فهرس الكتاب

الصفحة 2321 من 11127

1472 - (وَحَدَّثَنَا عَبْدَانُ) بفتح المهملة وسكون الموحدة، لقب عبد الله بن عثمان بن جبلة المروزي، قال (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ) أي ابن المبارك، قال (أَخْبَرَنَا يُونُسُ) هو ابنُ يزيد الأيلي (عَنِ الزُّهْرِيِّ) هو ابن شهاب (عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ) بن العوام (وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ) بفتح المهملة في الأول وكسر الثاني وتخفيف الزاي المعجمة. (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ فَأَعْطَانِي، ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي، ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي) ثلاث مرَّات (ثُمَّ قَالَ يَا حَكِيمُ إِنَّ هَذَا الْمَالَ) إشارة إلى نوعه (خَضِرَةٌ) في المنظر (حُلْوَةٌ) في الذَّوق، وكلٌّ منهما يرغب فيه على انفراده، فكيف إذا اجتمعا، والتَّأنيث إمَّا باعتبار الأنواع أو الصورة، أو تقديره كالفاكهة الخضرة الحلوة، شبَّه المال في الرَّغبة فيه بها، فإنَّ الأخضر مرغوب فيه من حيث النظر، والحلو من حيث المذاق، فإذا اجتمعا زاد في الرغبة، حاصله أن التشبيه في الرغبة فيه والميل إليه وحرص النُّفوس عليه، وفيه إشارة لطيفة إلى عدم بقائه؛ لأنَّ الخضراوات لا تبقى ولا تراد للبقاء.

(فَمَنْ أَخَذَهُ) أي المال، وفي رواية بدون الضمير (بِسَخَاوَةِ نَفْسٍ) أي بغير شره وحرص، ولا إلحاح أو بسخاوة نفس المعطي؛ أي انشراحه بما يعطيه من غير تضجُّر منه، وفي رواية . فإن قيل السَّخاوة إنما هي في الإعطاء لا في الأخذ. فالجواب أنَّ السَّخاوة في الأصل هي السُّهولة والسِّعة.

قال القاضي فيه احتمالان أظهرهما أنَّه عائد إلى الآخذ؛ أي من أخذه بغير حرص وطمع وإشراف عليه، والثَّاني إلى الدَّافع؛ أي من أخذه ممَّن يدفعه منشرحًا طيب النفس له.

(بُورِكَ لَهُ فِيهِ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ) الإشراف على الشَّيء الاطلاع عليه، والتعرُّض له، وقيل يعني «بإشراف نفس» أنَّ المسئول يعطيه عن تكرُّه، وقيل يراد به شدَّة حرص السَّائل على المسألة، والمعنى مكتسبًا له بطلب النَّفس وحرصها عليه واطلاعها (لَمْ يُبَارَكْ لَهُ) أي للآخذ (فِيهِ) أي في المعطَى، بفتح الطاء، والمعنى إذا لم يمنع نفسه المسألة ولم يصن ماء وجهه فلم يبارك له فيما أخذ.

(وَكَانَ) الآخذ (كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلاَ يَشْبَعُ) أي كمن به الجوع الكاذب،

ج 7 ص 229

وقد يسمَّى بجوع الكلب كلَّما ازداد أكلًا ازداد جوعًا فلا يجد شبعًا ولا ينجع فيه الطَّعام، ويزعم أهل الطِّب أنَّ ذلك بسبب سُقْمٍ من غَلَبَةِ خلطٍ سوداويٍّ أو آفةٍ ويسمُّونها الشَّهوة الكلبيَّة.

وقال العيني الظَّاهر أنه من غلبة السَّوداء وشدَّتها كلَّما ينزل الطعام في معدته يحترق وإلَّا فلا يتصوَّر أن تسع المعدة أكثر ممَّا يسع فيه.

ومن لطائف أهل الأخبار أنَّ رجلًا من أهل البادية أكل جملًا، وامرأته أكلت فصيلًا، ثم أراد أن يجامعها فقالت بيني وبينك جمل وفصيل كيف يكون ذاك.

وقال الطِّيبي في «شرح المشكاة» لما وصف الأموال بما تميل إليه النَّفس الإنسانية بجبلَّتها رتَّب عليها بالفاء أمرين

أحدهما تركه مع ما هي مجبولة عليه من الحرصِ والشَّره والميل إلى الشَّهوات، ومن أخذه بإشراف نفس.

وثانيها كفَّها عن الرَّغبة فيها إلى ما عند الله من الثَّواب وإليه أشار [1] بقوله بسخاوة نفس، فكنَّى في الحديث بالسَّخاوة عن كفِّ النفس عن الحرص والشَّره، كما كنى في الآية بتوقي النفس من الشُّح والحرص المجبولة عليه من السَّخاء؛ لأن من توقَّى من الشُّح يكون سخيًّا مفلحًا في الدَّارين {وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} الآية [الحشر 9] .

(الْيَدُ الْعُلْيَا) المنفقة (خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى) السَّائلة (فَقَالَ حَكِيمٌ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، لاَ أَرْزَأُ) بفتح الهمزة وسكون الراء وفتح الزاي وبالهمزة؛ أي لا أنقص (أَحَدًا بَعْدَكَ) أي بعد سؤالك أو لا أرزأ غيرك (شَيْئًا) من ماله بالطلب منه، وفي «النِّهاية» ما رزأته ما نقصته؛ أي لا آخذ من أحد شيئًا بعدك، وفي رواية إسحاق (( قلتُ فوالله لا تكونُ يدي بعدك تحت يد من أيدي العرب ) ).

(حَتَّى أُفَارِقَ الدُّنْيَا فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يَدْعُو حَكِيمًا إِلَى الْعَطَاءِ فَيَأْبَى) أي يمتنع (أَنْ يَقْبَلَهُ مِنْهُ) وإنَّما كان يمتنع من أخذ العطاء مع أنَّه حقُّه؛ لأنَّه كان يخاف الاعتياد فتتجاوز به نفسه إلى ما لا يريده، ففطمها عن ذلك، وترك ما يريبه إلى ما لا يريبه، فإنَّ مقتضى الجبلة الإشراف والحرص، والنَّفس سراقة، والعرق دسَّاس، ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه، ولأنَّه خاف أن يفعل خلاف ما قاله لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من قوله لا أرزأ أحدًا بعدك شيئًا حتى روي في رواية (( ولا منك يا رسول الله؟ قال ولا مني ) ).

(ثُمَّ إِنَّ عُمَرَ) بن الخطَّاب رضي الله عنه(دَعَاهُ لِيُعْطِيَهُ فَأَبَى

ج 7 ص 230

أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُ شَيْئًا فَقَالَ عُمَرُ)رضي الله عنه مبالغة في براءة سيرته العادلة من الحيف والتَّخصيص والحرمان من غير مستند، وأراد أن لا ينسبه أحد لم يعرف باطن الأمر إلى منع حكيم من حقِّه (إِنِّي أُشْهِدُكُمْ يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى حَكِيمٍ) على (أَنِّي أَعْرِضُ عَلَيْهِ حَقَّهُ مِنْ هَذَا الْفَيْءِ) وهو لغةً الخراج والغنيمة والظل والرُّجوع، واصطلاحًا هو المال المأخوذ من الكفَّار بدون إيجاف خيل ولا ركاب (فَيَأْبَى أَنْ يَأْخُذَهُ) قيل وفيه أنَّه لا يستحق أحد من بيت المال شيئًا إلَّا بإعطاء الإمام إيَّاه.

وفي «التَّوضيح» وأمَّا قبل ذلك فليس بمستحق له، ولو كان مستحقًّا له لقضى عمر رضي الله عنه على حكيم رضي الله عنه بِأَخْذِه ذلك؛ يدلُّ عليه قوله تعالى حين ذكر قسم الصَّدقات وفي أيِّ الأقسام يقسم {كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ} الآية {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ} الآية [الحشر 7] ، فإنَّما هو لمن أدَّاه لا لغيره، وإنَّما قال العلماء في إثبات الحقوق في بيت المال ما قالوا تشديدًا على غير المرضيِّ من السَّلاطين ليغلقوا باب الاستبداد بأموال المسلمين، والتسبُّب إليها بالباطل.

ويدلُّ على ذلك أنَّ من سرق من بيت المال أنَّه يُقْطع، ومن زنى بجارية من الفيء أنَّه يُحدُّ، ولو استحقَّ في بيت المال أو في الفيء شيئًا على الحقيقة قبل إعطاء السُّلطان له لكانت شبهة تَدرأ الحدَّ عنه.

هذا وتعقَّبه العيني بأنَّ جمهور الأمَّة على أنَّ للمسلمين حقًّا في بيت المال والفيء، ولكن الإمام يقسمه على اجتهاد منه. فعلى هذا، لا يجب القطع ولا الحدُّ للشبهة، كما هو مذهب الحنفية، وسيجيء تحقيقه في باب «الجهاد» إن شاء الله تعالى [خ¦3114] .

هذا، وأقول في دلالته على ما قيل من أنَّه لا يستحق إلَّا بعد إعطاء الإمام نظر لا يخفى على من تأمَّل.

(فَلَمْ يَرْزَأْ حَكِيمٌ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى تُوُفِي) وزاد إسحاق بن راهويه في «مسنده» من طريق عمر بن عبد الله بن عروة مرسلًا أنَّه ما أخذ من أبي بكر ولا عمر ولا عثمان ولا معاوية رضي الله عنهم ديوانًا ولا غيره، حتَّى مات لعشر سنين من إمارة معاوية رضي الله عنه.

وزاد ابن إسحاق أيضًا في «مسنده» من طريق معمر، عن الزُّهري فمات حين مات، وإنه لمن أكثر قريش مالًا، وإنما لم يرزأ كما عرفت من قبل مبالغة في الاحتراز عن مقتضى الجبلَّة الإنسانية.

وقال ابن أبي جِمْرَة في حديث حكيم فوائد منها أنَّه قد يقع

ج 7 ص 231

الزُّهد مع الأخذ فإن سخاوة النَّفس هو زهدها تقول سَخَتْ بكذا؛ أي جادت وسَخَتْ عن كذا؛ أي لم تلتفت إليه. ومنها أنَّ الأخذ مع سخاوة النَّفس يُحَصِّلُ أجر الزُّهد والبركة في الرِّزق، فتبيَّن أنَّ الزُّهد يُحَصِّل خيري الدُّنيا والآخرة.

وفيه ضرب المثل بما لا يعقله السَّامع من الأمثلة؛ لأنَّ الغالب من النَّاس لا يعرف البركة إلَّا في الشَّيء الكثير، فبيَّن بالمثال المذكور أنَّ البركة هي خلق من خلق الله، وضرب لهم المثل بما يعهدون فالآكل إنَّما يأكل ليشبع، فإذا أكل ولم يشبع كان عناء في حقِّه بغير فائدة، وكذلك المال ليست الفائدة في عينه، وإنَّما هي لما يتحصَّل به من المنافع، فإذا كثر المال عند المرء بغير تحصيل منفعته كان وجوده كالعدم.

وفيه أنَّه ينبغي للإمام أن لا يبيِّن للطَّالب ما في مسألته من المفسدة، إلَّا بعد قضاء حاجته لتَقَعَ موعظتُه له الموقع؛ لئلا يتخيَّل أنَّ ذلك سبب لمنعه من حاجته. وفيه جواز تكرار السُّؤال ثلاثًا، وجواز المنع في الرَّابعة. وفيه أنَّ ردَّ السَّائل بعد ثلاث ليس بمكروه، وأنَّ الإجمال في الطَّلب مقرون بالبركة. وفي الحديث أيضًا أنَّ سؤال السُّلطان الأكبر ليس بعار.

وفيه أنَّ الإنسان لا يسأل إلَّا عند الحاجة والضُّرورة؛ لأنَّه إذا كانت يده السُّفلى مع إباحة المسألة فهو أحرى أن يمتنع من ذلك عند غير الحاجة. وفيه أنَّ من كان له حقٌّ عند أحد، فإنَّه يجب عليه أخذه إذا أتى به، وإن كان ممَّا لا يستحقُّه إلَّا ببسط اليد إليه فلا يجبر على أخذه.

ثمَّ هذا الحديث أخرجه المؤلِّف في الوصايا [خ¦2750] ، وفي الخمس [خ¦3143] ، والرقاق أيضًا [خ¦6441] ، وأخرجه مسلم في الزَّكاة، والتِّرمذي في الزُّهد، والنَّسائي في الزَّكاة.

ثم إنَّ في أحاديث الباب دلالة على ذمِّ المسألة وهي على ثلاثة وجوه حرام، ومكروه، ومباح، فالحرام لمن سأل وهو غني من زكاة أو أظهر من الفقر فوق ما هو فيه، والمكروه لمن سأل وعنده ما يمنعه عن ذلك، ولم يُظْهِر من الفقر ما هو به، والمباح لمن سأل بالمعروف قريبًا أو صديقًا، وأمَّا السُّؤال عند الضَّرورة، فواجب لإحياء النَّفس، وأدخله الدَّاودي في المباح، وأمَّا الأخذ من غير مسألة، ولا إشراف نفس فلا بأس به.

وقال النَّووي اتَّفق العلماء على النَّهي عن السُّؤال من غير ضرورة. واختلف أصحابنا في مسألة القادر على الكسب على وجهين أصحهما أنَّها حرام

ج 7 ص 232

لظاهر الأحاديث.

والثَّاني حلال مع الكراهة بثلاثة شروط أن لا يذلَّ نفسه، ولا يلحَّ في السُّؤال، ولا يؤذي المسؤول، فإن فقد أحد هذه الشُّروط فحرام بالاتِّفاق. انتهى.

وقد مثَّل القاضي أبو بكر ابن العربي للواجب بالمريدين في ابتداء أمرهم. ونازعه العراقي بأنَّه لا يطلق على سؤال المريدين في ابتداء أمرهم اسم الوجوب، وإنَّما جرت عادة المشايخ السَّادة في تهذيب أخلاق المبتدئين بفعل ذلك كسرًا لأنفسهم إذا كان في ذلك إصلاحهم، فأمَّا الوجوب الشَّرعي فلا.

وفي حديث ابن الفراسي ممَّا رواه أبو داود والنَّسائي أنَّه قال يا رسول الله، أسأل؟ فقال (( لا، وإن كنت سائلًا فاسأل الصَّالحين ) )أي من أرباب الأموال الذين لا يمنعون ما عليهم من الحقوق، وقد لا يعلمون المستحقَّ من غيره، فإذا عرفوا بالسُّؤال المحتاج أعطوه ممَّا عليهم من حقوق الله، أو المراد من يُتبَّرك بدعائهم، وتُرْجَى إجابة دعائهم.

وحيث جاز السُّؤال فيجتنب فيه الإلحاح والسُّؤال بوجه الله؛ لحديث «المعجم الكبير» عن أبي موسى، بإسنادٍ حسن عنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنَّه قال (( ملعون من سأل بوجه الله، وملعون من سئل بوجه الله فمنع سائله ما لم يسأل هجرًا ) ).

وفي هذا الباب أحاديث كثيرة منها عن عطيَّة السَّعدي قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( ما أغناك الله فلا تسأل النَّاس شيئًا، فإن اليد العليا هي المعطية، وإن اليد السُّفلى هي المعطاة ) )رواه ابن عبد البر.

ومنها عن ابن مسعود رضي الله عنه قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( من سأل وله ما يغنيه جاء يوم القيامة ومسألته في وجهه خُمُوشْ أو كُدُوح قيل يا رسول الله، وما يغنيه؟ قال خمسون درهمًا أو قيمتها من الذَّهب ) )رواه التِّرمذي وقال حديث حسن، ورواه بقية الأربعة والحاكم.

ورواه ابن أبي الدُّنيا في كتاب «القناعة» ولفظه (( من سأل النَّاس عن ظهر غنى جاء يوم القيامة، وفي وجهه كُدُوح أو خُمُوش قيل يا رسول الله، ما الغنى؟ قال خمسون درهمًا أو قيمته من الذَّهب ) ).

ومنها عن حُبْشيِّ بن جُنَادة السَّلولي قال سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حجَّة الوداع وهو واقف بعرفة، الحديث وفيه (( ومن سأل النَّاس

ج 7 ص 233

ليُثْري به ماله كان خموشًا في وجهه يوم القيامة، ورضفًا يأكله من جهنَّم، فمن شاء فليُقِلَّ، ومن شاء فليكثر )) رواه التِّرمذي وانفرد به.

ومنها عن قبيصة بن المخارق الهلالي رضي الله عنه قال تحمَّلْتُ حَمَالة فأتيت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، الحديث وفيه (( يا قبيصة إنَّ المسألة لا تحل إلَّا لأحد ثلاثة، رجل تحمَّل حَمَالة فحلت له المسألة حتَّى يصيبها ثمَّ يمسك، ورجل أصابته جائحه اجتاحت ماله فحلَّت له المسألة حتَّى يصيبَ قوامًا من عيش، أو قال سدادًا من عيش، ورجلٌ أصابته فاقة حتَّى يقول ثلاثة من ذوي الحجى من قومه لقد أصاب فلانًا فاقة فحلَّت له المسألة حتَّى يصيب قوامًا من عيش، أو قال سدادًا، فما سواهنَّ من المسألة يا قبيصة، سحتٌ يأكلُها صاحبها سحتًا ) )رواه مسلم، وأبو داود، والنَّسائي.

ومنها عن أنس رضي الله عنه أنَّ رجلًا من الأنصار، الحديث وفيه (( أنَّ المسألة لا تصلح إلَّا لثلاثة لذي فقر مدقع، أو لذي غرم مفظع، أو لذي دم موجع ) )رواه أبو داود وابن ماجه. ومنها عن عبد الرَّحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما عن النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال (( لا تحلُّ الصَّدقة لغني ولا لذي مرَّة سوي ) )رواه البزَّار، والطَّبراني في «الكبير» .

ومنها عن عمران بن حصين رضي الله عنه قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( مسألة الغني شين في وجهه يوم القيامة ) )رواه أحمد، والبزار، والطَّبراني، وإسناده صحيحٌ. ومنها عن مسعود بن عَمرو أنَّ النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال (( لا يزال العبد يسأل وهو غنيٌّ حتَّى يَخْلَقَ وجْهُهُ فلا يكون له عند الله وجه ) )رواه البزَّار، والطَّبراني في «الكبير» .

ومنها عن جابر رضي الله عنه أنَّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال (( من سأل وهو غنيٌّ عن المسألة يحشر يوم القيامة وهي خُمُوشٌ في وجْهِه ) )رواه الطَّبراني في «الأوسط» .

وعن رجلين غير مسمَّيين أتيا النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حجَّة الوداع وهو يقسم الصَّدقة فسألاه منها، فرفع فينا البصر وخفضه فرآنا جلدين فقال (( إن شئتما أعطيتكما، ولا حظَّ فيها لغنيٍّ ولا لقويٍّ مُكتسب ) )ورجاله في الصَّحيحين.

وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( من سأل وله قيمة أُوقية فقد ألحف فقلت ناقتي الياقوتة خيرٌ من أُوقية ) )

ج 7 ص 234

وفي رواية (( خير من أربعين درهمًا ) )أخرجه أبو داود، والنَّسائي، وابن حبَّان في «صحيحه» .

وعن سهيل بن الحنظلية قال قدم على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عيينة بن حصين والأقرع بن حابس فسألاه، فأمر لهما بما سألاه، الحديث، وفيه فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( من سأل وعنده ما يغنيه، فإنما يستكثر من النار [2] وما يعشيه ) ).

وقال النُّفيلي في موضع آخر «أن يكون له شبع يوم وليلة أو ليلة ويوم» ، رواه أبو داود، وابن حبَّان في «صحيحه» . وعن رجل من مزينة قالت له أمَّه ألا تنطلق فتسأل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كما يسأله النَّاس؟ فانطلقت أسأله فوجدته قائمًا يخطب وهو يقول (( من استعفَّ أعفَّه الله، ومن استغنى أغناهُ الله، ومن سأل النَّاس وله عدل خمس أواق فقد سأل إلحافًا فقلت بيني وبين نفسي لناقة لنا خير من خمس أواق، ولغلامه ناقة أخرى خير من خمس أواق فرجعت ولم أسأله ) )رواه أحمد، ورجاله رجال الصَّحيح.

وعن علي رضي الله عنه قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( من سأل مسألة عن ظهر غنى استكثر بها من رضف جهنَّم قالوا وما ظهر غنى؟ قال عشاء ليلة ) )رواه عبد الله بن أحمد في «زياداته على المسند» . ورواه الطَّبراني في «الأوسط» وابن عدي في «الكامل» .

وعن زياد بن الحارث الصُّدَائي قال صلى الله تعالى عليه وسلم (( من سأل النَّاس عن ظهر غنى فصداع في الرَّأس، وداء في البطن ) )رواه الطَّبراني، وبعضه عند أبي داود.

وعن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( لو يعلم صاحب المسألة ما له فيها لم يسأل ) )رواه الطَّبراني من رواية قابوس. قال أبو حاتم لا أحتجُّ به، وقال ابن حبَّان رديء الحفظ.

ولابن عبَّاس رضي الله عنهما حديث آخر رواه الطَّبراني، والبزَّار بلفظ (( استغنوا عن النَّاس ولو بشوصِ السِّواك ) )ورجال إسناده ثقات.

وعن معاوية رضي الله عنه قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( لا تلحفوا في المسألة فوالله لا يسألني أحدٌ منكم فَتُخْرِجُ له مسألتُه منِّي شيئًا وأنا كاره له، فيبارك له فيما أعطيته ) )

ج 7 ص 235

رواه مسلم.

وعن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( إنَّ المسألة كدٌّ يكدُّ بها الرَّجل وجهه إلَّا أن يسأل الرَّجل ُسلطانًا، وفي أمر لا بدَّ منه ) )رواه التِّرمذي وقال حديث حسن صحيح.

وعن أبي ذرٍّ رضي الله عنه قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو يشترط عليَّ أن «لا تسال النَّاس شيئًا، قلت نعم قال ولا سوطك إن سقط منك حتَّى تنزل فتأخذه» رواه أحمد ورجاله ثقات.

وعن أبي أمامة رضي الله عنه قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( من يبايع؟ فقال ثوبان أليس قد بايعناك مرةً يا رسول الله قال على أن لا تسألوا أحدًا شيئًا قال ثوبان فما له يا رسول الله؟ قال الجنَّة، فبايعه ثوبان ) )رواه الطَّبراني.

وعن عدي الجذامي في أثناء حديث فيه (( فتعفَّفوا ولو بحزم الحَطَب، ألا هل بلَّغْت ) )رواه الطَّبراني.

وعن ابن الفراسي قال لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أسأل يا رسول الله؟ فقال النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( لا، وإن كنت لا بدَّ سائلًا فسلْ الصَّالحين ) )رواه أبو داود والنَّسائي. والفِرَاسِي، بكسر الفاء وفتح الراء وكسر السين المهملة، قال في «الكمال» رَوَى عن النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حديثًا واحدًا. وقال المنذري وله حديث آخر في البحر (( هو الطَّهور ماؤه الحِلُّ ميتته ) )كلاهما يرويه اللَّيث بن سعد، وعن عائذ بن عَمرو أنَّ رجلًا أتى النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأعطاه، فلمَّا وضعَ رجله على أسكفَّة الباب قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( لو تعلمون ما في المسألة ما مشى أحدٌ إلى أحدٍ يسأله شيئًا ) )والله هو الغنيُّ الموفق.

[1] (( من قوله ومن أخذه. .. إلى قوله وإليه أشار ) )ليس في (خ) .

[2] في الأصل فقيل يا رسول الله وما يغنيه وقال النفيلي وما الغني الذي لا ينبغي معه المسألة قال قدر ما يغديه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت