فهرس الكتاب
1516 - (وَقَالَ أبَانُ) بفتح الهمزة وتخفيف الموحَّدة وبالنون منصرفًا وغير منصرف، هو ابن يزيد العطَّار البصري، وإنَّما لم يقل حدَّثني ونحوه بل بلفظ قال لأنَّه لم يذكره على سبيل التَّحمل والنقل (حَدَّثَنَا مالِكُ بنُ دِينارٍ) الزَّاهد البصري التَّابعي النَّاجيّ، بالنون والجيم وياء النسبة، مات سنة ثلاث وعشرين ومائة، ولم يخرِّج له البخاري غير هذا الحديث.
(عَنِ القاسِمِ بنِ مُحَمَّدٍ)
ج 7 ص 381
بن أبي بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه (عَنْ عَائِشةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أنَّ النَّبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ مَعَهَا أَخَاهَا عبْدَ الرَّحْمَنِ) هو ابن أبي بكر الصِّدِّيق رضي الله عنهما، وكان شقيق عائشة، وأمهما أم رومان بنت عامر.
وكان اسم عبد الرَّحمن في الجاهليَّة عبد العزَّى، فسمَّاه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عبد الرَّحمن، روي له عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثمانية أحاديث، اتَّفقا على ثلاثة، مات بالحبشة على اثني عشر ميلًا من مكَّة، فحُمِلَ ودُفِنَ في مكَّة، في إمرة معاوية رضي الله عنه، سنة ثلاث وخمسين.
(فَأَعْمَرَهَا) أي حملها على العمرة (مِنَ التَّنْعِيمِ) بفتح المثناة الفوقية وسكون النون وكسر العين، موضع عند طرق مكَّة من جهة المدينة على ثلاثة أميال من مكَّة (عَلَى قَتَبٍ) بفتح القاف والمثناة الفوقية وآخره باء موحدة، هو رحل صغير على قدر السَّنام، والجمع أقتاب، ويجوز تأنيثه عند الخليل.
وفي «المحكم» القِتْب والقَتَب إكافُ البعير. وفي «المخصَّص» القَتَب لبعير الحَمْل، والقِتْب، بالكسر، لبعير السَّانية، واحتجَّ بهذا الحديث قوم منهم عَمرو بن دينار على أنَّ وقت العمرة لمن كان بمكَّة هو التَّنعيم.
وقال جمهورُ العلماء من التَّابعين وغيرهم منهم أبو حنيفة وأصحابه ومالك والشَّافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وآخرون أنَّ وقت العمرة لمن كان بمكَّة الحِل وهو خارج الحرم، فمن أَيِّ الحل أحرموا بها جاز، سواء كان ذلك التَّنعيم أو غيره من الحل.
وقال الطَّحاوي إنَّه قد يجوز أن يكون النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قصد إلى التَّنعيم؛ لأنَّه كان أقرب الحل منها؛ لأنَّ غيره من الحلِّ ليس هو في ذلك كهو. ويحتمل أيضًا أن يكون أراد به التَّوقيت لأهل مكَّة في العمرة قال فنظرنا في ذلك، فإذا يزيد بن سنان قد حدَّثنا قال حدَّثنا عثمان بن عمر قال حدَّثنا أبو عامر صالح بن رستم، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة رضي الله عنها قالت (( دخل عليَّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بسرف وأنا أبكي فقال ما ذاك؟ قلت حضت قال فلا تبكي اصنعي ما يصنع الحاجُّ، فقدمنا مكَّة ثمَّ أتينا منى، ثمَّ غدونا إلى عرفة، ثمَّ رمينا الجمرة تلك الأيام، فلمَّا كان يوم النَّفْر فنزل
ج 7 ص 382
المحصب وقالت والله ما نزلها إلَّا من أجلي، فأمر عبد الرَّحمن بن أبي بكر فقال احمل أختك فأخرجها من الحرم، قالت والله ما ذكر الجعرانة ولا التَّنعيم، فلتهلُّ بعمرة، فكان أدناها من الحرم التنعيم، فأهللتُ بعمرة، فطفنا بالبيت وسعينا بين الصَّفا والمروة، ثم َّأتينا فارتحل )) ، فأخبرت عائشة رضي الله عنهما أنَّ النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يقصد لما أراد أن يعمرها إلا إلى الحلِّ لا إلى موضع منه بعينه، وإنَّه إنَّما قصد بها عبد الرَّحمن التَّنعيم؛ لأنَّه كان أقرب الحلِّ إليهم لا لمعنى فيه يَبِيْنُ به من سائر الحلِّ غيره، فثبت بذلك أنَّ وقت أهل مكَّة لعمرتهم الحل، وأنَّ التَّنعيم وغيره في ذلك سواء، والله أعلم.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة من جهة أنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْمَرَها على قَتَبٍ، وهو الرَّحل الصَّغير، كما تقدَّم.
(وَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ شُدُّوا الرِّحَالَ) جمع رحل، وقد مرَّ تفسيره، وقد مرَّ أنَّ القَتَب هو الرَّحل الصَّغير (فِي الْحَجِّ فَإِنَّهُ) أي الحج (أَحَدُ الْجِهَادَيْنِ) سمَّاه جهادًا؛ لأنَّه يجاهد فيه نفسه بالصَّبر على مشقَّة السَّفر وترك الملاذ ودرأ الشَّيطان عن الشَّهوات، وهذا التَّعليق وصله عبد الرَّزَّاق وسعيد بن منصور من طريق إبراهيم النَّخعي، عن عابس بن ربيعة أنَّه سمع عمر رضي الله عنه يقول وهو يخطب إذا وضعتم السُّروج فشدُّوا الرِّحال إلى الحجِّ أو العمرة فإنه أحد الجهادين، وعابِس بكسر الموحدة وبالسين المهملة.