فهرس الكتاب

الصفحة 2467 من 11127

1561 - (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ) هو ابن أبي شيبة، قال (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) بفتح الجيم وكسر الراء الأولى، هو ابن عبد الحميد (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابن المعتمر (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) أي النَّخعي (عَنِ الأَسْوَدِ) هو ابن يزيد، خال إبراهيم النَّخعي (عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا) قالت (خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وكان خروجهم في أشهر الحجِّ، كما بيَّنته في الحديث الذي مضى في الباب السَّابق [خ¦1560] (وَلاَ نُرَى) بضم النون؛ أي ولا نظنُّ. وقال ابن التِّين ضبطه بعضهم بفتح النون، وبعضهم بضمها، ومعنى الفتح لا نعتقد.

(إِلاَّ أَنَّهُ الْحَجُّ) قال القرطبيُّ كان هذا قبل أن تَعْلَمَ بأحكام الإحرام وأنواعه، وقيل يحتمل أنَّ ذلك كان اعتقادها من قبل أن تهلَّ ثمَّ أهلَّت بعمرةٍ كما سيأتي.

ويحتمل أن تريد بقولها لا نرى، حكايةً عن فعل غيرها من الصَّحابة، وهم كانوا لا يعرفون غيره.

وزعم القاضي عياض أنَّها كانت أحرمت بالحجِّ ثمَّ أحرمت بالعمرة ثمَّ أحرمت بالحجِّ، ويدلُّ على أنَّ المراد بقولها لا نرى إلَّا أنَّه الحج حكاية فعل غيرها قولها «فلمَّا قدمنا تطوفنا بالبيت» فإنَّها لم تطف بالبيت في ذلك الوقت لأجل حيضها، فمرادها بذلك النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وغيرها من الصَّحابة.

هذا، وفي رواية أبي الأسود، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها (( خرجنا مع النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مهلِّين بالحجِّ ) )، وفي رواية مسلم من طريق القاسم عنها (( لا نذكر إلَّا الحج ) ). وفي رواية للبخاريِّ أيضًا كذلك وقد مضت في كتاب الحيض [خ¦294] ، وله أيضًا من هذا الوجه «لبينا بالحجِّ» ، وظاهر هذا يقتضي أنَّ عائشة رضي الله عنها كانت مع الصَّحابة أولًا محرمين بالحجِّ، لكن في رواية عروة عنها هنا «فمنَّا من أهلَّ بعمرةٍ ومنَّا من أهلَّ بحجٍّ وعمرةٍ،

ج 7 ص 509

ومنَّا من أهلَّ بالحجِّ» فيحمل الأوَّل على أنَّها ذكرت ما كانوا يعهدونه من ترك الاعتمار في أشهر الحجِّ فخرجوا لا يعرفون إلَّا الحجَّ، فلذلك قالت مهلِّين بالحجِّ ولا نرى إلَّا أنَّه الحج، ثمَّ بيَّن لهم النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وجوه الإحرام وجوَّز لهم الاعتمار في أشهر الحجِّ.

وسيأتي إن شاء الله تعالى في باب الاعتمار بعد الحجِّ [خ¦1783] ، من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عنها فقال «من أحب أن يهلَّ بعمرةٍ فليهل، ومن أحبَّ أن يهلَّ بحجٍّ فليهلَّ» .

ولأحمد من طريق ابن شهاب، عن عروة فقال (( من شاء فليهلَّ بعمرةٍ، ومن شاء فليهلَّ بحجٍّ ) )، ولهذه النكتة أورد البخاريُّ في الباب حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما كانوا يرون العمرة في أشهر الحجِّ من أفجر الفجور»، فأشار إلى الجمع بين ما اختلف عن عائشة رضي الله عنها في ذلك.

وأمَّا عائشة رضي الله عنها نفسُها فسيأتي إن شاء الله تعالى في أبواب العمرة [خ¦1720] ، الحديث في أبواب العمرة [خ¦1783] من طريق هشام بن عروة، عن أبيه عنها في أثناء هذا الحديث قالت «وكنت ممَّن أهلَّ بعمرةٍ» .

وسبق في كتاب الحيض من حديث ابن شهاب عن عروة نحوه [خ¦316] ، وزاد أحمد من وجهٍ آخر عن الزُّهري «ولم أسق هدايا» ، وادَّعى إسماعيل القاضي وغيره أنَّ هذا غلطٌ من عروة، وأنَّ الصَّواب رواية الأسود والقاسم وعروة عنها أنَّها أهلَّت بالحجِّ مفردًا.

وتُعُقِّب هذا بأنَّ قول عروة صريحٌ في أنَّها أهلَّت بعمرةٍ، وقول الأسود وغيره لا نرى إلَّا أنَّه الحجَّ، ليس بصريحٍ في إهلالها بالحجِّ مفردًا، فالجمع بينهما ما تقدَّم من غير تغليط عروة، وهو أعلم النَّاس بحديثها، وقد وافقه جابر بن عبد الله الصَّحابي، كما أخرجه مسلم عنه، وكذا رواه طاوس ومجاهد عن عائشة رضي الله عنها، ويمكن في الجمع أيضًا أن يقال كانت عائشة رضي الله عنها مفردة بالحجِّ كغيرها من الصَّحابة، وعلى هذا ينزل حديث الأسود ومن تبعه ثمَّ لمَّا أمر النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يفسخوا الحجَّ إلى العمرة فعلت عائشة رضي الله عنها ما صنعوا فصارت مُهِلَّةً بعمرةٍ.

وعلى هذا ينزل حديث عروة ثمَّ لمَّا دخلت مكَّة وهي حائض ولم تقدر على الطَّواف لأجل الحيض أمرها النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن تحرم بالحجِّ، وهذا معنى ما زعمه القاضي عياض، كما تقدَّم.

(فَلَمَّا قَدِمْنَا) مكَّة (تَطَوَّفْنَا بِالْبَيْتِ) قد مرَّ أنَّها تعني بذلك النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وغيرها من الصَّحابة رضي الله عنهم(فَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

ج 7 ص 510

مَنْ لَمْ يَكُنْ سَاقَ الْهَدْيَ أَنْ يَحِلَّ)فإن قيل إنَّ الفاء التَّعقيبيَّة تدلُّ على أنَّ الأمر كان بعد الطَّواف، وقد مرَّ في الباب السَّابق أنَّه أمرهم بذلك بسرفٍ قبل قدوم مكَّة [خ¦1560] .

فالجواب ما قاله الكِرمانيُّ إنَّه قاله مرَّتين قبل القدوم وبعده، فالثَّاني تكرير للأوَّل وتأكيد له.

(فَحَلَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ سَاقَ الْهَدْيَ وَنِسَاؤُهُ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لَمْ يَسُقْنَ) أي الهدي (فَأَحْلَلْنَ) فلذلك أحللن؛ أي وأنا منهنَّ (قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا فَحِضْتُ فَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ) بسبب الحيض والمراد طواف العمرة لا طواف ركن الحجِّ، فإنَّه قد سبق أنَّها قالت «فأفضت بالبيت» ؛ أي طفت طواف الإفاضة الذي هو الرُّكن (فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ الْحَصْبَةِ) أي الليلة التي بعد ليالي التَّشريق ينزل الحجَّاج فيها في المحصَّب، والمشهور في الحصْبة، سكون الصاد وجاء فتحها وكسرها وهي أرضٌ ذات حصى.

(قَلَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ يَرْجِعُ النَّاسُ بِعُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ) مغتنمين بثوابهما (وَأَرْجِعُ أَنَا بِحَجَّةٍ) محرومة عن ثواب العمرة.

وقال الكِرمانيُّ فإن قلت فما قول مَن قال إنَّها كانت قارنةً؟ قلت مرادُها أنَّهم يرجعون بحجَّة منفردةٍ وعمرة منفردة، وأرجع وليست لي عمرةٌ منفردةٌ. انتهى.

(قَالَ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أَوَمَا طُفْتِ لَيَالِيَ قَدِمْنَا مَكَّةَ؟ قُلْتُ لاَ، قَالَ فَاذْهَبِي مَعَ أَخِيكِ إِلَى التَّنْعِيمِ فَأَهِلِّي بِعُمْرَةٍ ثُمَّ مَوْعِدُكِ كَذَا وَكَذَا) وظاهر الحديث أنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمرها أن تجعل عمرتها حجًّا، ولهذا قالت يرجع النَّاس بعمرةٍ وحجةٍ وأرجع أنا بحجَّة فأعمرها لأجل ذلك من التَّنعيم.

وقد وقع في رواية (( ارفضي عمرتك ) )وقال مالكٌ ليس العمل على حديث عروة قديمًا ولا حديثًا.

قال ابن عبد البرِّ يريد ليس العمل عليه في رفض العمرة وجعلها حجًّا؛ بخلاف جعل الحجِّ عمرة فإنَّه وقع للصَّحابة، واختلف في جوازه من بعدهم لكن أجاب جماعةٌ من العلماء عن ذلك باحتمال أن يكون معنى قوله ارفضي عمرتك؛ أي اتركي التَّحلل منها وأدخلي عليها الحجَّ، فتصيرُ قارنةً. ويؤيِّده قوله في رواية لمسلم (( وأمسكي عن العمرة ) )أي عن أعمالها، وإنَّما قالت عائشة رضي الله عنها وأرجع أنا بحجةٍ؛ لاعتقادها أنَّ إفراد العمرة بالعمل أفضل، كما وقع لغيرها من أمَّهات المؤمنين.

واستبعد هذا التَّأويل لقولها في رواية عطاء عنها «وأرجع أنا بحجَّة ليس معها عمرة» . أخرجه أحمد، وهذا يقوِّي قول الكوفيِّين إنَّ عائشة

ج 7 ص 511

رضي الله عنها تركت العمرة وحجَّت مفردة.

وتمسَّكوا في ذلك بقوله لها في الرِّواية المتقدِّمة «دعي عمرتك» ، وفي رواية (( ارفضي عمرتك ) )ونحو ذلك، واستدلُّوا به على أنَّ للمرأة إذا أهلَّت بالعمرة متمتِّعةً فحاضت قبل أن تطوفَ أن تترك العمرة وتهلَّ بالحجِّ مفردًا كما صنعت عائشة رضي الله عنها.

لكن في رواية عطاء عنها ضَعْف، والرَّافع للإشكال في ذلك ما رواه مسلمٌ من حديث جابرٍ رضي الله عنه أنَّ عائشة رضي الله عنها أهلَّت بعمرةٍ حتَّى إذا كانت بسرفٍ حاضت، فقال لها النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( أهلِّي بالحجِّ ) )حتَّى إذا طهرت طافت بالكعبة وسعت فقال (( قد حللت من حجِّك وعمرتك ) )قالت يا رسول الله، إنِّي أجد في نفسي أنِّي لم أطف بالبيت حتَّى حججت قال فأعمرها من التَّنعيم.

ولمسلمٍ من طريق طاوس عنها فقال لها النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( طوافك يسعك لحجِّك وعمرتك ) )وإنَّما أعمرها من التَّنعيم تطييبًا لقلبها لكونها لم تطفْ بالبيت لما دخلت معتمرةً.

وقد وقع في رواية لمسلم (( وكان النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رجلًا سَهْلًا إذا هويتْ الشَّيءَ تابعها عليه ) ).

(قَالَتْ صَفِيَّةُ) هي أمُّ المؤمنين سبقت في باب المرأة تحيض بعد الإفاضة رضي الله عنها [خ¦328] (مَا أُرَانِي) بضم الهمزة؛ أي ما أظنُّ نفسي (إِلاَّ حَابِسَتَهُمْ) أي إلَّا حابسة القوم عن التَّوجه إلى المدينة؛ لأنِّي حضت وما طفت بالبيت، فلعلَّهم بسببي يتوقَّفون إلى زمان طوافي بعد الطَّهارة، وإسناد الحبس إليها على سبيل المجاز.

(قَالَ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (عَقْرَى حَلْقَى) قال أبو عُبيد معناه عقر الله تعالى جَسَدها وأصابها وجع في حلقها، هذا على ما يرويه المحدِّثون، والصَّواب عقرًا وحلقًا؛ أي مصدرين بالتَّنوين فيهما، وقيل له لم لا يجوز فَعْلى؟ قال لأن فَعْلى يجيءُ نعتًا، ولم يجيء في الدُّعاء، وهذا دعاء.

وقال صاحب «المحكم» معناه عقرها الله وحلق شعرها، أو أصابها في حلقها بالوجع، فعقرى هنا مصدر كدعوى، وقيل معناه تعقر قومها وتحلقهم بشؤمها، وهو جمع عقير مثل جريحٍ وجرحى لفظًا ومعنى، وقيل عقرى عاقرٌ لا تلد، وحلقى؛ أي مشؤمة.

قال الأصمعيُّ يقال أصبحت أمُّه حالقًا؛ أي ثاكلًا، وقال النَّووي وعلى الأقوال

ج 7 ص 512

كلِّها هي كلمةٌ اتَّسعت فيها العرب فصارت تلفظها ولا تريد بها حقيقة معناها التي وضعت له، كتربتْ يداه وقاتَلَه الله.

وقال إنَّ المحدِّثين يروونه بالألف التي هي للتَّأنيث ويكتبونه بالياء ولا ينوِّنونه. هذا، وقيل معناه مشؤمة مؤذية، وقال الأصمعيُّ يقال ذلك للأمر يُعْجَبُ منه ويقال امرأة حالق؛ إذا حلقت قومها بشؤمها.

وقال الدَّاودي يريد أنت طويلة اللسان لما كلمته بما يكره، وهو مأخوذٌ من الحلق الذي يخرج منه الكلام، والله أعلم بالمرام.

(أَوَ مَا طُفْتِ يَوْمَ النَّحْرِ؟ قَالَتْ قُلْتُ بَلَى، قَالَ لاَ بَأْسَ انْفِرِي) بكسر الفاء؛ أي ارجعي واذهبي لا حاجة لك إلى طواف الوداع؛ لأنَّه ساقطٌ عن الحائض (قَالَتْ عَائِشَةُ) رضي الله عنها.

(فَلَقِيَنِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُصْعِدٌ مِنْ مَكَّةَ وَأَنَا مُنْهَبِطَةٌ عَلَيْهَا) الواو في الجملتين للحال (أَوْ أَنَا مُصْعِدَةٌ وَهْوَ مُنْهَبِطٌ مِنْهَا) حكت الأمر على وجهه وشكَّ المحدِّث أيَّ الكلمتين قالت، والمصْعِد في اللغة المبتدئ في السَّير، والصَّاعد الرَّاقي إلى الأعلى من الأسفل.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة من جهة الجزء الأخير منها، وهو فسخ الحجِّ، ورجاله كلُّهم كوفيُّون، وأخرج متنه مسلم وأبو داود والنَّسائي في الحجِّ أيضًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت