فهرس الكتاب

الصفحة 229 من 11127

130 - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلاَمٍ) بتخفيف اللام على الأكثر البيكندي، وقد مر في باب قول النبي صلى الله عليه وسلم «أنا أعلمكم بالله» [خ¦20] (قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم _ بمعجمتين _ الضرير التميمي، وقد تقدم في باب «المسلم من سلم المسلمون» [خ¦10] (قَالَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ) وفي رواية (عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزبير بن العوام، وقد مر ذكرهما في باب «الوحي» [خ¦2] .

(عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ) وفي رواية (أُمِّ سَلَمَةَ) وهي زينب بنت أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد المخزومي، ونسبت إلى الأم التي هي أم المؤمنين بيانًا لشرفها بأنها ربيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإشعارًا بأن روايتها عن أمها، واسمها كان برة فغيره النبي صلى الله عليه وسلم إلى زينب، وكانت من أفقه

ج 1 ص 729

نساء زمانها، ولدتها أمها بأرض الحبشة وقَدِمت بها، روى لها البخاري حديثًا واحدًا ومسلم آخر، توفيت سنة ثلاث وسبعين، روى لها الجماعة.

(عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ) هند بنت أبي أمية زوج النبي صلى الله عليه وسلم، قيل هي أول ظعينة دخلت المدينة مهاجرة، ومات أبو سلمة سنة أربع فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد تقدم ذكرها في باب «العلم والعظة بالليل» [خ¦115] ، وفي هذا الإسناد رواية تابعي عن مثله، ورواية صحابية عن صحابية، ورواية الابن عن أبيه والبنت عن أمها.

وقد أخرج متنه المؤلف في «الطهارة» [خ¦282] وفي «الأدب» [خ¦6091] وفي «خلق آدم» [خ¦3328] ، وأخرجه مسلم في «الطهارة» ، والترمذي فيها أيضًا وقال حسن صحيح، وكذا أخرجه ابن ماجه، وأبو داود فيها أيضًا.

(قَالَتْ) أي إنها قالت (جَاءَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ) بضم المهملة وفتح اللام، بنت مِلْحان _ بكسر الميم وسكون اللام وبالحاء المهملة وبالنون _ النجارية الأنصارية اسمها سهلة أو رُميلة أو رُميثة بالراء فيهما وبالمثلثة في الثاني، أو مُليكة أو الغُميصاء أو الرُّميصاء بالصاد المهملة فيهما والخمسة الأخيرة بصيغة التصغير، تزوَّجها مالك بن النضر بالضاد المعجمة، أبو أنس بن مالك فولدت له أنسًا، ثم قُتِل عنها مشركًا، فأسلمت فخطبها أبو طلحة وهو مشرك فأبت ودعته إلى الإسلام فأسلم فقالت إني أتزوجك ولا آخذ منك صداقًا لإسلامك فتزوجها أبو طلحة، رُوي لها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة عشر حديثًا، أخرج البخاري منها ثلاثة، وأخرج مسلم حديثين واتفقا على واحد، روى لها الجماعة سوى ابن ماجه.

(إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ) ؛ أي إن الله تعالى لا يمتنع من بيان الحق، فكذا أنا لا أمتنع من سؤالي عما أنا محتاجة إليه في ديني مما يستحيي النساء في العادة من السؤال عنه، وإنما فسر الاستحياء به؛ لأن الحياء لكونه تغيّرًا وانكسارًا يعتري الإنسان من خوف ما يعاب به، أو يذم محالٌ على الله تعالى فيكون جاريًا على سبيل الاستعارة التبعية كما في حديث سلمان قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( إن الله حيي كريم يستحيي إذا رفع العبد يديه أن يردهما صفرًا حتى يضع فيهما خيرًا ) )، شبه

ج 1 ص 730

ترك الله تخييب العبد وَردِّ يديه إليه صفرًا بترك الكريم ردَّ المحتاجِ حياءً، فأطلق الحياء ثمه كما أطلق هاهنا، فكذلك استعير ترك المستحيي لترك الحق ثم نفى عنه.

وإنما قدَّمت أم سُليم رضي الله عنها هذه المقالة بسطًا لعذرها في ذكر ما يستحيي النساء من ذكره عادة بحضرة الرجال؛ لأن نزول المني منهن يدل على شدة شهوتهن للرجال، ولهذا قالت عائشة رضي الله عنها «فضحكت النساء» ، كما في رواية مسلم كما سيأتي قريبًا إن شاء الله تعالى.

(فَهَلْ) يجب (عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ غُسْلٍ) بضم الغين وفي رواية _ بفتحها _ وهما مصدران عند أكثر أهل اللغة، وقال الآخرون _ بالضم _ الاسم _ وبالفتح _ المصدر، وأما الغِسل _ بالكسر _ فهو اسم ما يغسل به وكلمة (( من ) )زائدة.

(إِذَا احْتَلَمَتْ) أي رأت في منامها أنها تجامَع، مشتق من الحلم _ بالضم _ وهو ما يراه النائم، تقول منه حَلم بالفتح واحتلم، تقول حلمت بكذا وحلمته أيضًا، والحِلم _ بالكسر _ الإناءة تقول منه حَلُم الرجل _ بالضم _ وتحلم؛ أي تكلف الحِلم _ بالكسر _ ويقال أيضًا تحلَّم إذا ادعى الرؤيا كاذبًا.

(قَالَ) وفي رواية (النَّبِيُّ) وفي رواية (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) عليها غسل (إِذَا) حين (رَأَتِ) من رؤية العين (الْمَاءَ) أي المني إذا استيقظت وانتبهت، فعلى هذا لو رأى النائم أنه يجامع وأنه قد أنزل ثم استيقظ فلم ير شيئًا فلا غسل عليه.

(فَغَطَّتْ أُمُّ سَلَمَةَ) الظاهر أن هذا من كلام زينب فالحديث ملفق من رواية صحابيتين، ويحتمل أن يكون من كلام أمِّ سلمة على سبيل الالتفات؛ كأنها جردت من نفسها شخصًا فأسندت إليه التغطية، إذ أصل الكلام (فغطيت وجهي وقلت يا رسول الله) .

(تَعْنِي وَجْهَهَا) ؛ بالمثناة الفوقية وفاعله زينب، والظاهر أن هذا الإدراج من عروة، ويحتمل أن يكون من راوٍ آخر فهو إدراج في إدراج، وعند مسلم من حديث أنس رضي الله عنه أن ذلك رُفِعَ لعائشة رضي الله عنها فيحتمل حضورهما معًا في هذه القصة، فافهم.

(وَقَالَتْ) ؛ أم سلمة (يَا رَسُولَ اللَّهِ وَتَحْتَلِمُ الْمَرْأَةُ؟!) بحذف همزة الاستفهام، وفي رواية بإثباتها عطفًا على مقدر يقتضيه السياق أي أتقول ذلك أو ترى المرأة الماء وتحتلم (قَالَ) صلى الله عليه وسلم (نَعَمْ) تحتلم وترى الماء (تَرِبَتْ يَمِينُكِ) بكسر الراء من ترب الرجل إذا افتقر؛ أي لصق بالتراب

ج 1 ص 731

وأترب إذا استغنى، وهذه الكلمة جارية على ألسنة العرب لا يريدون بها الدعاء على المخاطب ولا وقوع الأمر بها كما يقولون قاتله الله، ولا أب لك، ولا أم لك، ولا أرض لك، ونحو ذلك، يقولونها عند إنكار الشيء أو الزجر عنه أو الذم عليه أو الحث عليه أو الإعجاب به، حسبما يقتضيه الحال والمقام على ما ذكره القاضي عياض.

قال الهروي ومنه قوله في حديث خزيمة (أنعم صباحًا تربت يداك) ، أراد الدعاء له لا الدعاء عليه، قيل ولذوي الألباب في هذا الباب أن ينظروا إلى اللفظ وقائله، فإن كان وليًا فهو الولاء وإن خشن، وإن كان عدوًا فهو البلاء وإن حسن، وقال بعضهم هو دعاء على الحقيقة وليس بصحيح.

(فَبِمَ) بحذف ألف «ما» الاستفهامية؛ أي فبسبب أي شيء (يُشْبِهُهَا وَلَدُهَا) وفي «الصحيح» من حديث أنس رضي الله عنه «فمن أين يكون الشبه؟ ماءُ الرجل غليظ أبيض وماء المرأة رقيق أصفر، فمن أيهما علا أو سبق يكون منه الشبه» ؟

وفي حديث عائشة رضي الله عنها «وهل يكون الشبه إلا من قِبَل ذلك إذا علا ماؤها ماء الرجل أشبه الولد أخواله، وإذا علا ماء الرجل ماؤها أشبه أعمامه» .

والمعنى أن الولد لا يشبه الأم إلا من جهة الماء بأن يغلب ماء الرجل، أو يسبقه عند الجماع، ومن كان منه إنزال الماء عند المجامعة أمكن منه إنزال الماء عند الاحتلام، واعلم أنه جاء عن جماعة من الصحابيات أنهن سألن كسؤال أم سلمة، فمنهن خولة بنت حكيم أخرجه ابن ماجه، وفي إسناده علي بن يزيد بن جدعان، وبُسرة ذكره ابن أبي شيبة، وسهلة بنت سُهيل رواه الطبراني في «الأوسط» ، وفي إسناده ابن لهيعة، والأحاديث فيه عن أم سلمة وعائشة وأنس رضي الله عنهم، ولم يخرج المؤلف غير حديث أم سلمة، وأما مسلم فأخرج أحاديث الثلاثة.

فحديث أنس رضي الله عنه جاءت أم سُليم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت له _ وعائشة رضي الله عنها عنده _ (يا رسول الله المرأة ترى ما يَرى الرجل في المنام فترى من نفسها ما يرى الرجل من نفسه؟ فقالت عائشة «فضحت النساء تربت يمينك» ) .

وحديث عائشة رضي الله عنها رواه عنها عروة أنها أخبرته أن أم سُليم دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر الحديث

ج 1 ص 732

وفيه قالت عائشة رضي الله عنها فقلت لها «أفٍّ لك أترى المرأة ذلك» .

ومن فوائد هذا الحديث ترك الاستحياء لمن عَرضت له مسألة، ومنها أن المرأة تحتلم إلا أن ذلك نادر في النساء ولذلك أنكرته أم سلمة، كذا قيل، لكن الجواب يدل على أنها إنما أنكرت وجود المني من أصله كما لا يخفى، ومنها أن للمرأة ماء كما للرجل، ومنها وجوب الغسل على المرأة إذا وجدت الماء، وكذلك حكم الرجل يعني لا يجب عليه الغسل بمجرد الاحتلام بل لابد من رؤية الماء؛ لأن حكمه صلى الله عليه وسلم على واحد كحكمه على الجماعة إلا إذا دلَّ دليل على تخصيصه به، ومنها إثبات القياس وإلحاق النظير بالنظير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت