1537 - 1538 - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ) هو الفريابي، قال (حَدَّثَنَا سُفْيانُ) هو الثَّوري (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابن المعتمر (عَنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ قَالَ كَانَ ابنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَدَّهِنُ بالزَّيْتِ)
ج 7 ص 426
أي عند الإحرام، بشرط أن لا يكون مطيبًا، كما أخرجه التِّرمذي من وجه آخر عنه مرفوعًا.
وقال الكِرماني يدهن بالزَّيت؛ أي لا يتطيَّب، وقد تقدَّم في باب من تطيَّب في كتاب الغسل [خ¦270] أنَّ ابن عمر رضي الله عنهما قال «ما أحبُّ أن أصبح محرمًا أنضخ طيبًا» ، وفي رواية أنَّه قال «لأن أطلى بقطران أحبُّ إليَّ من أن أتطيَّب ثمَّ أصبح محرمًا» .
وكان ابن عمر رضي الله عنها يتبع في ذلك أباه، فإنَّه كان يكره استدامة الطِّيب بعد الإحرام، كما سيأتي إن شاء الله تعالى [خ¦1538] . وكانت عائشة رضي الله عنها تنكر عليه ذلك، وقد روى سعيد بن منصور من طريق عبيد الله بن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنَّ عائشة رضي الله عنها كانت تقول لا بأس بأن يمسَّ الطِّيب عند الإحرام قال فدعوت رجلًا وأنا جالس بجنب ابن عمر رضي الله عنهما فأرسلته إليها وقد علمت قولها، ولكن أحببت أن يسمعه أبي فجاءني رسولي فقال إنَّ عائشة رضي الله عنها تقول لا بأس بالطِّيب عند الإحرام فأصب ما بدا لك قال فسكت ابن عمر رضي الله عنهما.
وكذا كان سالم بن عبد الله بن عمر يخالف أباه وجدَّه في ذلك لحديث عائشة رضي الله عنها، قال ابن عيينة أخبرنا عمرو بن دينار، عن سالم أنَّه ذكر قول عمر رضي الله عنه في الطِّيب ثمَّ قال قالت عائشة رضي الله عنها. فذكر الحديث، قال سالم وسنَّة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أحقُّ أن تُتَّبَع.
(فَذَكَرْتُهُ لإِبْرَاهِيمَ) أي قال منصور ذكرت امتناع ابن عمر رضي الله عنهما من التطيُّب عند الإحرام لإبراهيم النَّخعي (قَالَ مَا تَصْنَعُ بِقَوْلِهِ) أي بقول ابن عمر رضي الله عنهما حيث ثبت ما ينافيه من فعل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ويؤخذ منه أنَّ المفزع في النَّوازل إلى السنن، وأنَّها يستغنى بها عن آراء الرِّجال، وفيها المقنع.
(حَدَّثَنِي الأَسْوَدُ) هو ابن يزيد النَّخعي (عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله عنها أنَّها (قَالَتْ كَأَنِّي أَنْظُرُ) أرادت بذلك قوَّة تحققها لذلك بحيث إنَّها لشدَّة استحضارها له كأنَّها ناظرة إليه (إِلَى وَبِيصِ الطِّيبِ) بفتح الواو وكسر الموحدة وبالمثناة التحتية وبالصاد المهملة، هو البريق واللَّمعان، والمراد أثر الطِّيب لا جرمه.
وقال الإسماعيلي الوبيص زيادة على البريق، والمراد به التلألؤ وهو يدلُّ على وجود عين قائمة لا الرِّيح فقط.
(فِي مَفَارِقِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)
ج 7 ص 427
جمع مفرق وهو وسط الرَّأس، وإنَّما جمع تعميمًا لجوانب الرَّأس التي يفرق فيها الشَّعر، وقال الجوهري قولهم للمفرق مفارق كأنَّهم جعلوا كلَّ موضع منه مفرقًا (وَهُوَ مُحْرِمٌ) جملة حالية، وبهذا الحديث احتجَّ أبو حنيفة وأبو يوسف وزفر أنَّ المحرم إذا تطيَّب قبل إحرامه بما شاء من الطِّيب مسكًا كان أو غيره فإنَّه لا بأس به، وليس عليه شيء سواء كان ممَّا يبقى عليه بعد إحرامه أو لا، ولا يضرُّه بقاؤه عليه.
وبه قال الشَّافعي وأصحابه أحمد والثَّوري والأوزاعي، وهو قول عائشة راوية الحديث وسعد بن أبي وقاص وابن عبَّاس وابن الزُّبير وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهم، وجماعة من التَّابعين بالحجاز والعراق.
وفي «شرح المهذَّب» استحبَّه عند إرادة الإحرام معاوية وأمُّ حبيبة وابن المنذر وإسحاق وأبو ثور، ونقله ابن أبي شيبة عن عروة بن الزُّبير وعمر بن عبد العزيز وإبراهيم في رواية.
وذكره ابن حزم عن البراء بن عازب وأنس بن مالك، وأبي ذرٍّ والحسين بن علي وابن الحنفيَّة والأسود وقاسم وسالم وهشام بن عروة وخارجة بن زيد وابن جريج.
وقال آخرون منهم عطاء والزُّهري وسعيد بن جبير وابن سيرين والحسن لا يجوز أن يتطيَّب المحرم قبل إحرامه بما يبقى عليه رائحته بعد الإحرام. وإذا أحرم حرم عليه الطِّيب حتَّى يطوف بالبيت، وإليه ذهب محمَّد بن الحسن واختاره الطَّحاوي، وهذا مذهب عمر وعثمان بن أبي العاص.
وقال الطَّرطوشي يكره الطِّيب المؤنث كالمسك والزَّعفران والكافور والغالية والعود ونحوها، فإن تطيَّب وأحرم به فعليه الفدية، فإن أكل طعامًا فيه طيب فإن كانت النَّار مسَّته فلا شيء عليه، وإن لم تمسَّه النار ففيه وجهان، وأمَّا غير المؤنَّث مثل الرَّياحين والياسمين والورد فليس من ذلك ولا فدية فيه أصلًا. والطِّيب المؤنث طيب النِّساء كالخلوق والزعفران، قاله شمر.
وأمَّا شم الرَّيحان ففي «شرح المهذَّب» الرَّيحان الفارسي والمرزنجوش والنَّيلَوفر والنَّرجس فيها قولان أحدهما يجوز شمها؛ لما روي عن عثمان رضي الله عنه أنَّه سئل عن المحرم يدخل البستان قال نعم ويشمُّ الرَّيحان.
ج 7 ص 428
والثَّاني لا يجوز لأنَّه يراد للرَّائحة فهو كالورد والزَّعفران، والأصح تحريم شمِّها ووجوب الفدية، وبه قال ابن عمر وجابر رضي الله عنهما والثَّوري ومالك وأبو حنيفة وأبو ثور إلا أنَّ أبا حنيفة ومالكًا يقولان يحرم ولا فدية.
وقال ابن المنذر واختلف في الفدية عن عطاء وأحمد، وممَّن جوَّزه وقال هو حلال ولا فدية فيه عثمان وابن عبَّاس رضي الله عنهما والحسن ومجاهد وإسحاق. قال العبدري وهو قول أكثر العلماء.
وفي «التَّوضيح» الحنَّاء عندنا ليس طيبًا، خلافًا لأبي حنيفة، وعند مالك وأحمد فيه الفدية.
وقالت عائشة رضي الله عنها «وكان صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يكره ريحه» . أخرجه ابن أبي عاصم في كتاب الخضاب، وكان يحبُّ الطِّيب، فلو كان طيبًا لم يكرهه.
هذا، وقال العيني روى أبو يعلى في «مسنده» عن أنس رضي الله عنه أنَّ النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال (( اختضبوا بالحنَّاء فإنَّه طيِّب الرِّيح يسكِّن الدَّوخة ) )، وأمَّا الطِّيب بعد رمي الجمرة فقد رخَّص فيه ابن عبَّاس وسعد بن أبي وقاص وابن الزُّبير وعائشة رضي الله عنهم وابن جبير والنَّخعي وخارجة بن زيد، وهو قول الكوفيِّين والشَّافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور وكرهه سالم ومالك.
وقال ابن القاسم ولا فدية لما جاء في ذلك، ولمَّا كان الطَّحاوي مع محمَّد بن الحسن فيما ذهب إليه، أجاب عن حديث الباب الذي احتجَّ به أبو حنيفة وأبو يوسف وآخرون فقال وكان من الحجَّة له؛ أي لمحمَّد بن الحسن في ذلك أنَّ ما ذكر في حديث عائشة رضي الله عنها من تطيُّب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عند الإحرام إنَّما فيه أنَّها كانت تطيِّبه إذا أراد أن يحرم، فقد يجوز أن يكون كانت تفعل ذلك به ثمَّ يغتسل إذا أراد أن يحرم، فيذهب بغسله عند الإحرام ما كان على بدنه من طيب ويبقى فيه ريحه.
ورجال إسناد حديث الباب كلُّهم كوفيُّون ما خلا ابن عمر رضي الله عنهما، وقد أخرج متنه مسلم، وأبو داود، والنَّسائي في الحجِّ أيضًا، وأخرجه الطَّحاوي من ثمانية عشر طريقًا عن الأسود، عن عائشة مثل رواية البخاري غير أنَّ لفظه «في مفرق رسول الله
ج 7 ص 429
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ»، وعن عبد الرَّحمن بن الأسود، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها «أنَّها كانت تطيب النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأطيب ما تجد من الطِّيب، قالت حتَّى أرى وبيص الطِّيب في رأسه ولحيته» .
وعن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت «طيَّبت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأطيب ما أجد» . وعن القاسم عنها، قالت «طيَّبت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بيدي لإحرامه قبل أن يحرم» .
وعن ابن عمر رضي الله عنهما عنها قالت «كنت أطيِّب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالغالية الجيِّدة عند إحرامه» .
وعن القاسم عنها قالت «طيَّبت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِحُرْمِه حين أَحْرَم» ، وعن عطاء عنها «طيَّبت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للحلِّ والإحرام» .
وفي رواية التِّرمذي من حديث عبد الرَّحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها قالت «طيَّبت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قبل أن يحرم، ويوم النَّحر قبل أن يطوفَ بالبيت بطيب فيه مسك» .
وروى ابن أبي شيبة، عن شريك، عن أبي إسحاق، عن الأسود عنها «كان يتطيَّب قبل أن يحرمَ فيرى أثر الطِّيب في مفرقه بعد ذاك بثلاث» . وروي أيضًا عن ابن فضيل، عن عطاء بن السَّائب، عن إبراهيم، عن الأسود عنها «رأيتُ وبيص الطِّيب في مفارق رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعد ثلاث وهو محرم» ، وعند النَّسائي «في أصول شعره» . وفي لفظ «إذا أراد أن يحرمَ ادَّهن بأطيب دهن يجده حتَّى أرى وبيصَهُ في رأسه ولحيته» .
وعند الدَّارقطني من حديث ابن عقيل عن عروة عنها «كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا أرادَ أن يحرم غسل رأسه بخطمِي وأشنان، ودهنه بزيتٍ غير كثيرٍ» .
وفي «مسند» أبي محمَّد الدَّارمي «طيَّبت رسول الله لِحُرْمِه، وطيبته بمنى قبل أن يفيض» ، وعند أبي علي الطُّوسي «طيَّبته قبل أن يحرم ويوم النَّحر قبل أن يطوف بالبيت بطيب فيه مسك» .