1489 - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ) هو يحيى بن عبد الله بن بكير المصريِّ، وقد تقدَّم ذكره [خ¦3] [خ¦136] قال (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) هو ابن سعدٍ (عَنْ عُقَيْلٍ) بضم العين وفتح القاف مصغرًا، هو ابن خالد (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلم الزُّهري (عَنْ سَالِمٍ أَنَّ) أباه (عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ) بن الخطَّاب (رَضِيَ اللهُ عَنْهُما كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّ) أباه.
(عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ تَصَدَّقَ بِفَرَسٍ) أي حمل عليه رجلًا، والمعنى أنَّه ملَّكه إيَّاه ليغزو عليه فلذلك ساغ له بيعه، وقيل كان عمر رضي الله عنه قد حبسه، وفي هذا الوجه إنَّما ساغ للرَّجل بيعه؛ لأنَّه حصل فيه هزال عجز لأجله عن اللَّحاق بالخيل، وانتهى على حالة عدم الانتفاع به.
وقال ابنُ سعد
ج 7 ص 291
كان اسم هذا الفرس الورد وكان لتميم الدَّاري رضي الله عنه، فأهداه للنَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأعطاه عمر رضي الله عنه.
قال الحافظ العسقلانيُّ ولم أقف على اسم الرَّجل الذي حمله عليه.
(فِي سَبِيلِ اللَّهِ) والمراد به جهة الغزوة، إذ المتبادر منه هو الجهاد، وليس المراد أنَّه وقفه بدليل قوله (فَوَجَدَهُ) أي أصابه حال كونه (يُبَاعُ) على البناء للمفعول، إذ لو وقفه لَمَا صحَّ أن يبتاعه، فافهم.
(فَأَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَهُ، ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ فَاسْتَأْمَرَهُ) أي استشارهُ (فَقَالَ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لاَ تَعُدْ) أي لا ترجع (فِي صَدَقَتِكَ) واقطع طمعك منها ولا ترغب فيها، وهذا أيضًا يدلُّ على أنَّه لم يكن وقفًا، إذ لو كان وقفًا لما علَّله بالرُّجوع، كذا قيل، فتأمَّل.
(فَبِذَلِكَ) أي فبسبب ذلك (كَانَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما لاَ يَتْرُكُ أَنْ يَبْتَاعَ شَيْئًا تَصَدَّقَ بِهِ إِلاَّ جَعَلَهُ صَدَقَةً) كذا هو بحرف النَّفي في قوله لا يترك، ويروى ووجهه ظاهرٌ، وأمَّا وجه لا يترك فهو أنَّ التَّرك بمعنى التَّخلية وكلمة من مقدرة؛ أي لا يخلِّي الشَّخص من أن يبتاعه في حالٍ من الأحوال إلَّا حال جعله الصَّدقة أو لغرضٍ من الأغراض إلَّا لغرض الصَّدقة.
وقال القسطلانيُّ أي إذا أتّفق له أن يشتري شيئًا ممَّا تصدَّق به لا يتركه في ملكه حتَّى يتصدَّق به ثانيًا؛ فكأنَّه فُهِمَ أنَّ النَّهي عن شراء الصَّدقة إنَّما هو لمن أراد أن يتملَّكها لا لمن يردُّها صدقةً.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة من حيث إنَّ تقدير التَّرجمة لا يشتري، كما مرَّ، وفي الحديث كراهية شراء الرَّجل صدقته.
وقال ابن بطَّال كره أكثر العلماء شراء الرَّجل صدقته؛ لحديث عمر رضي الله عنه، وهو وقول مالكٍ والكوفيِّين والشَّافعي سواء كانت الصَّدقة فرضًا أو نفلًا، فإن اشترى أحد صدقته لم يفسخ بيعه، وأولى به التنزُّه عنها، وكذا قولهم فيما يخرجه المكفِّر في كفَّارة اليمين.
وقال ابن المنذر رخَّص في شراء الصَّدقة الحسن وعكرمة وربيعة والأوزاعي.
وقال ابن القصَّار قال قومٌ لا يجوز لأحدٍ أن يشتري صدقته ويفسخ البيع، ولم يذكر قائل ذلك، وكأنَّه يريد به
ج 7 ص 292
أهل الظَّاهر، وأجمعوا على أنَّ من تصدَّق بصدقةٍ ثمَّ ورثها أنَّها حلال له، وقد جاءت امرأة إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقالت إنِّي تصدَّقت على أمِّي بجاريةٍ وإنَّها ماتت قال (( وجب أجرُك وَرَدَّ عليكِ الميراثَ ) ).
وقال ابن التِّين وشذَّت فرقةٌ من أهل الظَّاهر فكرهت أخذها الميراث، وَرَأَوْهُ من باب الرُّجوع في الصَّدقة، وهذا سهوٌ؛ لأنَّها تدخل قهرًا، وإنَّما كُرِهَ شراؤها لئلَّا يحابيه المصدق بها عليه، فيصير عائدًا في بعض صدقته؛ لأنَّ العادة أنَّ الذي تصدَّق بها عليه يسامحه إذا باعها.
ويقال لا يكون الحبس إلَّا إذا أنفق عليه المحبس من ماله، فإذا أخرج خارج إلى الغزو وَدَفَعَه إليه مع نفقته، على أن يغزو به ويصرفه إليه، فيكون موقوفًا على مثل ذلك، فهذا لا يجوز بيعه إجماعًا، وأمَّا إذا جعله في سبيل الله وملكه الذي دفعه إليه، فهذا يجوز بيعه.
وقال جماعةٌ من العلماء كان عمر رضي الله عنه لا يكره أن يشتري الرَّجل صدقته إذا خرجت من يد صاحبها إلى غيره، رواه الحسن وقال به هو وابن سيرين.