فهرس الكتاب

الصفحة 2455 من 11127

1553 - (وَقَالَ أَبُو مَعْمَرٍ) بفتح الميمين، هو عبد الله بن عمرو بن أبي الحجَّاج المنقري، المشهور بالمقعد، البصريِّ، وقد مرَّ في كتاب العلم [خ¦75] (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ) بن سعيدٍ، قال (حَدَّثَنَا أَيُّوبُ) السَّختياني (عَنْ نَافِعٍ قَالَ كَانَ ابْنُ عُمَرَ) رضي الله عنهما (إِذَا صَلَّى بِالْغَدَاةِ) أي إذا صلَّى الصُّبح

ج 7 ص 474

بوقت الغداة، وفي رواية الكُشْمِيْهني أي صلاة الغداة وهي الصُّبح.

(بِذِي الْحُلَيْفَةِ أَمَرَ بِرَاحِلَتِهِ فَرُحِلَتْ) على البناء للمفعول بتخفيف الحاء؛ أي وُضَعَ الرَّحلُ على ظهرها (ثُمَّ رَكِبَ فَإِذَا اسْتَوَتْ بِهِ) أي رفعته راحلته مستويًا على ظهرها (اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ قَائِمًا) نصب على الحال؛ أي منتصبًا غير مائلٍ على ناقته أو وصفه بالقيام لقيام راحلته، وفي رواية بلفظ .

وقال الدَّاودي أي استقبل القبلة قائمًا في الصَّلاة، وفي السِّياق تقديم وتأخير، والتَّقدير أمر براحلته فرُحِلت ثمَّ استقبل القبلة قائمًا فصلَّى ثمَّ ركب، حكاه ابن التِّين، وقال وإن كان ما في الأصل محفوظًا فلعلَّه لقرب إهلاله من الصَّلاة. انتهى.

ولا حاجة إلى هذا التَّقدير لعدم ذكر صلاة الإحرام فيه، والاستقبال إنَّما وقع بعد الرُّكوب، وقد رواه ابن ماجه وأبو عوانة في «صحيحه» من طريق عبيد الله بن عمر، عن نافع بلفظ «كان إذا أدخل رَحْله في الغرز فاستوت به ناقته قائمًا أهلَّ» .

(ثُمَّ يُلَبِّي حَتَّى يَبْلُغَ الْحْرَمَ) وكأنَّه أراد بالحرم المسجد، لقوله (ثُمَّ يُمْسِكُ) أي عن التَّلبية، وليس المراد بالإمساك عن التَّلبية تركها أصلًا، وإنَّما المراد التَّشاغل بغيرها من الطَّواف وغيره، وقد روي أنَّ ابن عمر رضي الله عنهما كان لا يلبِّي في طوافه، كما رواه ابن خزيمة في «صحيحه» من طريق عطاء قال «كان ابن عمر رضي الله عنهما يدع التَّلبية إذا دخل الحرم ويراجعها بعدما يقضي طوافه بين الصَّفا والمروة» .

وقال الكِرمانيُّ وقت الإمساك هو صبيحة يوم العيد في منى لا بلوغ الحرم فليس الغرض هنا بيان وقته على الخصوص، فلهذا أجمل أو أراد بالحرم منى، فيوافق الجمهور في استمرار التَّلبية حتَّى يرمي جمرة العقبة، أو كان ذلك عند التَّمتُّع.

واعترض عليه الحافظ العسقلانيُّ بأنَّه يُشْكِلُ عليه قولُه في رواية إسماعيل بن عُليَّة «إذا دخل أدنى الحرم» ، والأولى أنَّ المراد بالحرم ظاهره لقوله بعد ذلك حتَّى إذا جاء ذا طوى فجعل غاية الإمساك الوصول إلى ذي طوى، والظَّاهر أيضًا أنَّ المراد بالإمساك تركُ تكرار التَّلبية ومواظبتها ورفع الصَّوت بها الذي يفعل في أوَّل الإحرام لا تركها أصلًا ورأسًا.

هذا وتعقَّبه العينيُّ بأنَّ مذهب ابن عمر رضي الله عنهما أنَّه كان يتركها إذا دخل الحرم، ولا يفهم

ج 7 ص 475

من ظاهر الكلام إلَّا تركها لا ترك تكرارها، وفرَّق بين تركها وترك تكرارها وتارك تكرارها لا يسمَّى تاركًا للتَّلبية.

(حَتَّى إِذَا جَاءَ ذَا طُوًى) الظَّاهر أنَّها غايةٌ لقوله يمسك، والمعنى يمسك فيما بين أوَّل الحرم وذي طوى، فعلى هذا يكون المراد من الحرم ما هو المتبادر منه وهو أوَّل جزءٍ منه، ويمكن أن تكون غاية لقوله استقبل على أن يكون المراد بالحرم المسجد كما تقدَّم.

وقوله ذا طوى، بضم الطاء وفتحها وكسرها، وقيَّدها الأَصيليُّ بكسرها وبتخفيف الواو وادٍ معروف بقرب مكَّة، وقال النَّووي هو موضعٌ عند باب مكَّة بأسفلها في صوب طريق العمرة المعتادة ومسجد عائشة رضي الله عنها ويعرف اليوم بآبار الزَّاهر، يُصْرف ولا يُصرف. وقال أيضًا إنَّه مقصورٌ منون، وفي «التوضيح» هو ربض من أرباض مكَّة وطاؤه مثلثة مع الصَّرف وعدمه والمد أيضًا، وقال البيهقيُّ وادٍ بمكَّة في أسفلها وذو طواء ممدودًا موضعٌ بطريق الطَّائف.

وقال الكِرمانيُّ ويروى (( حتَّى إذا حاذى طوى ) )من المحاذاة وبحذف كلمة ذا، والأوَّل هو الصَّحيح؛ لأنَّ اسم الموضع ذو طوى لا طوى، وفي كتاب «الأذواء» ذو طوى موضعٌ بظاهر مكَّة به بئارٌ يستحبُّ لمن يدخل مكَّة أن يغتسل منها.

(بَاتَ بِهِ) أي بذي طوى؛ أي فيه (حَتَّى يُصْبِحَ) أي إلى أن يدخل في الصَّباح (فَإِذَا صَلَّى الْغَدَاةَ) أي صلاة الصُّبح (اغْتَسَلَ وَزَعَمَ) أي قال ابن عمر رضي الله عنهما (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَ ذَلِكَ) وهذا من إطلاق الزَّعم على القول الصَّحيح.

وسيأتي في باب الاغتسال عند دخول مكَّة [خ¦1573] ، من رواية ابن عليَّة عن أيُّوب، عن نافعٍ «كان ابن عمر رضي الله عنهما إذا دخل أدنى الحرم أمسك عن التَّلبية ثمَّ يبيت بذي طوى ثمَّ يصلِّي به الصُّبح ويغتسل، ويحدِّث أنَّ نبيَّ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يفعل ذلك» .

وفي الحديث استقبال القبلة عند الإهلال لاستقبال دعوة إبراهيم عليه السَّلام بمكَّة فلذلك يلبِّي المجيب للدَّاعي بعد أن يستقبل بالوجه، ولا يصلح أن يولِّي المجيب ظهره لمن يدعوه ثمَّ يلبِّيه بل يستقبله بالتَّلبية، وفيه أيضًا

ج 7 ص 476

استحباب الإحرام عقيب الصَّلاة.

وفي «التلويح» لا خلاف أنَّ المبيت بذي طوى، ودخول مكَّة نهارًا ليس من المناسك، لكن إن فعله اقتداء بالنَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وتبعًا لآثاره كان ثوابه في ذلك جزيلًا.

وفي «شرح المهذب» ودخول مكَّة نهارًا أفضل من الليل، وهو الصَّحيح عند الأكثرين من الشَّافعية، وقال بعض الشَّافعية هما سواء فإنَّ النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دخلها في عمرة الجعرانة ليلًا، وهو المذكور في الهداية عن أبي حنيفة رحمه الله، وفيه أيضًا استحباب الاغتسال.

وقال النَّووي الاغتسال المذكور سنَّة قال فإن عجز عنه تيمَّم وتكون نيَّته في ذلك غسل دخول مكَّة، وقال في «مناسك الكِرمانيِّ» هذا الغسل يستحبُّ لكلِّ أحدٍ حتَّى الحائض والنُّفساء والصبي.

وقال ابن حزم ولا يلزم الغسل فرضًا في الحجِّ إلَّا للمرأة تهلُّ بعمرةٍ تريد التَّمتع فتحيض قبل الطَّواف بالبيت فهذه تغتسل ولا بدَّ، وفي «الاستذكار» ما أعلم أحدًا من المتقدِّمين أوجب الاغتسال عند الإحرام بالعمرة أو بالحجِّ إلَّا الحسن بن أبي الحسن.

وقد روي عن عكرمة إيجابه كقول أهل الظَّاهر، وروي عنه أنَّ الوضوء يكفي عنه، وقال أبو عمر هو سنَّة مؤكدةٌ عند مالك وأصحابه لا يرخصون في تركه إلَّا من عذر، وعن عبد الملك هو لازمٌ، إلَّا أنَّه ليس في تركه ناسيًا ولا عامدًا دم ولا فدية، وقيل هو عند مالك آكد من غسل الجمعة.

وقال أبو حنيفة والأوزاعيُّ والثَّوري يجزئه الوضوء وهو قول إبراهيم، وفي «سنن سعيد بن منصور» حدَّثنا جرير، عن مغيرة قال ذُكِرَ عند إبراهيم إذا قدم الحاجُّ أمسك عن التَّلبية ما دام يطوف بالبيت فقال إبراهيم لا، بل يلبِّي قبل الطَّواف، وفي الطَّواف وبعد الطَّواف ولا يقطعها حتَّى يرمي الجمرة، وهو قول أبي حنيفة والشَّافعي وأحمد وإسحاق وداود، إلَّا أنَّ أبا حنيفة والشَّافعي قالا يقطع التَّلبية مع أوَّل حصاةٍ يرميها في الجمرة، كما تقدَّم.

وقال قومٌ يقطع المعتمر التَّلبية إذا دخل الحرم، وقال آخرون لا يقطعها حتَّى يرى بيوت مكَّة، وقالت طائفةٌ حتَّى يدخل بيوت مكَّة.

وقال أبو حنيفة لا يقطعها حتَّى يستلم الحجر، لما رواه أحمد، عن هشيم حدَّثنا حجاج

ج 7 ص 477

عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه «اعتمر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثلاث عمرٍ كلُّ ذلك في ذي القعدة يلبِّي حتَّى يستلم الحجر» .

وقال اللَّيث إذا بلغ الكعبة قطع التَّلبية، وقال الشَّافعي لا يقطع حتَّى يفتتح الطَّواف، وقال مالكٌ من أحرم من الميقات قطع التَّلبية إذا دخل أوَّل الحرم، فإن أحرم من الجعرَّانة أو من التَّنعيم قطعها إذا دخل بيوت مكَّة وإذا دخل المسجد.

وروي عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما لا يقطع المعتمر التَّلبية حتَّى يستلم الرُّكن، وكان ابن عمر رضي الله عنهما يقطعها إذا رأى بيوت مكَّة، والله أعلم.

(تَابَعَهُ) أي تابع عبد الوارث (إِسْمَاعِيلُ) هو ابن عليَّة (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختياني (فِي) أمر (الْغَسْلِ) أي فيما قال إذا صلَّى الغداة اغتسل ولم يقتصر عليه بل ذكره كلَّه إلَّا القصَّة الأولى، ووصل البخاريُّ هذه المتابعة في باب الاغتسال عند دخول مكَّة على ما يأتي إن شاء الله تعالى [خ¦1573] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت