1471 - (حَدَّثَنَا مُوسَى) هو ابنُ إسماعيل التَّبوذكي، قال (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) على صيغة التَّصغير، هو ابن خالد، قال (حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ) عروة (عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ قَالَ لأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ) بالإفراد، كما في الرِّواية السَّابقة (فَيَأْتِيَ) بالنصب عطفًا على يأخذ (بِحُزْمَةِ الْحَطَبِ) الحُزْمة، بضم المهملة وسكون الزاي، ما يقال له بالفارسيَّة دسته، ويروى بدون اللام.
(عَلَى ظَهْرِهِ) حاملًا عليه (فَيَبِيعَهَا فَيَكُفَّ) بنصب الفعلين (اللَّهُ) رفع على الفاعلية؛ أي فيمنع الله (بِهَا وَجْهَهُ) من أن يريقَ ماءه بالسُّؤال من النَّاس، قاله المظهري، ومن فوائد الاكتساب الاستغناء والتصدُّق، كما في مسلم، فيتصدَّق به ويستغني عن النَّاس فهو (خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ) أي من سؤال النَّاس، ولو كان الاكتساب بعمل شاق كالاحتطاب، والمعنى إن لم يجد إلَّا الاحتطاب من الحرف فهو مع ما فيه من امتهان المرء نفسه ومن المشقَّة خيرٌ له من المسألة.
وقد روي عن عمر رضي الله عنه فيما ذكره ابن عبد البرِّ «مكسبة فيها بعض الدَّناءة خير من مسألة النَّاس» .
(أَعْطَوْهُ) ما سأل (أَوْ مَنَعُوهُ) ففي هذا الحديث وفيما قبله فضيلة الاكتساب بعمل اليد، وقد ذكر بعضهم أنَّه أفضل المكاسب. وقال الماورديُّ أصول المكاسب الزِّراعة والتِّجارة والصِّناعة، قال ومذهب الشَّافعي أنَّ التِّجارة أطيبُ. والأشبه عندي أنَّ الزِّراعةَ أطيب؛ لأنَّها أقرب إلى التوكُّل.
قال النَّووي في «شرح المهذَّب» في صحيح البخاري عن المقدام بن معدي كرب رضي الله عنه عن النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال (( ما أكل أحدٌ طعامًا قطُّ خيرًا من أن يأكلَ من عَمَلِ يَدِه ) )الحديث.
فالصَّواب ما نصَّ عليه الرَّسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو عَمَلُ اليد، فإن كان زرَّاعًا فهو أطيب المكاسب وأفضلها؛ لأنَّه عمل يده، ولأنَّ فيه توكُّلًا، كما ذكره الماوردي، ولأنَّ فيه نفعًا عامًّا للمسلمين والدَّواب، ولأنَّه لا بدَّ في العادة أن يؤكل منه بغير عوض، فيحصل له أجره، وإن لم يكن ممَّن يعمل بيده، بل يعمل له غلمانه وأُجَرَاؤه فاكتسابه بالزِّراعة أفضل لما ذكرناه.
وقال في «الرَّوضة» بعد ذكر حديث المقدام هذا فهذا صريحٌ في ترجيح الزِّراعة والصَّنعة لكونهما من عمل يده، ولكن الزِّراعة أفضلهما لعموم النَّفع بها للآدمي وغيره، وعموم الحاجة إليها، والله أعلم.
وغاية ما في حديث
ج 7 ص 228
هذا الباب تفضيل الاحتطاب على السُّؤال، وليس فيه أنَّه أفضل المكاسب فلعلَّه ذكره لتَيَسُّرِه لاسيَّما في بلاد الحجاز لكثرة ذلك فيها، وهذا الحديث أخرجه ابن ماجه في الزَّكاة أيضًا.