1461 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسي، قال (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يَقُولُ كَانَ أَبُو طَلْحَةَ) زيد بن سهل الأنصاري رضي الله عنه.
(أَكْثَرَ الأَنْصَارِ بِالْمَدِينَةِ مَالًا) بنصب أكثر على أنَّه خبر كان ومالًا تمييز؛ أي من حيث المال (مِنْ نَخْلٍ) بيان للمال (وَكَانَ أَحَبَّ أَمْوَالِهِ إِلَيْهِ) بنصب أحبَّ خبر كان وقوله (بَيْرُحَاءُ) بالرفع اسمها، ويُروى برفع أحبَّ ونصب بيرحاء، لكن قال الزَّركشي وغيره إنَّ الأوَّل أحسن؛ لأنَّ المحدَّث عنه البئر، فينبغي أن يكون هو الاسم. وقد اختلف في ضبط بيرحاء فيروى بفتح الموحدة وكسرها، وبفتح الراء وضمِّها وبالمد والقصر، وفي رواية حمَّاد (( بَرِيحاء ) )بفتح أوله وكسر الراء وتقديمها على الياء، وفي «سنن أبي داود» (( بأريحاء ) )مثله لكن بزيادة ألف.
وقال الباجي أفصحها بفتح الباء وسكون الياء وفتح الراء مقصورًا، وكذا جزم به الصَّغاني، وقال إنه فيعلًا من البراح. قال ومن ذَكَرَه بكسر الموحدة، وظنَّ أنها بئرٌ من آبار المدينة فقد صحَّف.
وقال القاضي عياض بفتح الباء
ج 7 ص 188
والراء وبضمها مع كسر الباء، ومنهم مَن قال مَنْ رَفَعَ الراءَ وألزمها حكم الإعراب فقد أخطأ. وقال بالرَّفع قرأناه على شيوخنا بالأندلس، والرِّواياتُ فيه القصر وروينا أيضًا بالمدِّ، وهو حائطٌ سمِّي بهذا الاسم وليس اسم بئر.
وقال التَّيمي هو بالرفع اسم كان وأحبَّ خبره، ويجوز العكس وحا مقصور. ويجوز أن يمد في اللُّغة يقال هذه «حاء» بالقصر والمدِّ، وقد جاء في اسم قبيلة.
وبيرحاء بستانٌ، وكانت بساتين المدينة تدعى بالآبار الَّتي فيها؛ أي البستان الَّذي فيه بئرحاء أضيف البئر إلى حاء.
ويروى (( بَيْرَحا ) )بفتح الموحدة وسكون التحتانية وفتح الراء مقصورًا، ولا يتيسَّر فيه الإعراب فيكون كلمة واحدة لا تركيبًا إضافيًا، وقال ابن التِّين قيل حاء اسم امرأةٍ، وقيل اسم موضع وهو ممدودٌ ويجوز قصره.
وفي «معجم أبي عبيد» حاء على لفظ حرف الهجاء موضع بالشَّام، وحاء آخر موضع بالمدينة وهو الَّذي ينسب إليه بئرحاء. وقيل سمِّيت بئرحاء؛ بزجر الإبل عنها وذلك أنَّ الإبل إذا زجرت عن الماء، وقد رويت يقال حا حا.
والحاصل أنَّ فيه، في هذا الحديث، ثمانية عشر وجهًا بِيرُحاء بكسر الموحدة وضم الراء اسم كان، وبفتحها خبرها، مع الهمزة الساكنة بعد الموحدة، وإبدالها ياء، وبمدِّ حاء مصروفًا وغير مصروف، لأنَّ تأنيثه معنوي كهند، وبقصرها فهي اثنا عشر وجهًا. وبَيْرحاء بفتح الموحدة وسكون التحتية من غير همزٍ، وفتح الراء وضمها، خبر كان أو اسمها، ومد حاء مصروفًا وغير مصروف فهي ستَّة اثنان منها مع القصر على أنه اسم مقصور لا تركيب فيه فيعرب كسائر المقصور.
وصوَّب الصَّغاني والزَّمخشري والمجد الشِّيرازي منها فتح الموحَّدة والراء على سائرها من الممدود والمقصور، بل قال الباجي إنَّها المصحَّحة على أبي ذرٍّ وغيره، والله أعلم.
(وَكَانَتْ) أي بيرحاء (مُسْتَقْبِلَةَ الْمَسْجِدِ) النبوي؛ أي مقابلته قريبةٌ منه، وقال النَّووي وهذا الموضع يعرف بقصر بني جَدِيلة، بفتح الجيم وكسر الدال المهملة، قبلي المسجد.
وفي «التَّلويح» هو موضعٌ بقرب المسجد يعرف بقصر بني حُدَيلة وضبطها بالكتابة، بضم الحاء المهملة وفتح الدال المهملة، قال العيني والصَّواب الجيم.
(وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْخُلُهَا، وَيَشْرَبُ
ج 7 ص 189
مِنْ مَاءٍ فِيهَا) أي في بئرحاء (طَيِّبٍ) بالجر صفةً للماء (قَالَ أَنَسٌ فَلَمَّا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ} ) أي لن تبلغوا حقيقة البرِّ الذي هو كمال الخير، ولن تكونوا أبرارًا، ولن تنالوا برَّ الله الذي هو الرَّحمة والرِّضا والجنَّة. وعن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما في رواية أبي صالحٍ عنه «لن تنالوا ما عند الله من ثوابه في الجنَّة» . وقال الضحَّاك يعني لن تدخلوا الجنَّة.
( {حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} ) أي حتَّى تكون نفقتكم من أموالكم الَّتي تحبُّونها وتؤثرونها، كقوله تعالى {أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ} الآية [البقرة 267] .
وعن الضحَّاك حتَّى تُخْرِجوا زكاة أموالكم طيَّبة بها أنفسكم، وقيل المعنى من بعض ما تحبُّون من المال أو ما يعمُّه وغيره كبذل الجاه في معاونة النَّاس، والبدن في طاعة الله، والمهجة في سبيل الله. وكان السَّلف رحمهم الله إذا أحبُّوا شيئًا جعلوه لله.
روي عن زيد بن حارثة أنَّه جاء بفرس له كان يحبها، فقال هذه في سبيل الله فحمل عليها رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أسامة بن زيد رضي الله عنهما فكأنَّ زيدًا وجد في نفسه، وقال إنَّما أردت أن أتصدَّق به فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( أما إنَّ الله تعالى قد قبلها منك ) ).
وكتب عمر رضي الله عنه إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن يبتاع له جاريةً من سبي جلولاء يوم فتحت مدائن كسرى فلمَّا جاءت أعجبته، فقال إن الله تعالى يقول {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} الآية [آل عمران 92] فأعتقها.
ونزل بأبي ذرٍّ رضي الله عنه ضيف فقال للرَّاعي ائتني بخير إبلي فجاء بناقةٍ مهزولة، فقال خنتني قال وجدت خير الإبل فحلها فذكرت يوم حاجتكم إليه فقال إنَّ يوم حاجتي ليوم أوضع في حفرتي.
وروي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنَّه اشترى جاريةً جميلة وهو يحبُّها فمكثت عنده أيامًا فأعتقها فزوَّجها من رجلٍ فوُلِدَ له منها ولد، فكان يأخذ ولدها ويضمه إلى نفسه فيقول إنِّي أشم منك ريح أمَّك، فقيل له قد كان رزقك الله من حلالٍ، وأنت تحبها فَلِمَ تركتها، فقال ألم تسمع هذه الآية {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} الآية [آل عمران 92] .
وروي عن عمر بن عبد العزيز أنَّه كان يشتري أعدالًا من السكر ويتصدَّق فقيل له هلا تصدَّقت بثمنه، فقال لأنَّ السكر أحبَّ إلي فأردت أن أنفق ممَّا أحب.
وفي رواية عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما أن هذه الآية منسوخة نسختها آية الزَّكاة.
(قَامَ
ج 7 ص 190
أَبُو طَلْحَةَ) رضي الله عنه منتهيًا (إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ) وفيه أنَّه يجوز أن يقال إنَّ الله تعالى يقول كما يقال إنَّ الله قال، خلافًا لما قاله مطرف بن عبد الله بن الشخير، إذ هو قال لا يقال الله يقول، إنَّما يقال قال الله أو الله يقول، كأنَّه ينحو إلى استئناف القول. وقول الله قديمٌ، وكأنَّه ذهل عن قوله تعالى {وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ} الآية [الأحزاب 4] .
( {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي إِلَيَّ بَيْرُحَاءَ، وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ لِلَّهِ أَرْجُو بِرَّهَا) أي خيرها، والبر اسمٌ جامع لأنواع الخيرات والطَّاعات، ويقال أرجو ثواب برها (وَذُخْرَهَا) بضم الذال المعجمة؛ أي أقدِّمها فأدخرها لأجدها (عِنْدَ اللَّهِ، فَضَعْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ حَيْثُ أَرَاكَ اللَّهُ) فوَّض تعيين مصرفها إليه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (قَالَ) أي أنس رضي الله عنه (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَخْ) بفتح الموحدة وسكون المعجمة، كهَلْ وبل غير مكرَّرة هنا وتُكَرَّر للمبالغة. فإن وصلت خُفِّفت ونُوِّنَتْ وربما شُدِّدَتْ كالاسم، كلمة تُقال عند المدح والإعجاب بالشَّيء والرضا به والفخر.
وقال في «القاموس» قل في الإفراد بَخْ ساكنة، وبخِ مكسورة، وبخُ مضمومة، وتكرَّر بخٍ بخْ للمبالغة؛ الأولى منوَّنة، والثانية مسكنة، ويقال بخْ بخْ مسكنين، وبخٍ بخٍ منونين، وبخٍّ بخٍّ مشدَّدين. انتهى.
وقال القاضي حكي الكسر بلا تنوينٍ وروي بالرفع، وإذا كُرِّرت فالاختيار تحريك الأوَّل منونًا وإسكان الثاني. وقال ابن دريدٍ معناه تعظيم الأمر وتفخيمه، وسكون الخاء فيه كسكون اللام في هلْ وبل، ومَنْ نوَّن شبَّهه بالأصوات كصهْ ومهْ. وقال ابن التين هي كلمةٌ تقولها العرب عند المدح والمحمدة. وقال القزاز هي كلمة يقولها المفْتَخر عند ذكر الشَّيء العظيم، وكلها متقاربةٌ في المعنى.
(ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ، ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ) بالموحدة فيهما؛ أي ذو ربح كلَابِنٍ وتامرٍ؛ أي ذو لبنٍ وذو تمرٍ؛ أي يربح فيه صاحبه في الآخرة، أو مال مربوح فاعل بمعنى مفعول. قال ابن قُرقول وروي بالياء المثناة التحتية، من الرَّواح، كما في رواية يحيى الآتية، يعني يروح عليه أجره.
قال ابن بطَّال والمعنى؛ أي مسافته قريبةٌ يصل نفعه كل رواح، لا يحتاج أن يتكلَّف فيه إلى مشقة سير، وذلك أنفس الأموال، وقيل معناه يروح بالأجر ويغدو به
ج 7 ص 191
واكتفى بالرَّواح عن الغدو لعلم السامع. ويقال معناه إنَّه رائح؛ يعني من شأنه الرَّواح؛ أي الذهاب والفوات فإذا ذهب في الخير فهو أولى.
قال القاضي وهو روايةُ يحيى بن يحيى وجماعة، ورواية أبي مصعب وغيره بالموحدة. وقال ابن قُرقول بل الذي رويناه ليحيى بالموحدة، وهو كذا في مسلم.
وفي «التَّلويح» يحيى، الَّذي أشار إليه ابن قُرقول يحيى اللَّيثي المغربي، ويحيى الَّذي في البخاري هو النِّيسابوري.
وقال أبو العبَّاس الدَّاني في كتاب «أطراف الموطَّأ» في رواية يحيى الأندلسي بالباء الموحدة، قال وتابعه روح بن عبادة وغيره، وقال يحيى بن يحيى النِّيسابوري وإسماعيل وابن وهبٍ وغيرهم رائح بالهمز من الرَّواح، وشكَّ القَعْنبي فيه. وقال الإسماعيلي مَن قال رايح، بالياء التحتانية، فقد صحَّف والله أعلم.
(وَقَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ) بضم التاء في الأوَّل وفتحها في الثاني. وقد بوَّب عليه البخاري في الوكالة، باب إذا قال الرَّجل لوكيله ضعه حيث أراك الله، وقال الوكيل قد سمعت [خ¦2318] .
وقال المهلَّب دلَّ على قبوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما جعل إليه أبو طلحة من الرأي في وضْعِها، ثمَّ ردَّ الوضع فيها إلى أبي طلحة، فقال
(وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الأَقْرَبِينَ فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ) برفع لام أفعل فعلًا مستقبلًا، قاله السَّفاقسي. وقال النَّووي يُحتمل أن يقول افعل أنت ذاك، فقد أمضيته على ما قلت فجعله أمرًا، والظَّاهر هو الأوَّل كما لا يخفى.
(فَقَسَمَهَا) أي بيرحاء (أَبُو طَلْحَةَ فِي أَقَارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ) الأقارب، جمع الأقرب، وقالت الفقهاء لو قال وقفت على قرابتي يتناول الواحد والجمع. يُقال هو قرابتي وهم قرابتي، والفصيح ذو قرابتي للواحد، وذوا قرابتي للاثنين، وذووا قرابتي للجمع، والقرابة والقربى في الرَّحم، والقرابة مصدر، تقول بيني وبينه قرابة وهو قريبي وذو قرابتي، وهم أقربائي وأقاربي، والعامة تقول هو قرابتي وهم قراباتي وأقاربي [1] .
وقوله وبني عمِّه من عطف الخاصِّ على العامِّ، وهذا يدلُّ على أنَّ إنفاق أحبِّ الأموال على أقرب الأقارب أفضل، وأنَّ الآية تعمُّ الإنفاق الواجب والمستحب.
وفي الحديث أنَّ الرجل الصالح قد يُضاف إليه حبُّ المال، وقد يضيفه هو إلى نفسه، وليس في ذلك نقيصة عليه، وفيه اتِّخاذ البساتين والعقار.
وقال ابن عبد البر ففيه ردٌّ لما يروى عن ابن مسعودٍ رضي الله عنه أنه قال «لا تتَّخذوا الضَّيعة فترغبوا في الدُّنيا» . وفيه إباحة دخول العلماء البساتين. وفيه دخول الشَّارع حوائط أصحابه وشربه من مائها العذْب، وفيه أنَّ
ج 7 ص 192
كَسْبَ العقار مباح إذا كان من حلال ولم يكن بسبب ذلٍّ وصغار؛ فإنَّ ابن عمر رضي الله عنهما كره كسب أرض الخراج ولم ير شراءها، وقال «لا تجعل في عنقك صَغَارًا» . وفيه إباحة الشُّرب من ماء الصَّدِيق، وكذا الأكل من ثماره وطعامه، قال أبو عمر إذا علم أنَّ نفس صاحبه تطيب بذلك. وفيه استعمالُ ظاهر الخطاب وعمومه؛ ألا ترى أنَّ أبا طلحة حين سمع {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ} . لم يحتج أن يقف حتى يرد عليه البيان عن الشَّيء الذي يريد الله عز وجل أن يُنفق عباده منه، إمَّا بآية أو سنَّة.
وفيه مشاورة أهل العلم والفضل في كيفيَّة وجوه الطَّاعات وغيرها والإنفاق من المحبوب. وفيه أنَّ الوقف صحيحٌ وإن لم يذكر سبيله، وهو الَّذي بوَّب عليه البخاري في الوصايا. وفيه أنَّ الوكالة لا تتمُّ إلا بالقبول، وفيه أنَّ أبا طلحة هو الَّذي قسمها في أقاربه وبني عمِّه.
وقد ذكر إسماعيل القاضي في «المبسوط» عن القعنبي بسنده أنَّ النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قسمها في أقارب أبي طلحة وبني عمه، لا خلاف في ذلك.
وقال أبو عمر هو المحفوظ عند العلماء، ولكنَّ هذا خلاف ما ذكر هنا، ويُحتمل أنه أضيف إلى النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأنَّه الآمر به. وفيه في قوله «فضعها يا رسول الله حيث أراك الله» جواز أمر الرَّجل لغيره أن يتصدَّق عنه أو يقف عنه، وكذلك إذا قال لآخر خُذ هذا المال فاجعله حيث أراك الله من وجوه الخير.
وقال مالك في هذا لا يأخذ منه شيئًا وإن كان فقيرًا، وقال غيره جاز له أن يأخذ كله إذا كان فقيرًا. وفيه صحَّة الصَّدقة المطلقة والحبس المطلق، وهو الَّذي لم يعيَّن مصرفه ثمَّ بعد ذلك يعيَّن.
وفيه جواز أن يعطي الواحد من الصَّدقة فوق مائتي درهم، لأنَّ هذا الحائط مشهورٌ أنَّ ريعه يحصل للواحد منه أكثر من ذلك، قاله القرطبي. ولا فرق بين فرض الصَّدقة ونفلها في مقدار ما يجوز إعطاؤه للمتصدِّق عليه، فيما قاله الخطَّابي.
وفيه أنَّ الصَّدقة إذا كانت جزلةً مُدِحَ صاحبُها؛ لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «بخ ذلك مالٌ رابح» [2] . وفيه أنَّ الصَّدقة على الأقارب وضعفاء الأهلين أفضل منها على سائر النَّاس إذا كانت صدقة تطوُّع.
ويدلُّ على ذلك
ج 7 ص 193
قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( لك أجران أجر القربة والصَّدقة ) )، وقال لميمونة رضي الله عنها حين أعتقت جاريةً لها (( أما إنَّك لو أعطيتها أخوالك كان أعظم لأجرك ) )ذكره البخاري في الهبة [خ¦2592] .
(تَابَعَهُ) أي تابع عبد الله بن يوسف (رَوْحٌ) بفتح الراء وسكون الواو وبالمهملة، هو ابن عُبادة البصري عن مالك في قوله رابح، بالموحدة، ووصل المؤلِّف هذه المتابعة في كتاب البيوع (وَقَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) أبو زكريا النِّيسابوري كما تقدم وصله المؤلِّف في الوكالة [خ¦2318] ، وعزاه مُغلطاي لتخريج الدَّارقطني فأبعد (وَإِسْمَاعِيلُ) هو ابن أبي أويسٍ ابن أخت مالك الإمام، وصله المؤلِّف في التفسير كلاهما [خ¦4554] (عَنْ مَالِكٍ رَايِحٌ) بالمثناة التحتية بدل الموحدة. وقد تقدَّم تحقيقه وتفسيره.
وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف في الوصايا [خ¦2752] ، والوكالة [خ¦2318] ، والأشربة [خ¦5611] ، والتفسير أيضًا [خ¦4554] ، وأخرجه مسلم في الزَّكاة، والنَّسائي في التَّفسير.
[1] قوله (( والعامة تقول هو قرابتي وهم قراباتي وأقاربي ) )ليس في (خ) .
[2] من قوله (( وفيه أنَّ الصدقة ... إلى قوله مال رابح ) )ليس في (خ) .