فهرس الكتاب

الصفحة 2350 من 11127

1492 - (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ) بضم العين المهملة وفتح الفاء، وقد مرَّ في باب من يرد الله به خيرًا، [خ¦71] قال (حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله (عَنْ يُونُسَ) أي ابن يزيد (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلم بن شهاب الزُّهري، قال (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) بتصغير الأول وتكبير الثاني، ابن عتبة بن مسعود، أحد الفقهاء السَّبعة.

(عَنِ ابْنِ عَبِّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما قَالَ وَجَدَ النَّبِيُّ شَاةً مَيِّتَةً أُعْطِيَتْهَا) على البناء للمفعول وقوله (مَوْلاَةٌ) رفع على أنه نائب الفاعل؛ أي عتيقة (لِمَيْمُونَةَ) أمِّ المؤمنين رضي الله عنها، ولم تسمَّ تلك الموالاة.

(مِنَ الصَّدَقَةِ) متعلق بأُعْطِيَت أو صفة لشاة، وهذا هو موضع التَّرجمة فإنَّ مولاة ميمونة رضي الله عنها أعطيت صدقة فلم ينكر عليها النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فدلَّ على أنَّ موالي أزواجه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تحلُّ لَهُنَّ الصَّدقة مثلهنَّ؛ لأنهنَّ لسن من جملة الآل نعم هي حرامٌ على مواليه صلوات الله وسلامه عليه وموالي آله، وقد تقدَّم الكلام فيه [خ¦1485] .

(فَقَالَ) وفي رواية بدون الفاء(النَّبِيُّ هَلاَّ انْتَفَعْتُمْ بِجِلْدِهَا، قَالُوا إِنَّهَا مَيْتَةٌ،

ج 7 ص 297

قَالَ إِنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهَا)اتَّفق معمر ومالك ويونس على قوله «إنَّما حرم أكلها» إلَّا أنَّ معمرًا قال «لحمها» . ولم يذكر واحد منهم زيادة «دباغ إهابها طهورها» وكان ابن عيينة يقول لم أسمع أحدًا يقول «إنَّما حرم أكلها» إلَّا الزُّهري.

واتَّفق الزُّبيدي وعقيل وسليمان بن كثير والأوزاعي على ذكر الدِّباغ في هذا الحديث عن الزُّهري، وكان ابن عيينة مرَّة يذكره ومرَّة لا يذكره.

قال محمَّد بن يحيى النِّيسابوري لست أعتمدُ في هذا الحديث على ابن عيينة لاضطرابه فيه، وأمَّا ذكر الدِّباغ فلا يوجد إلَّا عن يحيى بن أيوب، عن عقيل، ومن رواية بقية، عن الزُّبيدي، ويحيى وبقية ليسا بالقويين، ولم يذكر مالك ولا يونس الدِّباغ، وهو الصَّحيح في حديث الزُّهري، وبه كان يُفْتِي.

وأمَّا من غير رواية الزُّهري فصحيحٌ محفوظٌ عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما، واحتجَّت بحديث الباب جماعةٌ كثيرةٌ من الصَّحابة والتَّابعين على أنَّ جلد الميتة يَطْهُر بالدِّباغ. وممَّن قال بذلك ابن مسعودٍ رضي الله عنه وابن المسَّيب وعطاء بن أبي رباح والحسن والشَّعبي والنَّخعي وسالم وابن جُبير وقتادة والضَّحاك ويحيى الأنصاري واللَّيث والأوزاعي والثَّوري وعبد الله بن المبارك وأبو حنيفة وأصحابه، وإسحاق.

وفيه دليلٌ على بطلان قول من قال إنَّ الجلدَ من الميتة لا ينتفعُ به بعد الدِّباغ، وبطل أيضًا قول من قال إنَّ جلد الميتة وإن لم يُدْبغ يستمتع به وينتفع به، وهو قول مرويٌّ عن ابن شهاب والليث بن سعد، وهو مشهورٌ عنهما، على أنَّه قد رُوِيَ عنهما خلافه قال معمر وكان الزُّهري يُنْكِرُ الدِّباغ ويقول يستمتع به على كلِّ حالٍ.

وقال أبو عبد الله المروزيُّ ما علمت أحدًا قال ذلك قبل الزُّهري، وكان الزُّهري يذهب إلى ظاهر الحديث في قوله «إنَّما حرم أكلها» .

وقال الطَّحاوي قال اللَّيث لا بأس ببيع جلود الميتة قبل الدِّباغ؛ لأنَّ النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أذن في الانتفاع بها، والبيع من الانتفاع.

وقال أبو جعفر لم يُحْكَ عن أحد الفقهاء جواز بيع جلد الميتة قبل الدِّباغ إلَّا عن اللَّيث قال أبو عمر يعني بالفقهاء أئمَّة الفتوى بالأمصار بعد التَّابعين؛ وأمَّا ابن شهاب فذلك عنه صحيحٌ.

وقد ذكر ابن عبد الحكم عن مالكٍ ما يشبه

ج 7 ص 298

مذهب ابن شهاب في ذلك قال من اشترى جلد ميتةٍ فدبغه وقطعه نعالًا فلا يبعه حتَّى ييبس، فهذا يدلُّ على أنَّ مذهبه جواز بيع جلد الميتة قبل الدِّباغ وبعده.

وفي «التوضيح» وجملة ما ذكر في دباغ جلود الميتة وطهارتها سبعة أقوال

أحدها أنَّه يطهر به جميع جلود الميتة إلَّا الكلب والخنزير ظاهرًا وباطنًا، ويستعملُ في اليابس والمائع سواء كان مأكول اللَّحم أو غيره، وبه قال عليٌّ وابن مسعود رضي الله عنهما، وهو مذهب الشَّافعي.

ثانيها لا يطهر منها شيءٌ به، وروي ذلك عن جماعةٍ من السَّلف قيل منهم عمر بن الخطَّاب وابنه عبد الله وعائشة رضي الله عنهم، وهي أشهر الرِّوايتين عن أحمد ورواية، عن مالك.

ثالثها يطهر به جلد مأكول اللحم دون غيره، وهو مذهب الأوزاعي وابن المبارك وأبي ثور.

رابعها يطهر جميعها إلَّا الخنزير، وهو مذهبُ أبي حنيفة.

خامسها يطهر الجميع إلَّا أنَّه يطهر ظاهره دون باطنه، ويستعمل في اليابسات دون المائعات، ويصلَّى عليه لا فيه، وهو مشهورٌ مذهب مالك فيما حكاه عنه أصحابه.

سادسها يطهر الجميع والكلب والخنزير ظاهرًا وباطنًا، وهو مذهب داود وأهل الظَّاهر وحكي عن أبي يوسف.

سابعها أنَّه يُنْتفع بجلود الميتة وإن لم تُدْبَغْ، ويجوز استعمالها في المائعات واليابسات، وهو وجه شاذٌّ لبعض الشَّافعية.

والحديث أخرجه المؤلِّف في البيوع [خ¦2221] ، وفي الذبائح [خ¦5531] ، والطهارة أيضًا [1] .

وأخرجه أبو داود في اللِّباس، والنسائي في الذَّبائح، هذا وَرَوى مسلم من حديث عطاء، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما أنَّ ميمونة أخبرته أنَّ داجنًا كانت لبعض أزواج النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فماتت فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( ألا أخذتم إهابها فاستمتعتم به ) ). وفي رواية أبي داود (( مرَّ النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ برجالٍ من قريش يجرُّون شاةً فقال لو أخذتم إهابها قالوا إنَّها ميتةٌ قال يطهره الماء والقرظ ) ).

وفي رواية لأحمد عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما ماتت شاةٌ لسودة بنت زمعة فقالت يا رسول الله، ماتت فلانة تعني الشَّاة فقال (( لولا أخذتم مَسْكها فقالت نأخذُ مَسْك شاةٍ قد ماتت، فقال إنَّكم لا تَطْعَمونه تنتفعوا به ) )قال فأرسلتْ إليها فسلختْ مَسكها فدبغته، واتَّخذت منه قِربةً حتَى تَخَرَّقَتْ عندها.

وعند مسلمٍ عنه مرفوعًا (( إذا دُبِغَ الإهابُ فقد طَهُر ) )وفي لفظ (( دباغه طهور )

ج 7 ص 299

وعند ابن شاهين سئل عن جُلود الميتة، فقال (( طهورها دباغها ) ). وفي لفظ مرفوعًا (( استمتعوا بجلود الميتة إذا دُبِغَتْ ترابًا أو رمادًا أو مِلْحًا أو ما كان بعد أن يزيد صلاحُه ) ).

قال الدَّارقطني وفي إسناده معروف بن حسان منكر الحديث.

وفي كتاب ابن سعدٍ قال محمَّد بن الأشعث لعائشة رضي الله عنها ألا نجعلُ لك فروًا تلبسيه فإنَّه أدفأ لك؟ قالت إنِّي لأكره جلود الميتة، فقال أنا أقوم عليه ولا أجعله إلَّا ذكيًّا، فجعله لها فكانت تلبسه. رواه معن ومطرف.

وروى أبو داود بسندٍ جيِّدٍ من حديث قتادة بن الحسن، عن الجون بن قتادة، عن سلمة بن المحبق أنَّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مرَّ ببيتٍ بفنائه قربةٌ معلَّقة فاستسقى، فقيل إنَّها ميتةٌ فقال (( زكاة الأديم دباغه ) ).

وعند أحمد بسند جيد عن جابر رضي الله عنه «كنَّا نصيب مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في مغانمنا من المشركين الأسقية والأوعية فنقسمها وكلها ميتة» .

وروى الدَّارقطني من حديث أم سلمة رضي الله عنها أنَّها ماتت لها شاةٌ فقال النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( أفلا انتفعتُم بإهابها فقالوا إنَّها ميتةٌ، فقال إنَّ دباغها يُحِلُّ كما يَحِلُّ خلُّ الخمر ) )قال تفرَّد به الفرج بن فضالة، وهو ضعيف.

فإن قيل جاءت أحاديث تخالف الأحاديث المذكورة منها حديث رواه أحمد في «مسنده» من حديث حبيب بن أبي ثابتٍ، عن رجلٍ، عن أمِّ سليمان الأشجعيَّة أنَّ النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أتاها وهي في قبة فقال (( ما أحسن هذه إن لم يكن فيها ميتة ) )قالت فجعلت أتتبعها.

ومنها حديث رواه ابن حبَّان في «صحيحه» عن عبد الله بن عُكيم قال «كتب إلينا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قبل موته بشهرٍ أن لا تنتفعوا من الميتة بإهابٍ ولا عصب» ، ثمَّ قال ذِكْرُ البيان بأنَّ ابن عُكيمٍ شهد قراءة كتاب النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأرض جهينة، ثمَّ ذكر عنه قال «قُرئ علينا كتاب النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» ، ولمّا رواه أحمد في «مسنده» قال ما أصلح إسناده.

ومنها حديث رواه أبو حفص ابن شاهين من حديث ابن عمر رضي الله عنهما «أنَّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نهى أن ينتفعَ من الميتة بعصبٍ أو إهابٍ» .

ومنها حديث جابرٍ رضي الله عنه، رواه ابن شاهين أيضًا من حديث أبي الزُّبير عنه عن النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنَّه قال (( لا يُنْتَفَعُ من الميتة بشيءٍ ) ).

ج 7 ص 300

ورواه ابن جرير الطَّبري أيضًا.

ومنها حديث رواه أبو داود والتِّرمذي وصحَّحه «أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نهى عن جلود السِّباع أن تفترش» .

فالجواب أنَّ حديث أم سليمان محمول على أنه لم يكن مدبوغًا.

وحديث ابن عُكيم معلول بأمور ثلاثة

الأولى أنَّه مضطرب سندًا ومتنًا، وقد فصَّله العيني في شرحه للهداية.

والثاني الاختلاف في صحبته، فقال البيهقي وغيره لا صحبة له.

والثالث أنه روي عنه أنَّه سمع من الناس الدَّاخلين عليه، وهم مجهولون، ولئن صحَّ فلا يقاوم حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما.

وحديثُ ابنِ عمر رضي الله عنهما عامةُ من في إسناده مجهولون.

وحديث جابر رضي الله عنه في إسناده زمعة، وهو ممَّن لا يعتمدُ على نقله.

وأمَّا النَّهي عن جلود السِّباع فقد قيل إنها كانت تستعمل قبل الدِّباغ، وقال ابنُ شاهين هذه الأحاديث لا يمكن ادِّعاء نسخ شيء منها بالآخر.

فإن قلتَ حديث ابن عُكيم قبل الوفاة بشهرٍ، فالجواب أنه يمكن أن يقال يجوزُ أن يكون الأمر قبل أن يموت النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بجمعة، والأولى هنا هو الأخذ بالحديثين جميعًا وهو أن يحملَ المنع على ما قبل الدِّباغ، والإخبار بالطَّهارة على ما بعده، على أنَّ الإهاب في قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( أيُّما إهابٍ دبغَ فقد طَهُر ) )اسم للجلد الذي لم يُدْبغْ، فبعد الدِّباغ لا يُسمَّى إهابًا، وإنما يسمَّى أديمًا، أو جِلْدًا، أو جِرابًا.

[1] لم أجده في الطهارة ولم يعزه إليه في (( تحفة الأشراف ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت