فهرس الكتاب

الصفحة 232 من 11127

132 - (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) أي ابن مسرهد (قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ) بن عامر الخُريبي نسبة إلى خُرَيْبة _ بضم الخاء المعجمة وفتح الراء وسكون الياء المثناة التحتية وبالباء الموحدة _ وهي محلة بالبصرة، أبو محمد أو أبو عبد الرحمن الهَمْداني الكوفي الأصل، قال يحيى بن معين ثقة مأمون، وقال أبو زُرعة ومحمد بن سعد كان ثقة ناسكًا، ويروى عنه أنه قال (ما كذبت كذبة قط إلا مرة في صغري، قال لي أبي أذهبت إلى الكُتَّاب؟ فقلت بلى ولم أكن ذهبت) وقال أبو حاتم كان يميل إلى الرأي وكان صدوقًا، روى له الجماعة إلا مسلمًا، مات سنة ثلاث عشرة ومائتين.

وذكر الكرماني أنه قال (كم مرة ذهبت من الخُريبة في شراء حاجة لأهلي فأسمع ملبيًا يلبي فأجمع ذيلي وأضعه على رأسي، وأمرُّ على وجهي إلى مكة) ، وليس في البخاري والكتب الأربعة عبد الله بن داود غير هذا، نعم في الترمذي آخر واسطي مختلف فيه.

(عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران (عَنْ مُنْذِرٍ) بضم الميم وسكون النون وكسر المعجمة، ابن يَعلى _ بفتح الياء المثناة التحتية وسكون المهملة _ أبو يَعلى (الثَّوْرِيِّ) بالمثلثة الكوفي، وثقه أحمد بن عبد الله، لزم

ج 1 ص 734

محمد بن الحنفية حتى قال بعض ولده لقد غلبنا هذا النبطي على أبينا، روى له الجماعة.

(عَنْ مُحَمَّدٍ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ) هو محمد بن علي بن أبي طالب الهاشمي، أبو القاسم المعروف بابن الحنفية، والحنفية أمه خولة بنت جعفر الحنفي اليمامي، وكانت من سبي بني حنيفة ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر رضي الله عنه، ومات سنة ثمانين أو إحدى وثمانين أو أربع عشرة ومائة، ودفن بالبقيع، روى له الجماعة.

وقيل لا يعلم أحد أسندَ عن علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أكثر ولا أصح مما أسند محمد بن الحنفية هذا، وقد روى عن علي رضي الله عنه قال (قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم إن وُلِدَ لي بعدك ولد أُسمِّيه باسمك وأكنيه بكنيتك؟ قال «نعم» فولد له هذا المذكور فسماه محمدًا وكناه بأبي القاسم) .

(عَنْ) أبيه (عَلِيٍّ) أي كما في رواية رضي الله عنه، ورجال هذا الإسناد ما بين بصري وكوفي وحجازي، وفيه رواية التابعي وهو الأعمش عن غير التابعي وهو منذر، وقد أخرج متنه البخاري في «الطهارة» أيضًا [خ¦178] ، وأخرجه مسلم فيها أيضًا، وأخرجه النسائي فيها وفي «العلم» .

(قَالَ) أي إنه قال (كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً) على وزن فعَّال للمبالغة في كثرة المذي، يقال مذى الرجل يمذي من باب ضرب يضرب، وأمذى ومذَّى بالتشديد أيضًا، والمذاء والمماذاة فعال ومفاعلة منه، والمَذْي _ بفتح الميم وسكون الذال المعجمة _ وهو الأفصح الأشهر، _ وبكسر الذال المعجمة وتشديد الياء أو تخفيفها _ لكن التشديد هو المشهور وهو الماء الذي يخرج عند الملاعبة والتقبيل.

وقال ابن الأثير (هو البلل الذي يخرج عند الملاعبة لا بشهوة ولا بدفق ولا يعقبه فتور وربما لا يحس بخروجه، وهو في النساء أكثر منه في الرجال) .

وأما الوَدْي _ بفتح الواو وسكون الدال المهملة _ كما هو المشهور، أو _ بكسر الدال وتشديد الياء _ كما هو الأصح الأفصح على ما قيل فهو البلل الذي يخرج من الذَّكر عقيب البول يقال وَدَى ولا يقال أودى.

وأما المني _ بتشديد الياء _ فحسب، فهو ماء فاتر أبيض يتولد منه الولد وينكسر به الذكر، يقال منى الرجل وأمنى ومنَّى مشددًا والكل بمعنى.

(فَأَمَرْتُ الْمِقْدَادَ) بكسر الميم وسكون القاف وبالمهملتين، هو ابن عمرو بن ثعلبة البهراني الكندي، ويقال له كما وقع هنا في رواية، وليس بأبيه حقيقة، وإنما رباه الأسود بن عبد يغوث

ج 1 ص 735

أو تبناه أو حالفه أو تزوج بأمه فنسب إليه، ويقال له الكندي لأنه أصاب دمًا في بهراء و هرب منه إلى كندة فحالفهم، ثم أصاب فيهم دمًا فهرب إلى مكة فحالف الأسود وهو قديم الصحبة من السابقين إلى الإسلام، قيل إنه سادس ستة، شهد بدرًا ولم يثبت أنه شهد فيه فارسٌ مع النبي صلى الله عليه وسلم غيره، وقيل إن الزبير كان فارسًا أيضًا، رُوي له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم اثنان وأربعون حديثًا، اتفقا على حديث واحد، وانفرد مسلم بحديثين مات بالجرف وهو على عشرة أميال من المدينة، ثم حُمِل على رقاب الرجال إليها سنة ثلاث وثلاثين في خلافة عثمان رضي الله عنه، وصلى عليه عثمان رضي الله عنه وهو ابن سبعين سنة.

روى الترمذي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (( إن الله أمرني بحب أربعة وأخبرني أنه يحبهم قيل يا رسول الله! سمِّهم لنا قال علي، والمقداد، وأبو ذر، وسلمان رضي الله عنهم ) ).

واعلم أنه يُقال له المقداد بن عمرو ابن الأسود منسوبًا إلى الأب الحقيقي والادعائي كما يقال محمد بن علي بن الحنفية منسوبًا إلى أبيه وأمه جميعًا، فعلى هذا ينبغي أن ينون (عليٌّ) ويكتب الابن الثاني بالألف، ويعرب بإعراب محمد؛ لأنه وصف له لا لعلي وقِسْ عليه.

(أَنْ يَسْأَلَ) أي بأن يسأل، (النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَه) أي سأل المقدادُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم عن حكم المذي هل فيه الغسل أو الوضوء اعلم أنه يقال سألته الشيء وسألته عن الشيء سؤالًا، وقد يعدى بنفسه إلى المفعول الأول و (بعن) إلى الثاني وقد يعكس وقد تخفف همزته فيقال (سأله) .

(فَقَالَ) النبي صلى الله عليه وسلم (فِيهِ) ؛ أي يجب فيه؛ أي في المذي المدلول عليه بقوله «مذَّاء» (الْوُضُوءُ) لا الغسل، وظاهر هذا السياق يدل على أن عليًا رضي الله عنه سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث لم يقل (قال المقداد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم) ، ولئن سلمنا أنه لم يسمعه من النبي صلى الله عليه وسلم فحكمه حكم مرسل الصحابي رضي الله عنه.

فإن قيل قد جاء أنه أمر مقدادًا، وجاء أنه أمر عمارًا وجاء أنه سأل بنفسه، فكيف التوفيق بينها؟ فالجواب أنه يحمل على أنه أرسلهما ثم سأل بنفسه.

ومن فوائد هذا الحديث

استحباب حُسْن العشرة مع الأصهار، وأن الزوج ينبغي أن لا يذكر ما يتعلق بالجماع والاستمتاع

ج 1 ص 736

بحضرة أبوي المرأة وأختها وغيرهم من أقاربها؛ لأن عليًا رضي الله عنه استحيا لمكان ابنته صلى الله عليه وسلم فاطمة رضي الله عنها عنده، والمذي غالبًا يكون عند ملاعبة الزوجة، وهذا الحياء ممدوح؛ لأنه لم يمتنع به عن تعلم ما لم يعلم، وبعث من يقوم مقامه في ذلك، ومنها جواز الاستنابة في الاستفتاء وأنه يجوز الاعتماد على الخبر المظنون مع القدرة على المقطوع؛ لأن عليًا (رضي الله عنه) رضي الله عنه بعث من يسأل مع تمكنه من المشافهة إلا أن فيه نظرًا، فإن عليًا رضي الله عنه كان حاضرًا وقت السؤال على ما رواه النسائي، لكن قد قيل يضعِّفُ هذا قوله في بعض طرقه فأرسلت المقداد، فإنه يدل على أنه لم يحضر وقت السؤال، وفيه نظر لأنه يجوز أن يكون قد حضره بعد إرساله هذا.

ومنها أن المذي لا يوجب الغسل بل يوجب الوضوء فإنه نجس، ولهذا يجب منه غسل الذكر سواء كان عن ملاعبة، أو استنكاح أو غيره عند أبي حنيفة والشافعي رحمهما الله، وقال أصحاب مالك رحمه الله المراد به ما كان عن ملاعبة لا عن استنكاح، أو علة باردة، أو زَمَانه فإنه لا وضوء حينئذ، واستدل القاضي عياض وغيره لذلك بما وقع في «الموطأ» أن عليًا رضي الله عنه أمر المقداد أن يسأل له رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل إذا دنا من أهله وأمذى ماذا عليه، فإن السؤال صدر عن المذي الخارج على وجه اللذة لقوله (إذا دنا من أهله) .

وأيضًا يدل عليه استحياء علي رضي الله عنه؛ لأنه لو كان عن مرض أو سلس لم يستحيي من ذلك، وفيه نظر؛ لأن سؤال المقداد النبي صلى الله عليه وسلم مطلق غير مقيد، فإنه جاء في «الصحيح» فسأله عن المذي يخرج من الإنسان كيف يفعل به؟ قال «اغسل ذكرك وتوضأ» [خ¦269] . فالحكم متعلق بسؤال المقداد الذي وقع الجواب عنه فصار أمر علي رضي الله عنه أجنبيًا عن الحكم.

وقد جاء في «سنن أبي داود» ما يدل على أن مراد علي رضي الله عنه العموم أيضًا وهو أنه قال كنت رجلًا مذاء فجعلت أغتسل حتى تشقق ظهري، فإنه يدل على كثرة وقوعه منه ومعاودته، فمن فِقْه المقداد أنه سأل على وجه العموم لما فهم من مراد علي رضي الله عنهما.

فائدة اعلم أن هذا الحديث روي من وجوه مختلفة، فأخرج مسلم من حديث عبد الله بن وهب عن مخرمة

ج 1 ص 737

بن أبي بُكير، عن أبيه، عن سليمان بن يسار، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال علي رضي الله عنه أرسلت المقداد بن الأسود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله عن المذي يخرج من الإنسان كيف يَفْعل به؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( توضأ وانضح فرجك ) ).

وأخرج النسائي عن هناد بن السري، عن أبي بُكير بن عباس، عن أبي حصين، عن أبي عبد الرحمن قال قال علي رضي الله عنه كنت رجلًا مذاء وكانت ابنة النبي صلى الله عليه وسلم تحتي فاستحييت أن أسأله، فقلت لرجلٍ جالسٍ إلى جنبي سله، فسأله فقال (( فيه الوضوء ) ).

وأخرج الترمذي عن محمد بن عمرو حدَّثنا هُشيم، عن يزيد بن أبي زياد، وعن محمود بن غيلان حدَّثنا الحسين بن علي، عن زائدة، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن علي رضي الله عنه قال سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن المذي فقال (( من المذي الوضوءُ، ومن المني الغسل ) )قال حديث حسن صحيح.

وأخرج أحمد في «مسنده» عن أسود بن عامر حدَّثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن هانئ بن هانئ، عن علي رضي الله عنه قال كنت رجلًا مذاء فإذا أمذيتُ اغتسلتُ، فأمرت المقداد فسأل النبي صلى الله عليه وسلم فضحك فقال فيه الوضوء.

وأخرج أبو داود عن قتيبة بن سعيد حدَّثنا عبيدة بن حميد الحذاء، عن الدُّكين بن الربيع، عن حصين بن قَبيصة، عن علي رضي الله عنه قال كنت رجلًا مذاء فجعلت أغتسل حتى تشقق ظهري قال فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، أو ذُكِر له، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( لا تفعل إذا رأيت المذي فاغسل ذكرك، وتوضأ وضوءك للصلاة، فإذا نضحت الماء فاغتسل ) ). وأخرجه أحمد والطبراني أيضًا.

وأخرج النسائي عن قتيبة، عن سفيان، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن عائش بن أنس قال سمعت عليًا رضي الله عنه على المنبر يقول كنت رجلًا مذاء فأردت أن أسأل النبي صلى الله عليه وسلم فاستحييت منه؛ لأن ابنته كانت تحتي فأمرت عمارًا فسأله فقال «يكفي منه الوضوء» .

وأخرج البخاري، عن إبراهيم بن أبي داود حدَّثنا أمية بن بسطام قال حدَّثنا يزيد بن زُريع قال حدَّثنا روح بن القاسم، عن ابن أبي نجيح، عن عطاء، عن إياس بن خليفة، عن رافع بن خديج أن عليًا رضي الله عنه أمر عمارًا أن يسأل رسول الله عن المذي قال «يَغْسِلُ

ج 1 ص 738

مذاكيره ويتوضَّأ».

وأخرج النسائي عن عثمان بن عبد الله عن أمية بن بسطام إلى آخره نحوه، وفي بعض طرق الحديث عند أبي داود «فلْيغسلْ ذَكَره وأُنْثَييه» .

ورُوِيَ وجوب غسل الأنثيين عن عائشة رضي الله عنها، وهذا خلاف قول الجمهور، وحمل الجمهور هذه الرواية على الاستطهار بالطاء المهملة، أو على أنه كان في بعض أحوال انتشاره، ويقال إن الماء البارد إذا أصاب رَدَّ المذي وكسره، على أن الحديث الذي فيه هذه الزيادة قد علل بالإرسال وغيره، والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت