1490 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسي، قال (أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ) الإمام، وسقط في رواية لفظ (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ) العدويِّ المدنيِّ، مولى عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه يروي (عَنْ أَبِيهِ) أسلم يكنى أبا خالد، كان من سبي عين التَّمْر ابتاعه عمر رضي الله عنه بمكَّة سنة إحدى عشرة، مات وهو ابن أربع عشرة ومائة سنة.
(قَالَ سَمِعْتُ عُمَرَ) أي ابن الخطَّاب (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يَقُولُ حَمَلْتُ) رجلًا (عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أي جعلته حمولةَ مَن لم تكن له حمولةٌ من المجاهدين؛ ملَّكه إيَّاه (فَأَضَاعَهُ) الرَّجل (الَّذِي كَانَ عِنْدَهُ) بترك القيام عليه بالخدمة والعلف والسَّقي وإرساله للرَّعي، حتَّى صار كالشَّيء الهالك.
وقال الكِرمانيُّ أي لم يكن يعرف قَدْره، فكان يبيعه بالوكس، والأوَّل هو الأوجه، وفي الرِّواية الأولى (( فوجده يباع ) ).
(فَأَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِيَهُ فَظَنَنْتُ) وفي نسخة بالواو بدل الفاء (أَنَّهُ يَبِيعُهُ بِرُخْصٍ فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) عن ذلك (فَقَالَ لاَ تَشْتَرِي) بحذف ضمير المفعول، وفي رواية بإثباته، ويروى بإشباع
ج 7 ص 293
كسرة الراء، وظاهر النَّهي التَّحريم، لكن الجمهور على أنَّه للتَّنزيه فيكره لمن تصدَّق بشيءٍ أو أخرجه في زكاةٍ أو كفَّارة أو نَذْرٍ ونحو ذلك من القُربات أن يشتريه ممَّن دفعه هو إليه، أو يتَّهبه أو يتملَّكه باختيار منه.
فأمَّا إذا ورثه فلا كراهة، وقد تقدَّم وقد سبق أيضًا أنَّه لو انتقل إلى ثالثٍ ثمَّ اشتراه منه فلا كراهة.
وحكى الحافظ العراقي في «شرح التِّرمذي» كراهة شرائه من ثالث انتقل إليه من المتصدَّق به عليه عن بعضهم لرجوعه فيما تركه لله كما حرَّم على المهاجرين سكنى مكَّة بعد هجرتهم منها لله تعالى، وأشار صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى العلَّة في نهيه عن الابتياع بقوله
(وَلاَ تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ) أي بطريق الابتياع ولا غيره، فهو من عطف العام على الخاصِّ، كذا قيل، فافهم (وَإِنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ) متعلِّق بقوله لا تشتر؛ أي لا ترغب فيه البتة، ولا تنظر إلى رخصه وانظر إلى أنَّه صدقتك، وهو مبالغةٌ في رخصه وهو الحامل له على شرائه، وسَمَّى شراءه بِرُخصٍ عودًا في الصَّدقة من حيث إنَّ الغرض منها ثواب الآخرة، فإذا اشتراها برُخصٍ فكأنَّه اختار عرضَ الدُّنيا على الآخرة، مع أنَّ العادة تقتضي بيع مثل ذلك برخص لغير المتصدِّق فكيف بالمتصدِّق فيصير راجعًا في المقدار الذي سومح فيه.
(فَإِنَّ الْعَائِدَ فِي صَدَقَتِهِ كَالْعَائِدِ فِي قَيْئِهِ) الفاء للتَّعليل، والغرض من التَّشبيه تقبيح صورة ذلك الفعل؛ أي كما يقبح أن يقيءَ ثمَّ يأكل ذلك، يقبح أن يتصدَّق بشيءٍ ثمَّ يجرُّه إلى نفسه بوجهٍ من الوجوه، وفي رواية للشيخين (( كالكلب يعود في قيئه ) )فشبَّه بأخس الحيوان في أخسِّ أحواله تصويرًا للتَّهجين وتنفيرًا منه.
قال في «المصابيح» وفي ذلك دليلٌ على المنع من الرُّجوع في الصَّدقة لما اشتمل عليه من التَّنفير الشَّديد من حيث إنَّه شبَّه الرَّاجع بالكلب، والمرجوع فيه بالقيء والرُّجوع في الصَّدقة برجوع الكلب في قيئه. انتهى.
وجزم بعضُهم بالحرمة، قال قتادة لا نعلمُ أكل القيء إلَّا حرامًا، والصَّحيح أنَّه للتَّنزيه؛ لأنَّ فعل الكلب لا يوصف بتحريم؛ إذ لا تكليف عليه، فالمراد منه التَّنفير من العود بتشبيهه بهذا المستقذر، ففي الحديث كراهية الرُّجوع في الهبة، وفضل الحمل في سبيل الله، والإعانة على الغزو بكلِّ شيءٍ.
ثمَّ إنَّ الخيل الضَّائع الضَّعيف المحمول عليه في سبيل الله منع ابن الماجشون بيعه، وأجازه ابن القاسم ويوضع ثمنه في ذلك الوجه.
وقال القاضي أبو محمَّد لا بأس أن يركبَ الفرس الذي جعله في سبيل الله، ثمَّ هذا الحديث أخرجه المؤلِّف في الهبة [خ¦2623] وفي الجهاد أيضًا [خ¦2970] ، وأخرجه مسلمٌ في الفرائض، والنسائي في الزَّكاة، وابن ماجه في الأحكام.
ج 7 ص 294