فهرس الكتاب

الصفحة 2431 من 11127

1539 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسي، قال (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ) القاسم (عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لإِحْرَامِهِ حِينَ يُحْرِمُ) أي لأجل إحرامه، وفي رواية مسلم والنَّسائي

ج 7 ص 430

(( حين أراد أن يحرم ) ).

(وَلِحِلِّهِ) أي ولتحلُّله من محظورات الإحرام بعد أن يرمي ويحلق (قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ) أي طواف الإفاضة، وسيأتي إن شاء الله تعالى في اللِّباس [خ¦5922] من طريق يحيى بن سعيد عن عبد الرَّحمن بن القاسم بلفظ (( قبل أن يفيض ) ).

وللنَّسائي من هذا الوجه «وحين يريد أن يزور البيت» ، ولمسلم نحوه من طريق عمرة، عن عائشة رضي الله عنها، وللنَّسائي من طريق ابن عيينة، عن الزُّهري، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها «ولحلِّه بعدما رمى جمرة العقبة قبل أن يطوف بالبيت» .

واستدلَّ بقولها (كنت أطيِّب) على أن كان لا يقتضي التِّكرار؛ لأنَّها لم يقع ذلك منها إلَّا مرَّة واحدة، وقد صرَّحت في رواية عروة عنها بأنَّ ذلك كان في حجَّة الوداع.

وكذا استدلَّ به النَّووي في «شرح مسلم» واعترض بأنَّ المدَّعَى تكراره إنَّما هو التطيُّب لا الإحرام، ولا مانع من أن يتكرَّر التطيُّب لأجل الإحرام مع كون الإحرام مرَّة واحدة.

وقال الإمام فخر الدِّين في «المحصول» إنَّ (كان) لا يقتضي التِّكرار ولا الاستمرار، وجزم ابن الحاجب بأنَّه يقتضيه. وقال بعض المحقِّقين يقتضي التِّكرار، ولكن قد تقع قرينة تدلُّ على عدمه.

وقال الحافظ العسقلاني أنَّ هذه اللَّفظة يعني لفظة كنت في قول عائشة رضي الله عنها «كنت أطيب» لم يتَّفق الرُّواة عنها عليها. فسيأتي للبخاري من طريق سفيان بن عيينة، عن عبد الرَّحمن بن القاسم شيخ مالك فيه هنا [خ¦1754] بلفظ (( طيَّبت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) )وسائر الطُّرق ليس فيها صيغة كان.

هذا وتعقَّبه العيني بأنَّ في رواية مسلم، عن الأسود، عن عائشة رضي الله عنها «إنِّي كنت لأنظر إلى وبيص الطِّيب» ، وفي رواية النَّسائي عن عروة عنها قالت «كنت أطيِّب» .

وفي رواية الطَّحاوي عن ابن عمر عنها قالت «كنت أطيِّب» ، وفي رواية الطَّحاوي أيضًا عن الأسود عنها «أنَّها كانت تطيِّب» رواها من طريق الفريابي، عن مالك بن مغول، عن عبد الرَّحمن بن الأسود.

وكذا روي من طريق إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الرَّحمن بن الأسود، عن أبيه عنها «أنَّها كانت تطيِّب» ، وهذا القائل كأنَّه لم يطَّلع على هذه الرِّوايات، فلهذا ادَّعى بقوله وسائر الطُّرق ليس فيها صيغة كان، وهذه التي ذكرناها فيها صيغة كان وكنت. انتهى، فليتأمَّل.

وفي الحديث استحباب التطيُّب عند الإحرام، وجواز استدامته بعد الإحرام كما مرَّ مفصَّلًا. وعن مالك يحرم. وعنه في وجوب الفدية قولان.

واحتجت المالكيَّة فيها بأشياء منها أنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اغتسل بعد أن تطيب كما في حديث إبراهيم بن المنتشر الذي تقدَّم في الغسل [خ¦270] (( ثمَّ طاف على نسائه ثمَّ أصبح محرمًا ) )، والمراد من الطَّواف الجماع، وكان من عادته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يغتسل

ج 7 ص 431

عند كلِّ واحدة، فبالضرورة ذهاب أثر الطِّيب.

ورد هذا بحديث (( ثمَّ أصبح محرمًا ينضح طيبًا ) )فهو ظاهر في أنَّ نضح الطِّيب وهو ظهور رائحته كان في حال إحرامه، لا يقال إنَّ فيه تقديمًا وتأخيرًا، والتَّقدير طاف على نسائه ينضح طيبًا ثمَّ أصبح محرمًا؛ لأنه خلاف الظَّاهر.

ويردُّه أيضًا ما في رواية مسلم «كان إذا أراد أن يحرم يتطيَّب بأطيب ما يجد، ثمَّ أراه في رأسه ولحيته بعد ذلك» .

وفي رواية النَّسائي وابن حبَّان «رأيت الطِّيب في مفرقه بعد ثلاث وهو محرم» ، فإن قيل إنَّ الوبيص كان بقايا الدهن المطيَّب الذي تطيَّب به فزال وبقي أثره من غير رائحة.

فالجواب إنَّ قول عائشة رضي الله عنها «ينضح طيبًا» يردُّ هذا، وما قيل إنَّه بقي أثره لا عينه، ففيه أنَّه ليس في شيء من طرق حديث عائشة رضي الله عنها أنَّ عينه بقيت، كما قاله ابن العربي.

وقد روى أبو داود وابن أبي شيبة من طريق عائشة بنت طلحة عن عائشة رضي الله عنها قالت «كنَّا نضمخ وجوهنا بالمسك المطيَّب قبل أن نحرم ثمَّ نحرم فنعرق فيسيل على وجوهنا، ونحن مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فلا ينهانا» .

وفي رواية «كنَّا نخرج مع النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فنضمخ جباهنا بالمسك المطيَّب عند الإحرام، فإذا عرقت إحدانا سال على وجهنا، فيراه النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فلا ينهانا» ، فهذا صريح في بقاء عين الطيِّب.

لا يقال هذا خاصٌّ بالنِّساء؛ لأنَّهم أجمعوا على أنَّ النِّساء والرِّجال سواء في تحريم استعمال الطِّيب إذا كانوا محرمين، وما قيل من أنَّه كان ذلك الطيب لا رائحة له كما يدلُّ عليه رواية الأوزاعي عن الزُّهري، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها «بطيب لا يشبه طيبكم» .

وقولُ بعض رواته يعني لا بقاء له، أخرجه النَّسائي، فمدفوع بما رواه مسلم من رواية منصور بن زاذان، عن عبد الرَّحمن بن القاسم «بطيب فيه مسك» .

وله من طريق الحسن بن عبيد الله، عن إبراهيم «كأنِّي أنظر إلى وبيص المسك» ، وللشَّيخين من طريق عبد الرَّحمن بن الأسود، عن أبيه «بأطيب ما أجد» .

وفي رواية الطَّحاوي والدَّارقطني من طريق نافع، عن ابن عمر، عن عائشة رضي الله عنهم «بالغالية الجيِّدة» ، وذلك يدلُّ على أنَّ معنى قولها «بطيب لا يشبه طيبكم» أطيب منه لا كما فهمه

ج 7 ص 432

بعض رواته.

وادَّعى المهلَّب وأبو الحسن بن القصَّار وأبو الفرج من المالكيَّة أنَّ ذلك من خصائصه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قيل لأنَّ الطِّيب من دواعي النِّكاح فنهى النِّساء عنه، وكان هو أملك النَّاس لإربه ففعله.

ورجَّحه ابن العربي بكثرة ما ثبت له من الخصائص، وقد ثبت عنه أنَّه قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( حبِّب إليَّ النِّساء والطِّيب ) )أخرجه النَّسائي من حديث أنس رضي الله عنه.

وتُعُقِّب بأنَّ الخصائص لا تثبت بالقياس. وقال المهلَّب إنَّما خصَّ بذلك لمباشرته الملائكة لأجل الوحي. وتُعُقِّب بأنَّه فرع ثبوت الخصوصية وكيف بها، ويردُّها حديث عائشة رضي الله عنها من طريق عائشة بنت طلحة، وقد ذكر وروى سعيد بن منصور بإسناد صحيح عن عائشة رضي الله عنها قالت «طيَّبت أبي بالمسك لإحرامه حين أحرم» .

واعتذر بعض المالكيَّة بأنَّ عمل أهل المدينة على خلافه، وتُعُقِّب بما رواه النَّسائي من طريق أبي بكر بن عبد الرَّحمن بن الحارث بن هشام أنَّ سليمان بن عبد الملك لمَّا حجَّ جمع ناسًا من أهل العلم منهم القاسم بن محمَّد وخارجة بن زيد وسالم وعبد الله ابنا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما وعمر بن عبد العزيز وأبو بكر بن عبد الرَّحمن بن الحارث فسألهم عن الطِّيب قبل الإفاضة، فكلُّهم أمره به؛ فهؤلاء فقهاء المدينة من التَّابعين قد اتَّفقوا على ذلك، فكيف يُدَّعى مع ذلك العمل على خلافه.

وفي الحديث دلالة على حلِّ الطِّيب وغيره من محرمات الإحرام بعد رمي جمرة العقبة، ولكن يستمر امتناع الجماع ومتعلقاته على الطَّواف بالبيت، وهذا دالٌّ على أنَّ للحجِّ تحللين، فمن قال إنَّ الحلق نسك، كما هو قول الجمهور، وهو الصَّحيح عند الشَّافعية توقف استعمال الطِّيب وغيره من المحرمات عليه.

ويؤخذ ذلك من كونه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حجَّته رمى، ثمَّ حلق، ثمَّ طاف، فلولا أنَّ الطيب بعد الرَّمي والحلق لما اقتصرت على الطَّواف في قولها «قبل أن يطوف بالبيت» .

قال النَّووي في «شرح المهذَّب» ظاهر كلام ابن المنذر وغيره أنَّه لم يقل بأن الحلق ليس بنسك إلَّا الشَّافعي، وهو رواية عن أحمد وحكي عن أبي يوسف. وفي الحديث أيضًا جواز استدامة الطِّيب بعد الإحرام، وقد تقدَّم تفصيله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت