1463 - (حَدَّثَنَا آدَمُ) هو ابن أبي إياسٍ، قال (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) أي ابن الحجَّاج، قال (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ قَالَ سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ) بفتح المثناة التحتية وبالمهملة المخففة (عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ) بكسر العين المهملة وتخفيف الراء.
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ) وخصَّ المسلم وإن كان الصَّحيح عند الأصوليين والفقهاء تكليف الكافر بالفروع؛ لأنَّه ما دام كافرًا لا يجب عليه الإخراج حتَّى يُسلِم، وإذا أسلم سقطت؛ لأنَّ الإسلام يجبُّ ما قبله، ذكره القسطلاني فافهم.
(فِي فَرَسِهِ وَغُلاَمِهِ) أي عبده (صَدَقَةٌ) استدلَّ بهذا الحديث وأمثاله سعيد بن المسيَّب، وعمر بن عبد العزيز، ومكحول، وعطاء، والشَّعبي، والحسن، والحكم، وابن سيرين، والثَّوري، والزُّهري، ومالك، والشَّافعي، وأحمد، وإسحاق وأهل الظَّاهر، فقالوا لا زكاة في الخيل أصلًا. وممَّن قال بقولهم أبو يوسف ومحمَّد من أصحابنا.
وقال التِّرمذي والعمل عليه عند أهل العلم أنَّه ليس في الخيل السَّائمة صدقةٌ، ولا في الرَّقيق إذا كانوا للخدمة صدقة إلَّا أن يكونوا
ج 7 ص 200
للتِّجارة، فإذا كانوا للتِّجارة ففي أثمانهم الزَّكاة إذا حال عليهم الحول.
وقال إبراهيم النَّخعي، وحمَّاد بن أبي سليمان، وأبو حنيفة وزفر تجب الزَّكاة في الخيل المتناسلة. وذكر شمس الأئمة السرخسيُّ أنَّه مذهب زيد بن ثابت رضي الله عنه من الصَّحابة. واحتجُّوا بما رواه مسلم مطوَّلًا من حديث سهيل بن أبي صالحٍ، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( ما مِن صاحب كنزٍ لا يؤدي زكاته إلَّا أحمي عليه في نار جهنَّم ) )الحديث.
وفيه (( والخيل ثلاثةٌ، فهي لرجل أجر، ولرجل سِتر، ولرجل وزر ) )الحديث، ثمَّ قال (( وأمَّا الذي هي له سترٌ فالرجل يتخذُّها تكرمًا وتجمُّلًا ولا ينسى حقَّ الله في ظهورها وبطونها ) )الحديث، وهذا المقدار أخرجه الطَّحاوي أيضًا.
وأخرجه البزار أيضًا مطوَّلًا، ولفظه (( ولا يحبس حقَّ ظهورها وبطونها ) ). فأبو حنيفة ومن معه تعلَّقوا في إيجاب الزَّكاة في الخيل بهذا الحديث، وقالوا إنَّ في هذا دليلًا على أنَّ لله فيها حقًّا، وهو كحقِّه في سائر الأموال الَّتي تجب فيها الزَّكاة. واحتجُّوا أيضًا بما روي عن عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه.
وأخرجه الطَّحاوي بإسناده إلى الزُّهري أنَّ السَّائب بن يزيد أخبره قال رأيت أبي يقوِّم الخيل ويدفع صدقتها إلى عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه، وأخرجه الدَّارقطني أيضًا، وكذا إسماعيل بن إسحاق القاضي وأبو عمر في «التَّمهيد» ، وقال الخبر في صدقة الخيل عن عمر رضي الله عنه صحيحٌ من حديث الزُّهري عن السَّائب بن يزيدٍ.
وقال ابن رشد المالكي في «القواعد» قد صحَّ عن عمر رضي الله عنه أنَّه كان يأخذ الصَّدقة عن الخيل. وروى أبو عمر بن عبد البر بإسناده (( أنَّ عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه قال لعليِّ بن أميَّة خذ من كلِّ أربعين شاة شاة، ولا تأخذ من الخيل شيئًا، خُذ من كلِّ فرسٍ دينارًا، فضرب على الخيل دينارًا دينارًا ) ).
وروى أبو يوسف عن أبي عبد الله غورك بن الخضرم السعدي، عن جعفر بن محمَّد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الخيل (( في كلِّ فرسٍ دينار ) )ذكره في الإمام عن الدَّارقطني. ورواه أبو بكرٍ الرَّزاي أيضًا.
وروى الدَّارقطني في «سننه» عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مُضر، قال جاء ناسٌ من أهل الشَّام إلى عمر رضي الله عنه فقالوا إنَّا قد أصبنا أموالًا خيلًا ورقيقًا وإنَّا نحبُّ أن تزكيه، فقال
ج 7 ص 201
ما فعله صاحبي قبلي فأفعله أنا، ثمَّ استشار أصحاب النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقالوا حسنٌ، وسكت علي رضي الله عنه فسأله فقال هو حسنٌ لو لم يكن جزيةٌ راتبة فأخذ من الفرس عشرة دراهم. وفي رواية (( فوضع على كلِّ فرس دينارًا ) ).
وروى محمَّد بن الحسن في كتاب «الآثار» أخبرنا أبو حنيفة، عن حمَّاد بن أبي سليمان، عن إبراهيم النَّخعي أنَّه قال في الخيل السَّائمة التي يطلب نسلها إن شئت في كلِّ فرسٍ دينار أو عشرة دراهمٍ، وإن شئت فالقيمة فيكون في كلِّ مائتي درهمٍ خمسة دراهم في كلِّ فرسٍ ذكرًا أو أنثى.
فإن قلت قال ابن الجوزي الجواب عن قوله ولا ينسى حقَّ الله إلخ من وجهين
أحدهما أنَّ حقها إعارتها وحمل المنقطعين عليها فيكون ذلك على وجه النَّدب.
والثَّاني أن يكون واجبًا، ثمَّ نسخ بدليل قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيما أخرجه أبو داود والتِّرمذي والنَّسائي من رواية عاصم بن حمزة بن عليٍّ رضي الله عنه قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( قد عفوت لكم صدقة الخيل والرَّقيق ) )، والعفو لا يكون إلَّا عن شيءٍ لازم.
فالجواب عنه أنَّ الذي يكون على وجه النَّدب لا يُطلق عليه حقُّ الله، وأيضًا فالمراد به صدقة خيلِ الغازي لا مطلق الخيل.
وفي «الأسرار» للدَّبُوسي لمَّا سمع زيد بن ثابتٍ رضي الله عنه حديث أبي هريرة رضي الله عنه هذا قال صدق رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولكنَّه أراد فرس الغازي، وأمَّا ما طلب نسلها ورِسلها ففيها الزَّكاة في كلِّ فرس دينار أو عشرة دراهمٍ.
قال أبو زيد الدَّبُوسي ومثل هذا لا يُعْرَفُ قياسًا فثبت أنَّه مرفوع، وأمَّا النسخ فإنَّه لو كان لاشتهر في زمن الصَّحابة لما قرَّر عمر رضي الله عنه الصَّدقة في الخيل، وأنَّ عثمان رضي الله عنه ما كان يصدِّقها.
فإن قيل روي عن مالك، عن ابن شهابٍ عن سليمان بن يسار أنَّ أهل الشَّام قالوا لأبي عبيدة بن الجراح خُذ من خيلنا ورقيقنا صدقةً فأبى، ثمَّ كتب إلى عمر رضي الله عنه فأبى عمر، ثمَّ كلَّموه أيضًا فكتب إلى عمر رضي الله عنه فكتب إليه عمر رضي الله عنه إن أحبُّوا فخذها منهم واردُدْها عليهم وارزق رقيقهم، ففي إباء أبي عُبيدة وعمر رضي الله عنهما من الأخذ من أهل الشَّام دلالةٌ واضحة أنَّه لا زكاة في الرَّقيق ولا في الخيل، ولو كانت الزَّكاة واجبة في ذلك ما امتنعا من أخذ ما أوجب الله عليهم أخذه لأهله ووضْعهُ فيهم.
فالجواب أنَّ هذا يعارضه ما رُوي عن عمر رضي الله عنه في رواية الدَّارقطني وغيره
ج 7 ص 202
عنه.
ثمَّ إنه اختلف على أصل أبي حنيفة رحمه الله هل يُشترط فيها نصاب أو لا، فقيل لا يشترط، وهو الصَّحيح؛ لعدم النَّقل بالتَّقدير قاله الزُّيلعي، وقيل يشترط. واختلفوا في قدر النِّصاب
قال أبو جعفر الطَّحاوي نصابها خمسة، فإذا كان أقلَّ من خمسة لا تجب.
وقال أبو أحمد العياضي نصابها ثلاثة فإذا كان أقلَّ منها لا تجب، ففي كلِّ فرس من العراب اختلط به الذُّكور دينار أو رُبع عُشر قيمته نصابًا، وهذا مختصٌّ بالأفراس العِراب [1] حيث كان قيمة كلٍّ فرس أربعمائة درهمٍ، وقيمة الدِّينار عَشرة دراهم، فيكون عن كلِّ مائتي درهمٍ خمسة دراهم، فأمَّا الأفراس التي تتفاوت قيمها فإنَّها تقوَّم.
وأمَّا ذكور الخيل منفردةً فلا زكاة فيها لعدم التَّناسل، وأمَّا إناثها منفردة ففيها روايتان في رواية لا تجب؛ لأنَّها بانفرادها لا تتناسل، وفي روايةٍ أخرى تجب؛ لأنَّها تتناسل بالفحل المستعار؛ بخلاف الذُّكور المنفردة.
وفي «شرح مختصر الكرخي» إن شاء أدَّى ربع عشر قيمتها، وإن شاء أدَّى عن كلِّ فرسٍ دينارًا. وفي «جوامع الفقه» تجب في الإناث والمختلطة عنده لكلِّ فرسٍ دينار، وقيل ربع عشر قيمتها. وفي «أحكام القرآن» للرَّازي إن كانت إناثًا وذكورًا أو إناثًا تجب.
وفي «البدائع» الخيل إن كانت تُعلف للرُّكوب أو الحمل أو الجهاد في سبيل الله فلا زكاة فيها إجماعًا، وإن كانت للتِّجارة تجب إجماعًا، وإن كانت تسام للدر والنَّسل وهي ذكورٌ وإناث تجب عنده فيها الزَّكاة حولًا واحدًا، وفي الذُّكور المنفردة والإناث المنفردة روايتان.
وفي «المحيط» المشهور عدم الوجوب فيهما. ثمَّ إنه استدل بهذا الحديث مَن قال مِنْ أهل الظَّاهر بعدم وجوب الزَّكاة فيهما مطلقًا ولو كانا للتِّجارة وهو مردودٌ بأن زكاة التجارة ثابتةٌ بالإجماع، كما نقله ابن المنذر وغيره، فيختصُّ به عموم هذا الحديث. وممَّا يُستفاد من الحديث جواز قول غلام فلان، وفي الصَّحيح «نهى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يقول الرجل عبدي وأمتي، وليقل فتاي وفتاتي» .
[1] في هامش الأصل والخيل العِراب خلاف البراذين.