1493 - (حَدَّثَنَا آدَمُ) هو ابنُ أبي إياس، قال (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) أي ابن الحجَّاج، قال (حَدَّثَنَا الْحَكَمُ) بفتحتين، هو ابن عتبة (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعي (عَنِ الأَسْوَدِ) بن يزيد النَّخعي (عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أَنَّهَا أَرَادَتْ أَنْ تَشْتَرِيَ بَرِيرَةَ) بفتح الموحَّدة وكسر الراء الأولى (لِلْعِتْقِ وَأَرَادَ مَوَالِيهَا) أي ساداتها وكانت لعتبة بن أبي لهب، وقال أبو عمر كانت مولاة لبعض بني هلال فكاتبوها ثمَّ باعوها من عائشة رضي الله عنها زوج النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقيل كانت لأهل بيت من الأنصار.
(أَنْ يَشْتَرِطُوا) على عائشة (وَلاَءَهَا) أن يكون لهم، والولاءُ بالمدِّ مأخوذ من الوَلْي بفتح الواو وسكون اللام، وهو القرب، والمراد به هنا وصف حكميٌّ ينشأ عنه ثبوت حقِّ الإرث من العتيق الذي لا وارث له من جهة نسب أو زوجيَّة، أو الفاضل عن ذلك، وحق العقل عنه إذا جنى، والتَّزويج للأنثى بشروط
ج 7 ص 301
ذلك وانتفاء مانعه.
فلذلك قال الشَّافعي إنَّ المسلم إذا أعتق النَّصراني وبالعكس حقُّ الولاء ثابتٌ له ولا إرث لاختلاف الدِّينين، وقد قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( لا يرث المسلمُ الكافرَ ولا الكافرُ المسلم ) )ووجود مانعِ الإرث لا يلزمُ منه عدم المقتضى بدليل الأب القاتل أو الرَّقيق أو المخالف في الدِّين، فإن عدم إرثه لا يقدح في أبوَّته فلم يخرج عن كونه أباه فكذا هنا لا يخرج عن كونه مولاه، هذا تقرير الشافعيِّ في «الأم» وغيرها من كتبه.
وكذا عند الحنفيَّة على ما في «المبسوط» وقد كانت العرب تبيع هذا الحقَّ وتهبه فنهى الشَّرع عنه؛ لأنَّ الولاءَ كالنَّسب، ولحمة كلحمةِ النَّسب فلا يقبل الزَّوال بالإزالةِ.
والمولى يُطلق على المُعْتِق من جِهة الأعلى، وعلى العتيق لكن من جهة الأسفل، وهل ذلك حقيقة فيهما أو في الأعلى أو في الأسفل، أقوال مشهورة.
وذكر ابن الأثير في «النهاية» أنَّ اسم المولى يقع على معان كثيرة وذكر منها ستة عشر معنى وهي الربُّ، والمالك، والسيِّد، والمنعم، والمعتق، والناصر، والمحبُّ، والتَّابع، والجار، وابن العم، والحليف، والعقيد، والصِّهر، والعبد، والمنعم عليه، والمعتق، قال وأكثرها قد جاء في الحديث فيُضاف كلُّ واحدٍ إلى ما يقتضيهِ الحديث الوارد فيه. وكلُّ من ولي أمرًا أو قام به فهو مولاه ووليُّه.
وتختلف مصادر هذه الأسماء فالوَلاية، بالفتح، في النَّسب والنُّصرة والعتق، والوِلاية، بالكسر، في الإمارة، والوَلاء في المعتق، والموالاة من والَى القوم.
(فَذَكَرَتْ عَائِشَةُ) رضي الله عنها (لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) والمفعول محذوف؛ أي ذلك (فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اشْتَرِيهَا) منهم على ما يريدون من اشتراطِ كون الولاء لهم (فَإِنَّمَا الْوَلاَءُ لِمَنْ أَعْتَقَ) أي فلا تبال باشتراط ذلك، فإنَّه شرط باطلٌ، وكلمة إنما هنا للحصر؛ لأنها لو لم تكن للحصرِ لما لزم من إثبات الولاء لمن أعتقَ نفيه عمَّن لم يُعتق وهذه الكلمة إنما ذكرتْ في الحديث لبيان نفيه عمَّن لم يعتق، فدلَّ على أنَّها للحصرِ؛ قاله ابن دقيق العيد.
فإن قيل إنَّ شرط الولاء لغير المعتق يُوجب فساد العقدِ لمخالفته نصَّ الشَّارع (( إنَّ الولاء لمن أعتق ) ).
فالجواب إنَّ هذا الشَّرط لم يقعْ في العقد، بل في أداءِ عائشة رضي الله عنها إليهم عن بريرة، وهم تولوا عقدَ الكتابة، ولم يتقدَّم ذلك الأداء من عائشة رضي الله عنها، فذكرتْ ذلك لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
ج 7 ص 302
فقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( اشتريها فإنَّ الولاء لمن أعتق ) )أي لا ترجعي لهذا المعنى عمَّا كنت نويت بعتاقها من الثَّواب، فكان ذلك الشراء هاهنا ابتداء من رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وليس ما كان قبل ذلك بين عائشة رضي الله عنها وبين أهل بريرة.
وقال النَّووي إنَّه من خصائص عائشة رضي الله عنها ولا عموم لها، لا يقال فيه صورة المخادعة؛ لأنَّ المراد منه الزَّجر والتَّوبيخ؛ لأنَّه كان بيَّن لهم حكم الولاء، وأن هذا الشَّرط لا يحلُّ فلمَّا لجُّوا في اشتراطه ومخالفة الأمر قال لعائشة رضي الله عنها هذا، بمعنى لا تبالي سواء شرطتيه أم لا فإنَّه شرط باطلٌ؛ لأنَّه قد سبق بيان ذلك لهم وليس لفظ (( واشترطي ) )هنا، كما في بعض الرِّوايات، للإباحة.
(قَالَتْ) رضي الله عنها (وَأُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) بضم الهمزة على البناء للمفعول (بِلَحْمٍ، فَقُلْتُ هَذَا مَا) وفي رواية (تُصُدِّقَ بِهِ) بضم التاء والصاد على البناء للمفعول (عَلَى بَرِيرَةَ، فَقَالَ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (هُوَ) أي اللَّحم المتصدَّق به على بريرة (لَهَا صَدَقَةٌ وَلَنَا هَدِيَّةٌ) قال ابن مالك يجوزُ في صدقة الرفع على أنَّه خبر هو ولها صفة قدمت فصارت حالًا، كقوله والصَّالحات عليها مغلقًا بابٌ.
فلو قصد بها الوصفيَّة لقيل والصَّالحات عليها باب مُغْلق، وكذا الحديث لو قصدتَ فيه الوصفيَّة بلها لقيل هو صدقةٌ لها، ويجوزُ النَّصب فيها على الحالِ والخبر (لها) ، انتهى.
والصَّدَقة منحة لثواب الآخرة، والهديَّة تمليك الغير شيئًا تقرُّبًا إليه وإكرامًا له، ففي الصَّدقة نوع ذل للآخذ، فلذلك حرمت الصَّدقة عليه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دون الهدية، وقيل لأنَّ الهدية يثاب عليها في الدُّنيا فتزول المنَّة، والصَّدقة يراد بها ثواب الآخرة، فتبقى المنَّة، ولا ينبغي للنَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يمنَّ عليه غير الله.
وقال البيضاوي إذا تصدق على المحتاج بشيءٍ ملكه كسائر ما يملكه فله أن يُهديَه غيره، كما له أن يُهديَ سائر أمواله بلا فرق، وهذا هو موضع الترجمة؛ لأنَّ بريرة من جملة موليات عائشة رضي الله عنها وتصدق عليها.
وهذا الحديث قد سبق في باب ذكر البيع والشراء على المنبر في المسجد [خ¦456] .
وقد أخرجه المؤلِّف في الكفَّارات [خ¦6717] والطلاق [خ¦5279] والفرائض أيضًا [خ¦6751] ، والنَّسائيِّ في الزكاة والطَّلاق.