1543 - 1544 -(حَدَّثَنَا
ج 7 ص 446
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ)بن عبد الله الجعفي، المعروف بالمسندي، وهو من أفراد البخاري قال (حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ) بفتح الجيم وكسر الراء الأولى، ابن حازم، بالمهملة والزاي، الجهضمي البصري.
قال (حَدَّثَنَا أَبِي) جرير (عَنْ يُونُسَ) بن يزيد (الأَيْلِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم بن شهاب (عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) بن عتبة بن مسعود، أبو عبد الله الهذلي، أحد الفقهاء السبعة، مات سنة ثمان وتسعين (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما.
(أَنَّ أُسَامَةَ) هو ابن زيد رضي الله عنهما (كَانَ رِدْفَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) بكسر الراء وسكون الدال المهملة وفي آخره فاء، بمعنى الرَّديف وهو الذي يركب خلف الرَّاكب، وفي رواية أحمد (( رديف النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ) (مِنْ عَرَفَةَ) أي من عرفات، وهو اسم لموضع الوقوف.
(إِلَى الْمُزْدَلِفَةِ) بلفظ اسم الفاعل من الإرداف وهو التقرُّب والتقدُّم؛ لأنَّ الحاج إذا أفاضوا من عرفات ازدلفوا إليها؛ أي تقرَّبوا منها وتقدَّموا إليها، وسمِّيت بذلك بمجيء النَّاس في زلف من اللَّيل وهو موضع بحرم مكة (ثُمَّ أَرْدَفَ الْفَضْلَ) وهو ابن عبَّاس رضي الله عنهما (مِنَ الْمُزْدَلِفَةِ إِلَى مِنًى قَالَ) أي الرَّاوي (فَكِلاَهُمَا) أي أسامة والفضل.
(قَالَ) الظَّاهر أن يقول قالا، لكن اعتبر بلفظ كلا، فإنَّ لفظه مفرد، ويمكن أن يقال إنَّ المراد كل واحد منهما، فافهم (لَمْ يَزَلِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ) أي إلى أن رمى جمرة العقبة، وهي حد منى من الجانب الغربيِّ من جهة مكَّة، ويقال لها أيضًا الجمرة الكبرى.
قال ابن المنيِّر والظَّاهر أنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قصد بإردافه أن يحدِّث عنه بما يتَّفق له في تلك الحال من التَّشريع، وفي الحديث أنَّ الحج راكبًا أفضل، وقد مرَّ الخلاف فيه في باب الحج على الرحل [خ¦1517] ، وفيه أيضًا إرداف العالم من يخدمه، وفيه التَّواضع بالإرداف للرَّجل الكبير والسُّلطان الجليل.
وفيه حجَّة لأبي حنيفة وصاحبيه والشَّافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور وداود بن علي وأبي عبيد والطَّبري في قولهم يلبِّي الحاج ولا يقطع التَّلبية حتَّى يرمي جمرة العقبة، وهو المنقول أيضًا عن عطاء بن أبي رباح وطاوس وسعيد بن جبير وإبراهيم النَّخعي وسفيان الثَّوري وابن أبي ليلى والحسن بن حي.
وروي ذلك عن عمر بن الخطَّاب وعبد الله بن عبَّاس وعبد الله بن مسعود وميمونة رضي الله عنهم.
ج 7 ص 447
ثمَّ اختلف بعض هؤلاء؛ فقال الثَّوري وأبو حنيفة والشَّافعي وأبو ثور يقطع التَّلبية مع أوَّل حصاة يرميها من جمرة العقبة، وقال غيرهم لا يقطع حتَّى يرميها بأسرها قالوا وهو ظاهر الحديث، وهو أنَّه لم يزل النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يلبِّي حتَّى رمى جمرة العقبة، ولم يقل الرَّاوي حتَّى رمى بعضها.
وقال الأوَّلون قد روى البيهقي من حديث شريك، عن عامر بن شقيق، عن أبي وائل، عن عبد الله «رمقت النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فلم يزل يلبِّي حتَّى رمى جمرة العقبة بأوَّل حصاة» ، فإذا أورد التَّصريح سقط الاحتمال.
فإن قيل أخرج ابن خزيمة في «صحيحه» عن الفضل بن عبَّاس رضي الله عنهما قال «أفضت مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من عرفات، فلم يزل يلبِّي حتَّى رمى جمرة العقبة يكبِّر مع كل حصاة، ثمَّ قطع التَّلبية مع آخر حصاة» .
فالجواب أنَّه قال البيهقي هذه زيادة غريبة ليست في الرِّوايات عن الفضل، وإن كان ابن خزيمة قد اختارها.
وقال الذَّهبي فيه نكارة، وقوله يكبِّر مع كلِّ حصاة، يدلُّ على أنَّه قطع التَّلبية مع أوَّل حصاة. وقال سعيد بن المسيَّب ومحمَّد بن بكر الثَّقفي ومالك وأصحابه وأكثر أهل المدينة الحاج لا يلبِّي في عرفة بل يكبِّر ويهلِّل، وروي ذلك عن عبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزُّبير وجابر بن عبد الله رضي الله عنهم.
ثمَّ اختلفوا متى يقطع التَّلبية؟ فقال سعيد بن المسيَّب والحسن البصري ومالك وأصحابه يقطعها إذا توجَّه إلى عرفات. وروي نحو ذلك عن عثمان وعائشة رضي الله عنهما، وروي عنهما خلاف ذلك أيضًا.
وقال الزُّهري والسَّائب بن يزيد وسليمان بن يسار وابن المسيَّب في رواية يقطعها حين يقف بعرفات. وروي ذلك عن عليِّ بن أبي طالب وسعد بن أبي وقاص رضي الله عنهما، واحتجَّ هؤلاء بحديث أسامة بن زيد، أخرجه الطَّحاوي عنه أنَّه قال «كنت ردف رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عشيَّة عرفة فكان لا يزيد على التَّكبير والتَّهليل، وكان إذا وجد فجوة نصَّ» .
وقوله فجوة، بفتح الفاء وضمها وهي ما اتَّسع من الأرض.
وقد روي في «الموطَّأ» فرجة، وقوله نصَّ؛ أي دفع في سيره وأسرع، والنصُّ منتهى الغاية في كلِّ شيء، قاله في «المطالع» .
وفي رواية أحمد «فإذا التحم عليه النَّاس
ج 7 ص 448
أعنق، وإذا وجد فرجة نصَّ»، وقوله أعنق من العنق وهو السَّير اليسير الذي تمدُّ فيه الدَّابة عنقها للاستعانة وهو دون الإسراع.
وأجيب بأنَّ ذلك لا يدلُّ على نفي التَّلبية وخروج وقتها، وقوله لا يزيد على التَّكبير والتَّهليل؛ يعني الزِّيادة من جنسهما، والله أعلم.