواجهة.
والثالث أن معناه محبتي لك، من قول العرب امرأة لبة إذا كانت محبة لولدها عاطفة عليه.
والرابع إخلاصي لك، من قولهم حبيب لباب إذا كان خالصًا محضًا، ومن ذلك لب الطعام ولبابه.
(يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ) هو مثل «لبيك» في الإعراب، وكون تثنيته للتكثير، والمعنى أنا مساعد طاعتك إسعادًا بعد إسعاد (قَالَ) عليه الصلاة والسلام (يَا مُعَاذُ قَالَ) معاذ (لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ ثَلاَثًا) يتعلق بقول كلِّ واحد من النبي صلى الله عليه وسلم ومعاذ؛ يعني أن النداء والإجابة قيلا ثلاث مرات، وصرح بذلك في رواية مسلم.
(قَالَ) صلى الله عليه وسلم (مَا) نافية (مِنْ) زائدة لتأكيد النفي (أَحَدٍ) مجرد لفظًا مرفوع محلًا على أنه اسم «ما» ، وخبرها قوله (يَشْهَدُ أَنْ) مفسرة أو مخففة (لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ) شهادة (صِدْقًا) أو صادقًا، وفيه احتراز عن شهادة المنافق (مِنْ قَلْبِهِ) يجوز أن يتعلق بقوله فالشهادة لفظية، ويجوز أن يتعلق بقوله «يشهد» فالشهادة قلبية.
(إِلاَّ حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ) ؛ استثناء من أعم عام الصفات؛ أي ما أحد يشهد كائنًا بصفة من الصفات إلا بصفة التحريم، ومعنى التحريم المنع وهو مثل قوله حرم الله عليه النار، إذ لا اختلاف إلا في المفهومين وأما المعنيان فمتلازمان.
فإن قيل إن ظاهر الخبر يقتضي عدم دخول جميع من شهد الشهادتين النار لما فيه من التعميم والتأكيد كما هو مذهب المرجئة، وهو يستلزم طيَّ بساط الشريعة والخروج عن الضبط والدخول في الخبط والجسارة على إراقة دماء المسلمين، ونهب أموالهم، ومد الأيدي إلى النساء الأجنبيات، وهو مصادم للأدلة القطعية الدالة على دخول طائفة من عصاة الموحدين النار، ثم خروجهم بالشفاعة منها كما هو مذهب أهل السنة.
فالجواب عنه من وجوه
منها ما قاله الطيبي أن قوله «صدقًا» أقيم هنا مقام الاستقامة، فإن الصدق كما يعبر به عن مطابقة القول المخبَر عنه، يعبر به أيضًا عن تحري الأفعال الكاملة والأخلاق المرضية كما قال تعالى {وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ} [الزمر 33] أي حقق ما أورده قولًا بما تحراه فعلًا، قال ولأجل خفاء ذلك لم يُؤْذَن لمعاذ رضي الله عنه في التبشير به.
ومنها أن هذا مقيد بمن يأتي بالشهادتين
ج 1 ص 722
تائبًا، ثم مات على ذلك.
ومنها أنه خرج مخرج الغالب إذ الغالب أن الموحد يعمل الطاعة ويجتنب المعصية، ومنها أن المراد بتحريمه على النار تحريم خلوده فيها لا أصل دخوله فيها، ومنها أن المراد تحريم جملته؛ لأن النار لا تأكل مواضع السجود من المسلم، وكذا لسانه الناطق بالتوحيد، ومنها أن ذلك لمن قال الكلمة وأدى حقها، وهو قول الحسن وهو قريب من قول الطيبي.
ومنها أن ذلك كان قبل نزول الفرائض والأمر والنهي، وهو قول سعيد بن المسيب وجماعة وفيه نَظَر الحافظُ العسقلاني بأن مثل هذا الحديث وقع لأبي هريرة رضي الله عنه كما رواه مسلم وصحبته متأخِّرة عن نزول أكثر الفرائض، وكذا ورد نحوه من حديث أبي موسى رواه أحمد بإسناد حسن، وكان قدومه في السنة التي قدم فيها أبو هريرة رضي الله عنهما.
وقال محمود العيني (يحتمل أن يكون روياه عن أنس رضي الله عنه بعد نزول أكثر الفرائض، وكان قد رواه [1] أنس رضي الله عنه قبل نزولها فافهم) ، ومنها أنه يحتمل أن يكون المراد النار التي أُعدت للكافرين لا الطبقة التي أفردت لعصاة الموحدين.
(قَالَ) معاذ رضي الله عنه (يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلاَ) ؛ بهمزة الاستفهام الداخلة على مقدر والفاء للعطف عليه والتقدير أقلت ذلك فلا (أُخْبِرُ بِهِ النَّاسَ) وبهذا يندفع ما يقال إن الهمزة تقتضي الصدارة والفاء تقتضي عدمها فكيف جمعهما.
واعلم أن سيبويه ومن تبعه ذهبوا إلى أن همزة الاستفهام إذا كانت في جملة معطوفة بالواو وبالفاء أو بثمَّ قُدِّمت على العاطف؛ تنبيهًا على أصالتها في التصدُّر نحو {أَوَلَمْ يَنْظُرُوا} [الأعراف 185] {أَفَلَمْ يَسِيرُوا} [يوسف 109] {أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آَمَنْتُمْ بِهِ} [يونس 51] بخلاف أخواتها فإنها تتأخر عن حرف العطف كما هو قياس جميع أجزاء الكلمة المعطوفة نحو {وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ} [آل عمران 101] {فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ} [التكوير 26] {فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ} [الأنعام 95] {فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ} [الأحقاف 35] {فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ} [الأنعام 81] {فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ} [النساء 88] .
هذا (فَيَسْتَبْشِرُوا) بحذف النون على تقدير «أن» لوقوعها بعد الفاء المجاب بها بعد النفي أو الاستفهام أو العرض، وفي رواية أبي ذر _ بالنون _ أي فهم يستبشرون، من البشارة، وهي إيصال خبر إلى أحدٍ يظهر أثر السرور منه على بشرته.
(قَالَ) صلى الله عليه وسلم (إِذًا) بالتنوين؛ أي إن أخبرتهم (يَتَّكِلُوا) بتشديد
ج 1 ص 723
التاء الفوقية المفتوحة وكسر الكاف، من الاتكال الذي أصله الأوتكال بمعنى الاعتماد، كأنه قال عليه الصلاة والسلام لا تخبرهم؛ لأنهم حينئذ يعتمدون على الشهادة المجردة فلا يشتغلون بالأعمال الصالحة ولا يجتنبون عن الأعمال السيئة.
وفي رواية الكشميهني والأَصيلي _ بنون ساكنة وكاف مضمومة _ من النكول وهو الامتناع؛ أي يمتنعوا عن العمل اعتمادًا على مجرد التلفظ بالشهادتين لتبادره من ظاهره، وهو ليس بمراد كما عرفت، ومن جعله من النكال الذي بمعنى العقوبة التي تنكل الناس عن فعل ما جعلت له جزاء فقد أبعد.
هذا، وقد روى البزار من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه في هذه القصة أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن لمعاذ رضي الله عنه في التبشير، فلقيه عمر رضي الله عنه فقال لا تعجل ثم دخل فقال يا نبي الله أنت أفضل رأيًا إن الناس إذا سمعوا ذلك اتكلوا عليها قال فردوه فرَّده، وهذا معدود من موافقات عمر رضي الله عنه، ويستفاد منه جواز الاجتهاد بحضرته صلى الله عليه وسلم.
(وَأَخْبَرَ بِهَا) أي بهذه البشارة (مُعَاذٌ عِنْدَ مَوْتِهِ) أي موت معاذ رضي الله عنه، ويؤيده ما رواه أحمد بسند صحيح عن جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه قال أخبرني من شهد معاذًا حين حضرته الوفاة يقول سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثًا لم يمنعني أن أحدثكموه إلا مخافة أن تتكلوا فذكره.
أو موت النبي صلى الله عليه وسلم والعندية على هذا الاحتمال باعتبار التأخر عن الموت بخلاف الاحتمال الأول، فإنها باعتبار التقدم على الموت، ولا تنافي بين حديث الكتاب على احتمال رجوع الضمير إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وبين ما رواه أحمد لاحتمال أن يكون أخبر به ناسًا عند موت النبي والآخرين عند موته رضي الله عنه.
(تَأَثُّمًا) مفعول له لقوله و «أخبر بها» ، وهو _ بفتح التاء المثناة الفوقية والهمزة وضم الثاء المثلثة المشددة _ مصدر تأثم؛ أي فعل فعلًا خرج به عن الإثم ومحصله التجنب عن الإثم وخشية الوقوع فيه والإثم هنا كتمان ما أمر الله بتبليغه حيث قال {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ} [آل عمران 187] .
ثم إن هذا القول مدرج من أنس رضي الله عنه جوابًا عن سؤال مقدَّر كأن قائلًا قال لم خالف معاذ قول النبي صلى الله عليه وسلم وأخبر به الناس؟، فأجاب بأنه تجنَّب عن إثم كتمان العلم، فإن قيل هب أنه تأثم من الكتمان فكيف لم يتأثم من مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فالجواب أن صنيع معاذ رضي الله
ج 1 ص 724
عنه دل على أنه عرف أن النهي عن التبشير كان على التنزيه لا على التحريم، وإلا لما كان يخبر به أصلًا، أو عرف أن النهي مقيد بالاتكال والاعتماد على مجرد الشهادة، والقوم حينئذ كانوا حديثي العهد بالإسلام، فلما استقاموا وثبتوا وكانوا حريصين على العبادة حيث علموا أن عبادة الله تزيد تقربًا إليه تعالى أخبرهم بذلك، أو عرف أن المنع لم يكن إلا من العوام؛ لأنه من الأسرار الإلهية لا يجوز كشفها إلا للخواص خوفًا من أن يسمع بها من لا علم له فيتَّكل عليه، ولهذا لم يخبر النبي صلى الله عليه وسلم إلا من أمن عليه الاتكال من أهل المعرفة، فسلك معاذ أيضًا هذا المسلك حيث أخبر به من الخواص من رآه أهلًا لذلك، ولا يبعد أن يكون نداء رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذًا ثلاث مرات للتوقف في إفشاء السر [2] .
وقال القاضي عياض (لعل معاذًا لم يفهم النهي لكن كُسِرَ عزمُه عما عَرَض له من تبشيرهم) ، وتعقبه الحافظ العسقلاني (بأن الرواية الآتية [خ¦129] صريحة في النهي ويُضعَّف الثاني أنه أخَّر الإخبار به إلى وقت موته) .
والثالث أيضًا ما أخرجه أحمد من وجه آخر وإن كان فيه انقطاع عن معاذ أنه لما حضرته الوفاة قال أدخلوا عليَّ الناس فأُدخلوا عليه، فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (( من مات لا يشرك بالله شيئًا جعله الله في الجنة، وما كنت أحدثكموه إلا عند الموت، وشاهدي على ذلك أبو الدرداء، فقال صدق أخي وما كان يحدثكم به إلا عند موته ) ).
وقد وقع لأبي أيوب مثل ذلك، ففي المسند من طريق أبي ظبيان أن أبا أيوب غزا الروم فمرض فلما احتضر قال سأحدثكم حديثًا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لولا حالي هذه ما حدثتكموه سمعته يقول (( من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة ) ).
ويقوي الأول أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أبا هريرة رضي الله عنه أن يبشِّر الناس بذلك، فلقيه عمر رضي الله عنه فدفعه وقال ارجع يا أبا هريرة ودخل على أثره فقال يا رسول الله لا تفعل فإني أخشى أن يتَّكل الناس فخَلِّهم يعملون، فقال فخَلِّهم، أخرجه مسلم، فكان قوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ «إذًا يتكلوا» بعد قصة أبي هريرة رضي الله عنه فكان النهي للمصلحة لا للتحريم،
ج 1 ص 725
فلذلك أخبر به معاذ عند موته لعموم الآية بالتبليغ.
ومن فوائد هذا الحديث أنه يجوز أن يُخصَّ بالعلم قوم فيهم الضبط وصحة الفهم ولا يبذل المعنى اللطيف لمن لا يستأهله من الطلبة، ويخاف عليه الترخص والاتكال لقصور فهمه، ومنها جواز الإرداف وركوب الاثنين على دابة واحدة، ومنها تواضع النبي صلى الله عليه وسلم، ومنها منزلة معاذ رضي الله عنه في العلم وعِزَّته عند رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه خصه بما ذكر، ومنها تكرار الكلام لنكتة وقصد معنًى، ومنها جواز الاستفسار من الإمام عما يتردد فيه، واستئذانه في إشاعة ما يعلم به وحده، ومنها الإجابة بلبيك وسعديك، ومنها البشارة العظيمة للموحدين.
ثم مطابقة الحديث للترجمة من حيث إنه خَصَّ معاذًا بهذه البشارة العظيمة دون قوم آخرين؛ مخافة أن يقصِّروا في العمل متَّكلين على هذه البشارة، لا يُقال ترجمةُ الباب تخصيص قوم، وما في الحديث تخصيص شخص واحد وهو معاذ؛ لأن المقصود جواز التخصيص سواء كان بشخص أو أكثر واختلاف العبارة سهل، أو أن معاذًا كان أمة قانتًا لله حنيفًا.
وقيل لابن مسعود رضي الله عنه يا أبا عبد الرحمن إن إبراهيم كان أمة فقال إنا كنا نشبه معاذًا بإبراهيم عليه السلام، على أنه قيل ليس مخصوصًا بشخص؛ لأن أنسًا رضي الله عنه أيضًا سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم كما دلَّ عليه السياق، وأقلُّ اسم الجمع اثنان.
[1] (( من قوله عن أنس ... إلى قوله قد رواه ) )ليس في (خ) .
[2] كذا ولو عبر بقوله إليه لكان أفصح.