1542 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسي، قال (أَخْبَرَنا مالِكٌ) الإمام(عَنْ نافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ
ج 7 ص 437
بنِ عُمَرَ)رضي الله عنهما (أنَّ رَجُلًا) قال الحافظ العسقلاني لم أقف على اسمه في شيء من الطُّرق (قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ما يَلْبَسُ المُحْرِمُ مِنَ الثِّيابِ) وسيأتي إن شاء الله تعالى في باب ما ينهى من الطِّيب للمحرم من طريق اللَّيث عن نافع [خ¦1838] بلفظ «ماذا تأمرنا أن نلبس من الثياب في الإحرام» .
وعند النَّسائي من طريق عمر بن نافع، عن أبيه «ما نلبس من الثِّياب إذا أحرمنا» ، وهو مشعر بأنَّ السُّؤال عن ذلك كان قبل الإحرام.
وقد حكى الدَّارقطني عن أبي بكر النِّيسابوري أنَّ في رواية ابن جريج واللَّيث، عن نافع أنَّ ذلك كان في المسجد. قال الحافظ العسقلاني ولم أرَ ذلك في شيء من الطُّرق عنهما.
نعم أخرج البيهقي من طريق حمَّاد بن زيد، عن أيُّوب، ومن طريق عبد الوهاب بن عطاء، عن عبد الله بن عون كلاهما، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال نادى رجل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو يخطب بذلك المكان، وأشار نافع إلى مقدم المسجد، فذكر الحديث، فظهر من ذلك أنَّه كان في المدينة.
ووقع في حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما الآتي في أواخر الحجِّ [خ¦1843] أنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خطب بذلك في عرفات، فيحمل على التعدُّد.
ويؤيِّده أنَّ في حديث ابن عمر رضي الله عنهما أجاب به السَّائل، وفي حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما ابتدأ به في الخطبة.
(فقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ يَلْبَسُ) بالرفع على الخبر، وهو في معنى النَّهي، وروي بالجزم على أنَّه نهي (الْقُمْصَ) بضم القاف وسكون الميم وضمها جمع قميص، ويجمع أيضًا على أقمصة وقمصان (وَلاَ الْعَمَائِمَ) جمع عمامة يقال اعتم بالعمامة وتعمَّم بها.
(وَلاَ السَّرَاوِيلاَتِ) جمع سراويل (وَلاَ الْبَرَانِسَ) جمع برنس، وهو كل ثوب رأسه منه ملتزق به من دُرَّاعَة أو جُبة أو مِمْطَرٍ أو غيرها.
وقال الجوهري هي قلنسوة طويلة كان النُّساك يلبسونها في صدر الإسلام، وهو من البِرس، بكسر الباء، وهو القطن، والنون زائدة، وقيل إنَّه غير عربي.
(وَلاَ الْخِفَافَ) بكسر الخاء جمع خف (إِلاَّ أَحَدٌ) المستثنى منه محذوف تقديره لا يلبس المحرم الخفين إلا أحد (لاَ يَجِدُ نَعْلَيْنِ) في محل الرفع على أنَّه صفة أحد (فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ) ظاهر الأمر للوجوب، لكنَّه لمَّا شُرِعَ للتَّسهيل لم يناسب التَّثقيل، فإنَّما هو للرُّخصة.
(وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ) وفي رواية ابن أبي ذئب الماضية في آخر كتاب العلم [خ¦134] (( حتَّى يكونا تحت الكعبين ) )أي فيكونا حينئذٍ كالنَّعلين، والمراد كشف الكعبين
ج 7 ص 438
في الإحرام وهما العظمان النَّابتان عند مفصل السَّاق والقدم، ويؤيِّده ما روى ابن أبي شيبة، عن جرير، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال «إذا اضطرَّ المحرم إلى الخفين خرق ظهورهما وترك فيهما قدر ما يستمسك رجلاه» .
وقال محمَّد بن الحسن ومن تبعه من الحنفيَّة الكعب هنا هو العظم الذي في وسط القدم عند معقد الشِّراك.
وقال ابن بطَّال إنَّ ذلك لا يعرف عند أهل اللُّغة، ونقله الحافظ العسقلاني وأقرَّه.
وقال العيني والذي قاله ابن بطَّال لا يُعْبأ به، كيف والإمام محمَّد بن الحسن إمام في اللُّغة العربيَّة، فمن أراد تحقيق صدق هذا فلينظر في تصنيفه الذي وضعه على أوضاع يعجز عنها الفحول من العلماء والأساطين من المحقِّقين، وهو الذي سمَّاه «الجامع الكبير» والذي قاله هو الذي اختاره الأصمعي، قاله الإمام فخر الدِّين.
(وَلاَ تَلْبَسُوا) يدخل فيه الإناث أيضًا، كما سيأتي هو، ووجهُ العدول فيه عن الغيبة إلى الخطَّاب (مِنَ الثِّيَابِ شَيْئًا مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ) جملة من الفعل والفاعل في محل النصب على أنها صفة شيئًا، والزَّعفران اسم أعجمي وقد صرفته العرب فقالوا ثوب مُزَعْفَر وقد زَعْفَرَ ثَوْبَه زَعْفَرَةً ويجمع على زَعَافِر، وقال أبو حنيفة لا أعلمه يَنْبُتُ في أرض العرب.
(أَوْ الوَرْس) بفتح الواو وسكون الراء وآخره سين مهملة، نبت أصفر طيِّب الرِّيح يُصْبَغُ به، وقال أبو حنيفة الوَرْسُ يُزْرَعُ بأرض اليمن زرعًا، ولا يكون بغير اليمن ولا يكون منه شيء بريًّا، ونباتهُ مثل حبِّ السِّمسم، فإذا جفَّ عند إدراكه تفتَّت فينتفض منه الوَرْس ويُزْرَعُ سنة فيقيم في الأرض عشر سنين ينبت ويثمر.
وقال الجوهري الورس نبت أصفر يكون باليمن تُتَّخَذُ منه الغَمْرة للوجه، تقول منه أورسَ المكان وورستُ الثَّوب توريسًا صَبغته بالوَرْس، هذا، وقيل يكون بالصِّين واليمن والهند، وليس بنبات يزرع كما زَعَم من زَعم، وهو يُشْبِهُ زهرِ العُصفر، ومنه شيء يُشْبِهُ نشارةَ البابونج، ومنه شيء يُشْبِه البنفسج ويقال إنَّ الكُرْكُم عروقه.
وقال ابن العربي ليس الوَرْس بطيب، ولكنَّه نبَّه به على اجتناب الطِّيب وما يشبهه في ملائمة الشَّم، فيؤخذ منه تحريم أنواع الطِّيب على المحرم، وهو مجمع عليه فيما يقصد به التطيُّب، والله أعلم.
قال النَّووي قال العلماء هذا من بديع الكلام وجزله؛ لأنَّ ما لا يُلْبَس مُنْحَصِرٌ فقال لا يُلْبَسُ كذا؛ أي ويُلْبَسُ ما سواه.
وقال القاضي البيضاوي سئل عمَّا يَلْبَس، فأجاب بما لا يلبس؛ ليدلَّ بالالتزام من طريق المفهوم على ما يجوز، وإنَّما عدل عن الجواب لأنه أخصر وأحصر.
ج 7 ص 439
وفيه إشارة إلى أنَّ حق السُّؤال أن يكون عمَّا لا يُلْبَس؛ لأنَّه الحكم العارض في الإحرام المحتاج إلى بيانه؛ إذ الجواز ثابت بالأصل، معلوم بالاستصحاب، فكان الأليق السُّؤال عمَّا لا يلبس.
وقال غيره وهذا يشبه أسلوب الحكيم ويقرب منه قوله تعالى {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ} الآية [البقرة 215] فعدل عن جنس المنفق وهو المسؤول عنه إلى ذكر المنفق عليه؛ لأنه أهم.
وقال ابن دقيق العيد يستفاد منه أنَّ المعتبر في الجواب ما يحصل منه المقصود كيف كان ولو بتغيير أو زيادة، ولا يشترط المطابقة. انتهى.
وفيه أنَّه ليس على الإطلاق، بل الأصل اشتراطها، ولكن ثمَّة موضع يكون العدول عنها إلى غيره هو الأهم كما في قوله تعالى {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} الآية [البقرة 189] ونحو ذلك.
هذا، ثمَّ إنَّ ذلك كله بناء على سياق هذه الرِّواية، وهي المشهورة عن نافع، وقد رواه أبو عوانة من طريق ابن جريج، عن نافع بلفظ «يترك المحرم» وهي شاذَّة، والاختلاف فيها على ابن جريج لا على نافع، ورواه سالم عن ابن عمر بلفظ أنَّ رجلًا قال ما يجتنب المحرم من الثِّياب، أخرجه أحمد وابن خزيمة وأبو عوانة في «صحيحهما» من طريق عبد الرَّزَّاق، عن معمر، عن الزُّهري عنه.
وأخرجه أحمد، عن ابن عيينة، عن الزُّهري فقال مرَّة ما يترك، ومرَّة أخرى ما يلبس، وأخرجه المؤلِّف في أواخر الحجِّ [خ¦1842] من طريق إبراهيم بن سعد، عن الزُّهري بلفظ نافع، فالاختلاف فيه على الزُّهري يشعر بأنَّ بعضهم رواه بالمعنى، فاستقامت رواية نافع، لعدم الاختلاف فيها، والله أعلم.
ثمَّ إنَّ المراد بالمحرم هنا هو الرَّجل، ولا تلتحق به المرأة في ذلك إلَّا في منع الثَّوب الذي مسَّه الزَّعفران أو الورس، قال ابن المنذر أجمعوا على أنَّ للمرأة لبس جميع ما ذكر، وإنَّما تشترك مع الرِّجال في منع الثَّوب الذي مسَّه الزَّعفران أو الورس، ويؤيِّده قوله في آخر حديث اللَّيث الآتي إن شاء الله تعالى في أواخر «الحج» [خ¦1838] (( ولا تنتقب المرأة ) ).
ويدلُّ عليه أيضًا قوله «ولا تلبسوا» بتوجيه الخطاب
ج 7 ص 440
نحو الذكور.
لا يقال لم لا يجوز أن يكون متنًا، و (لا) للقبيلتين على التغليب؛ لأنَّا نقول بعض الرِّوايات يفسر بعضها بعضًا فرواية اللَّيث الآتية في أواخر «الحج» [خ¦1838] «ولا تنتقب المرأة» يفيد اختصاصه بالذكور، نعم لو قيل عدل عن الغيبة إلى الخطاب ليدل بتغيير الأسلوب على عموم هذا المنع للنِّساء أيضًا لكان له وجه، لكن الظَّاهر أنَّ نكتة العدول أنَّ الذي يخالطه الزَّعفران والورس لا يجوز لبسه سواء كان ممَّا يلبسه المحرم أو لا يلبسه، والله أعلم.
ثمَّ في الحديث تحريم المخيط على الرِّجال، والمراد لبسه على الوضع الذي جعل له، ولو في بعض البدن فلو ارتدى بالقميص أو اتَّزر به مثلًا لا يضره.
ثمَّ المراد بالمخيط كل معمول على قدر البدن أو العضو مثل الجبَّة والقفَّازين، أخرج التِّرمذي بسنده عن عطاء، عن يعلى بن أميَّة قال «رأى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أعرابيًّا قد أحرم وعليه جبَّة، فأمره أن ينزعها» ، وفي بعض طرقه قميص، بدل الجبَّة، وهي رواية «الموطَّأ» ولا يجب قطع القميص والجبة على المحرم إذا أراد نزعها، بل له أن ينزع ذلك من رأسه، وإن أدَّى إلى الإحاطة برأسه؛ خلافًا لمن قال يشقَّه، وهو قول الشَّعبي والنَّخعي.
ويروى ذلك أيضًا عن الحسن وسعيد بن جبير، وذهب الجمهور إلى جواز نزع ذلك من الرَّأس. وبه قال أبو حنيفة ومالك والشَّافعي والحديث حجَّة لهم، ثمَّ إنَّه يحرم عليه السَّراويل أيضًا ولا يجب عليه قطعه عند عدم الإزار كما ورد في الخف، وبه قال أحمد وهو الأصح عند أكثر الشَّافعية، قاله الرافعي.
وقال إمام الحرمين والغزالي إنَّه لا يجوز لبس السَّراويل إلَّا إذا لم يتأت فتقه وجعله إزارًا، فإنَّ تأتَّى ذلك لم يجز لبسه فإنْ لَبِسَه لَزِمَه الفدية.
قال الخطَّابي ويحكى عن أبي حنيفة أنَّه قال يشق السَّراويل ويتَّزر به، وفي «شرح الطَّحاوي» فإن لم يجد رداء فلا بأس أن يشق قميصه ويرتدي به، وإذا لم يجد الإزار فتق السَّراويل فإن لبسه ولم يفتقه لزمه دم.
ثمَّ إنَّه يحرم عليه التَّعمم.
قال الخطَّابي ذكر العمامة والبرنس معًا ليدلَّ على أنه لا يجوز تغطية الرَّأس لا بالمعتاد ولا بالنَّادر قال ومن النَّادر المِكْتَل يحمله على رأسه، قيل ومراده أن يجعله على رأسه كلبس القبع، ولا يلزم شيء بمجرَّد وضعه على رأسه كهيئة الحامل لحاجته على مذهبه، ولو انغمس في الماء لا يضره فإنه لا يسمَّى لابسًا، وكذا لو ستر رأسه بيده.
ثمَّ إنَّ الخفاف الشَّرط فيها القطع؛ خلافًا لأحمد فإنَّه أجاز لبس الخفين من غير قطع وهو المشهور عنه،
ج 7 ص 441
وحكى عن عطاء مثله قال لأنَّ في قطعهما فسادًا.
قال الخطَّابي يشبه أن يكون عطاء لم يبلغه حديث ابن عمر رضي الله عنهما، وإنَّما الفساد أن يفعل ما نهت عنه الشَّريعة، فأمَّا ما أذن فيه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فليس بفساد.
قال والعجب من أحمد في هذا فإنَّه لا يكاد يخالف سنَّة تبلغه، وقَلَّتْ سنة لم تبلغه، ويشبه أن يكون إنَّما ذهب إلى حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما الآتي في أواخر الحج [خ¦1843] بلفظ (( من لم يجد نعلين فليلبس خفَّين ) ).
وتُعُقِّب بأنَّه موافق على قاعدة حمل المطلق على المقيَّد، فينبغي أن يقول بها هنا، وأجابت الحنابلة عنه بأشياء
منها دعوى النَّسخ في حديث ابن عمر رضي الله عنهما، فإنَّ البيهقي روى عن عمرو بن دينار قال لم يذكر ابن عبَّاس رضي الله عنهما القطع، وقال ابن عمر رضي الله عنهما وليقطعهما حتَّى يكونا أسفل من الكعبين، فلا أدري أيُّ الحديثين نسخ الآخر.
وروى الدَّارقطني عن عمرو قال انظروا أي الحديثين قبل حديث ابن عمر أو حديث ابن عبَّاس؟ قال البيهقي فحملهما عمرو بن دينار على نسخ أحدهما الآخر، ثمَّ حكى الدَّارقطني عن أبي بكر النِّيسابوري أنَّه قال حديث ابن عمر قَبْل؛ لأنَّه كان بالمدينة قبل الإحرام، وحديث ابن عبَّاس بعرفات، وذلك بعد قصَّة ابن عمر رضي الله عنهم.
وأجاب الشَّافعي عن هذا في «الأم» فقال كلاهما حافظ صادق، وزيادة ابن عمر لا تخالف ابن عبَّاس؛ لاحتمال أن تكون غربت عنه أو شك فلم يؤدِّه وإمَّا سكت عنه وإمَّا أداه فلم يؤدِّ عنه بعض رواته.
ومنها ما قالوا منهم ابن الجوزي إنَّ حديث ابن عمر رضي الله عنهما اختُلف في وقْفِه ورَفْعِه، وحديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما لم يُخْتَلَفْ في رفعه، فسلكوا مسلك التَّرجيح.
وقال الحافظ العسقلاني وهذا مردود بأنَّه لم يختلف على ابن عمر رضي الله عنهما في رفع الأمر بالقطع إلَّا في رواية شاذَّة على أنَّه اختلف في حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما أيضًا، فرواه ابن أبي شيبة بإسنادٍ صحيح عن سعيد بن جبير، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما موقوفًا، ولا يرتاب أحد من المحدِّثين أنَّ حديث ابن عمر رضي الله عنهما أصحُّ من حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما؛ لأنَّ حديث ابن عمر رضي الله عنهما جاء بإسناد وصف بكونه أصح الأسانيد.
واتَّفق عليه عن ابن عمر غير واحد
ج 7 ص 442
من الحفَّاظ منهم نافع وسالم؛ بخلاف حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما فلم يأت مرفوعًا إلَّا من رواية جابر بن زيد عنه حتَّى قال الأَصيلي إنَّه شيخ بصري لا يُعْرف كذا قال، لكن هو معروف موصوف بالفقه عند الأئمة.
ومنها أنَّ بعضهم قاسوه على السَّراويل، ورُدَّ بأنَّ القياس مع وجود النصِّ فاسد الاعتبار، ومنها أنَّ بعضهم احتجُّوا بقول عطاء إنَّ القطع فساد، والله لا يحبُّ الفساد.
وقد أجيب عنه بما ذكرنا آنفًا، ومنها ما قاله ابن الجوزي إنَّ الأمر بالقطع يحمل على الإباحة لا على الاشتراط عملًا بالحديثين.
وأُجيب بأنَّه تَعَسُّفٌ، واستعمال اللَّفظ في غير موضعه، والأحسن في هذا أن يقال إنَّ حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما قد ورد في بعض طرقه الصَّحيحة موافقته لحديث ابن عمر رضي الله عنهما في قطع الخفَّين، رواه النَّسائي في «سننه» قال أخبرنا إسماعيل بن مسعود، حدَّثنا يزيد بن زريع حدَّثنا أيُّوب، عن عمرو، عن جابر بن زيد، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول (( إذا لم يجد إزارًا فليلبس السَّراويل، وإذا لم يجد النَّعلين فليلبس الخفَّين وليقطعهما أسفل من الكعبين ) )، وهذا إسناد صحيح، وإسماعيل بن مسعود الجحدري وثَّقه أبو حاتم وغيره، وباقيهم رجال الصَّحيح، والزِّيادة من الثِّقة مقبولة على المذهب الصَّحيح.
ثمَّ إنَّه زاد معمر في روايته عن الزُّهري، عن سالم في هذا الموضع من حديث الباب زيادة حسنة تفيد ارتباط ذكر النَّعلين بما سبق وهي قوله (( وليحرم أحدكم في إزار ورداء ونعلين، فإن لم يجد نعلين فليلبس الخفين ) ).
واستدلَّ بقوله فإن لم يجد، على أنَّ واجد النَّعلين لا يلبس الخفَّين المقطوعين، وهو قول الجمهور. وعن بعض الشَّافعية جوازه، وكذا عند الحنفيَّة.
وقال ابن العربي إن صارا كالنَّعلين جاز وإن سترا من ظاهر الرجل شيئًا لم يجز إلا للفاقد، والمراد بعدم الوجدان أن لا يقدر على تحصيله لفقده أو منع المالك له أو عجزه عن الثَّمن، ولو بيع بغبن فاحش لم يلزمه شراؤه.
ثمَّ إنَّ ظاهر الحديث أنَّه لا يجوز لبس ما مسه الزَّعفران والوَرْس سواء انقطعت رائحته وذهب رَدْعُه
ج 7 ص 443
بحيث لا ينفض أو مع بقاء ذلك.
وفي «الموطأ» أنَّ مالكًا سئل عن ثوب مسَّه طيب، ثمَّ ذهب ريح الطِّيب منه هل يحرم؟ قال نعم لا بأس بذلك ما لم يكن فيه صباغ زعفران أو وَرْس. قال؛ أي مالك وإنَّما يكره لبس المصبغات لأنَّها تُنْفَض.
وقال الشَّافعي إذا صار الثَّوب بحيث لو أصابه الماء لم تفح له رائحة لم يمنع، والحجَّة فيه حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما الآتي إن شاء الله تعالى في الباب الذي بعده [خ¦1545] بلفظ «ولم ينه عن شيء من الثِّياب إلَّا المزعفرة التي تردع على الجلد» .
وحكى إمام الحرمين فيما إذا بقي اللَّون فقط وجهين مبنيِّين على الخلاف في أنَّ مجرَّد اللون هل يعتبر، قال الرَّافعي والصَّحيح أنَّه لا يعتبر.
وقال أصحابنا ما غسل من ذلك حتَّى صار لا ينفض فلا بأس بِلُبْسِهِ في الإحرام، وهو المنقول عن سعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح والحسن وطاوس وقتادة والنَّخعي والثَّوري وأحمد وإسحاق وأبي ثور. ومعنى لا ينفض، لا يتناثر صبغه، وقيل لا تفوح رائحته، وهما منقولان عن محمَّد بن الحسن.
والتَّعويل على زوال الرَّائحة حتَّى لو كان لا يتناثر صبغه، ولكن تفوح رائحته يمنع من ذلك؛ لأنَّ ذلك دليل بقاء الطِّيب؛ إذ الطِّيب ما له رائحة طيِّبة.
وقد روى الطَّحاوي عن فهد، عن يحيى بن عبد المجيد، عن أبي معاوية. وعن ابن أبي عمران، عن عبد الرَّحمن بن صالح الأزدي، عن أبي معاوية، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما، عن النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( لا تلبسوا ثوبًا مسَّه وَرْس أو زعفران؛ يعني في الإحرام إلَّا أن يكون غسيلًا ) )وأخرجه أبو عمر أيضًا من حديث يحيى بن عبد المجيد الحِمَّاني، وهذه الزِّيادة أعني قوله إلَّا أن يكون غسيلًا، صحيحة؛ لأنَّ رجالها ثقات.
وقد روى هذه الزِّيادة أبو معاوية الضَّرير وهو ثقة ثبت، وما قاله ابن حزم من أنَّه لا نعلمه صحيحًا، وما قاله أحمد بن حنبل أبو معاوية مضَّطرب الحديث في أحاديث عبيد الله ولم يجيء أحد بهذه غيره، ففيه أنَّه قال الطَّحاوي قال ابن أبي عمران رأيت يحيى بن معين وهو متعجِّب من الحِمَّاني إذا حدَّث بهذا الحديث، فقال عبد الرَّحمن بن صالح الأزدي هذا الحديث عندي، ثمَّ وثب من فوره فجاء بأصله فأخرج منه هذا الحديث
ج 7 ص 444
عن أبي معاوية كما ذكره يحيى الحِمَّاني فكتب عنه يحيى بن معين. وكفى لصحَّة هذا الحديث شهادةُ عبد الرَّحمن، وكتابةُ يحيى بن معين، وروايةُ أبي معاوية.
وأمَّا قول ابن حزم ولا نعلمه صحيحًا، فهو نفي لعلمه بصحَّته، وهذا لا يستلزم نفي صحَّة الحديث في عِلْمِ غَيْرِه. هذا، وقد روى أحمد في «مسنده» من حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما حديثًا يدلُّ على جواز لبس المزعفر للمحرم إذا لم يكن فيه نفض ولا رَدْع.
وممَّا يستفاد من ظاهر الحديث جواز لبس المزعفر والمورَّس لغير الرَّجل المحرم؛ لأنَّه قال ذلك في جواب السُّؤال عمَّا يلبس المحرم فدلَّ على جوازه لغيره.
فإن قيل أخرج الشَّيخان من حديث أنس رضي الله عنه «أنَّ النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نهى أن يتزعفر الرَّجل» .
فالجواب أنَّه قال الشَّيخ زين الدِّين إنَّ الجمع بين الحديثين يمكن بأن يقال إنَّه يحتمل أن يقال إنَّ جواب السُّؤال انتهى عند قوله أسفل من الكعبين، ثمَّ استأنف بما لا تعلُّق له بالمسئول عنه فقال ولا تلبسوا شيئًا من الثِّياب. .. إلى آخره ثم ذكر حكم المرأة المحرمة. انتهى.
قال العيني وهذا الاحتمال فيه بعد، بل الأوجه في الجمع أنَّ المراد من النَّهي عن تزعفر الرَّجل أن يزعفر بدنه، فأمَّا لبس الثَّوب المزعفر لغير المحرم فلا بأس به.
والدَّليل على ذلك ما رواه النَّسائي من حديث عبد العزيز بن صهيب، عن أنس رضي الله عنه قال «نهى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يزعفر الرَّجل جلده» ، وإسناده صحيح، والحديث الذي فيه النَّهي عن مطلق التزعفر يحمل على المقيَّد الذي فيه أن يزعفر الرَّجل جلده.
ويؤيِّد ذلك ما ورد في جواز لبس الثِّياب المزعفرة والمورَّسة للرِّجال، فيما رواه أبو داود وابن ماجه من حديث قيس بن سعد رضي الله عنه قال «أتانا النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فوضعنا له ما يتبرَّد فاغتسل، ثمَّ أتيته بملحفة صفراء فرأيت أثر الوَرس عليه» .
وروى أبو داود من حديث ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعًا (( كان يصبغ بالصفرة ثيابه كلها حتَّى عمامته ) )ورواه النَّسائي، وفي لفظ له «أنَّ ابن عمر رضي الله عنهما كان يصبغ ثيابه بالزَّعفران» .
وجمع الخطَّابي بأن ما صبغ غزله ثم نسج فليس بداخل في النَّهي، ووافقه البيهقي على هذا.
وأمَّا التوسُّد أو النَّوم على الثَّوب المصبوغ بالزَّعفران أو الوَرْس، فقال أبو يوسف
ج 7 ص 445
في «الإملاء» لا ينبغي للمحرم أن يتوسَّد ثوبًا مصبوغًا بالزَّعفران أو الورس ولا ينام عليه؛ لأنَّه يصير مستعْمِلًا للطِّيب فكان كاللبس.
وقال الَّشيخ زين الدِّين اختلف أهل العلم في الوَرْس هل هو طِيْبٌ أو لا، فذكر ابن العربي أنَّه ليس بطِيْبٍ، قال والوَرْس وإن لم يكن طيبًا فله رائحة طيِّبة، فأراد النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يبين تجنب الطِّيب وما يشبهه في ملائمة الشَّم واستحسانه.
وقال الرَّافعي هو فيما يقال أشهر طيبٍ في بلاد اليمن، وفي كلام النَّووي أيضًا ما يشعر بأنَّه طيب، وقال الطِّيبي نبَّه النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالورس والزَّعفران على ما في معناهما ممَّا يقصد به التطيُّب فهو حرام على القبيلتين، فيكره للمحرم لبس الثَّوب المصبوغ بغير طيب، وأمَّا الفواكه كالأترج والتُّفاح وأزهار البوادي كالشِّيح والقيصوم وغيرهما فليس بحرام. انتهى.
واستنبط من منع لبس الثَّوب المزعفر منع أكل الطَّعام الذي فيه الزَّعفران، وهو قول الشَّافعية، وعن المالكيَّة خلاف. وقالت الحنفية لا يحرم؛ لأنَّ المراد اللبس والتطيب والآكل لا يعدُّ متطيِّبًا.
فائدة زاد الثَّوري في روايته، عن أيُّوب، عن نافع في هذا الحديث «ولا القباء» ، أخرجه عبد الرَّزَّاق عنه. ورواه الطَّبراني من وجه آخر عن الثَّوري، وأخرجه الدَّارقطني والبيهقي من طريق حفص بن غياث، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع أيضًا.
والقباء، بالقاف والموحدة معروف، ويطلق على كل ثوب مفرَّج، ومنع لبسه للمحرم متفق عليه إلَّا أبا حنيفة قال بشرط أن يدخل يديه في كميه لا إذا ألقاه على كتفيه، ووافقه أبو ثور والخرقي من الحنابلة. وحكى الماوردي نظيره إن كان كمُّه ضيِّقًا، فإن كان واسعًا فلا.
تنبيه قال العلماء والحكمة في منع المحرم من اللِّباس والطِّيب البعد عن التَّرفُّه والاتصاف بصفة الخاشع، وتذكُّر القدوم على الربِّ متجرِّدًا عن الثِّياب التي كانت له في الدُّنيا؛ ليكون أقرب إلى مراقبته وامتناعه من ارتكاب المحظورات.