1564 - (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكي، قال (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) على صيغة التصغير، هو ابن خالدٍ، قال (حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ) عبد الله، يروي (عَنْ أَبِيهِ) طاوس (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (قَالَ كَانُوا) أي أهل الجاهليَّة (يَرَوْنَ) بفتح أوله؛ أي يعتقدون، ولابن حبان من طريقٍ أخرى عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال «والله ما أعمر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عائشة رضي الله عنها في ذي الحجَّة إلَّا ليقطع بذلك أمر أهل الشِّرك، فإنَّ هذا الحي من قريشٍ ومن دان دينهم كانوا يقولون إذا عفا الأثر، وبَرأَ الدَّبَرْ، ودَخَلَ صَفَرْ فقد حلَّت العمرة لمن اعتمر، وكانوا لا يحرمون بالعمرة حتَّى ينسلخ ذو الحجة والمحرم» ، وكذا روى أبو داود فعرف بهذا تعيين القائلين.
(أَنَّ الْعُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ مِنْ أَفْجَرِ الْفُجُورِ فِي الأَرْضِ) أي من أعظم الذُّنوب، وهذا من تحكُّماتهم الباطلة المأخوذة من غير أصلٍ، والفجور هو الانبعاث في المعاصي، وقد فَجَر يفْجُر فُجورًا، من باب نصَرَ يَنْصُر؛ أي فسق.
(وَيَجْعَلُونَ الْمُحَرَّمَ صَفَر) أي يجعلون صفر من الأشهر الحرم، وفيه لطفٌ لصحَّة إرادة المعنى اللغويِّ من المحرم فهو من باب الإيهام.
قال النَّووي قال العلماء المراد الإخبار عن النَّسيء الذي كانوا يفعلونه في الجاهليَّة فكانوا يسمُّون
ج 7 ص 516
المحرم صفرًا ويحلُّونه ويؤخِّرون تحريم المحرم إلى نفس صفر لئلَّا يتوالى عليهم ثلاثة أشهر محرمة فيضيق عليهم فيها ما اعتاده من المقاتلة والغارة والنَّهب، فضللهم الله تعالى في ذلك، فقال {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا} [التوبة 37] .
وقال الزَّمخشري هو تأخير حرمة الشَّهر إلى شهرٍ آخر، وربَّما زادوا في عدد الشَّهور فيجعلونها ثلاثة عشر أو أربعة عشر؛ ليتَّسع لهم الوقت.
وقال الطِّيبي إنَّ العرب كانوا يؤخِّرون المحرم إلى صفر، وهو النَّسيء المذكور في القرآن قال تعالى {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ} الآية.
وقال الكلبيُّ أوَّل من نسأ القَلَمَّس، واسمه حذيفة بن عُبيد الكنانيُّ، ثمَّ ابنه عَبَّاد، ثمَّ ابنه قَلَع بن عَبَّاد، ثمَّ أميَّة بن قلع، ثمَّ عوف بن أميَّة، ثمَّ جنادة بن أميَّة، وعليه قام الإسلام.
وقيل أوَّل من نسأ نُعيم بن ثعلبة، ثمَّ جنادة وهو الذي أدركه سيدنا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقيل مالك بن كنانة، وقيل عَمرو بن طي، وقال ابن دُريد صفران شهران من السنة سمِّي إحداهما في الإسلام المحرم.
وفي «المحكم» قال بعضهم سمِّي صفرًا؛ لأنَّهم كانوا يمتارون الطَّعام فيه من المواضع فيتركونها صفرًا من الطَّعام، وقال بعضهم سمِّي بذلك لإصفار مكَّة من أهلها إذا سافروا.
وروي عن رؤبة أنَّه قال سَمُّوا الشَّهر صفرًا؛ لأنَّهم كانوا يغزون فيه القبائل فيتركون من لقوا صفرًا من المتاع.
ثمَّ إنَّ قوله (( صفر ) )هكذا وقع في جميع الأصول من «الصَّحيحين» ، وقال صاحب «التلويح» قوله صفرًا هو الصَّحيح؛ لأنَّه مصروف بلا خلاف، ووقع في مسلم بغير ألف.
وقال صاحب «التوضيح» قوله (( صفر ) )كذا وقع بغير ألف في أصل الدِّمياطي، وفي مسلم والصَّواب (( صفرًا ) )بالألف، وقال النَّووي كان ينبغي أن يكتب بالألف وعلى تقدير حذفها لا بدَّ من قراءته منصوبًا؛ لأنَّه منصرف بلا خلاف.
وقال الكِرمانيُّ المشهور في اللغة الرَّبِيْعِيَّه أنَّهم يكتبون المنصوب بلا ألف، هذا ولا يلزم من كتابته بغير ألف أن لا يُصرف فيُقْرأ بالألف، وكذا قال القاضي عياض، ونَفَى الخلافَ في صَرْفه لكن في «المحكم» كان أبو عبيدة لا يَصْرِفُه، فقيل له لم لا تصرفه والنَّحويون قد أجمعوا على صرفه، وقالوا لا يمنع الاسم من الصَّرف إلَّا العلَّتان فأخبرنا بالعلَّتين فيه فقال نعم العلَّتان المعرفة والسَّاعة؛ وفسَّره المطرزيُّ بأنَّ مراده بالسَّاعة
ج 7 ص 517
أنَّ الأزمنة ساعات والسَّاعات مؤنثة، وحديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما دليلٌ لأبي عبيدة هذا.
قال القاضي عياض قيل صفر داء يكون في البطن، كالحيَّات إذا اشتدَّ جوعها عضت، وقال رؤبة هي حيَّة تلتوي في البطن، وهي أعدى من الجرب عند العرب، وهذا المعنى أريد في قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر ) )وهاهنا غير مناسبٍ.
(وَيَقُولُونَ إِذَا بَرَأَ الدَّبَرْ) بفتح الدال المهملة والموحدة ثم الراء، هو ما يتأثَّر في ظهر الإبل بسبب اصطكاك القتب والحمل عليها في السَّفر، وقال الخطَّابي يحتمل أن يكونوا أرادوا برأ الدَّبر من ظهور الإبل إذا انصرفت من الحجِّ.
وقال ابن سيده والجمع أَدْبار ودَبَر دَبَرًا فهو دَبِر وأَدْبَر، والأنثى دَبِرَة ودَبْراء، وإبل دَبْرى وقد أدبرها الحِمْل، قال القاضي عياض وقيل هو أن يقرحَ خفُّ البعير.
(وَعَفَا الأَثَرْ) أي ذهب أثر الدَّبر يقال عفا الشَّيء بمعنى درس، وقيل المراد من الأثر أثر الإبل من سيرها، ووقع في «سنن أبي داود» (( وعفا الوبر ) )يعني كثر وبرُ الإبل الذي حلقته رحال الحاجِّ، وعفا من الأضداد.
وقال الكرمانيُّ المعروف في عامَّة الرِّوايات (( عفا الوبر ) )يعني بالواو، كما في رواية أبي داود قال تعالى {حَتَّى عَفَوْا} الآية [الأعراف 95] ، وقالوا أي كثروا.
(وَانْسَلَخَ صَفَرْ حَلَّتِ الْعُمْرَةُ لِمَنِ اعْتَمَرْ) وهذه الألفاظ تقرأ ساكنة الراء لرعاية السَّجع، والمعنى صار الإحرام بالعمرة لمن أراد أن يحرم بها جائزًا، ووجه تعلُّق جواز الاعتمار بانسلاخ صفر مع كونه ليس من أشهر الحجِّ وكذلك المحرم، أنَّهم لمَّا جعلوا المحرم صفر أو كان من جملة تصرُّفاتهم جعل السنة أربعةَ عَشَر شهرًا صار صفر على هذا التَّقدير آخر السَّنة وآخر أشهر الحجِّ.
أو يقال برأ الدَّبرَ عبارةٌ عن مضي شهر ذي الحجة والمحرم؛ إذ لا برء في أقلِّ من هذه المدَّة غالبًا، وأمَّا ذِكْر انسلاخ صفر الذي هو من الأشهر الحرم بزعمهم فَلِأجْل أنَّه لو وَقَعَ قتالٌ في الطَّريق أو في مكَّة لقدروا على المقاتلة فكأنَّه قال إذا انقضى شهر الحجِّ وأثره والشَّهر الحرام جاز الاعتمار.
أو يراد بالصَّفر المحرم ويكون قولهم (( انسلخ صفر ) )كالبيان والبدل لقولهم (( إذا برأ الدَّبرَ ) )، فإنَّ الغالب أنَّ البرء لا يحصل إلَّا في هذه،
ج 7 ص 518
وهي ما بين أربعين يومًا إلى خمسين ونحوه.
قال الكِرمانيُّ وهذا أظهر، لكن بشرط أن يكون مرادهم بحرمة الاعتمار في أشهر الحجِّ أشهره وزمانًا آخر بعده فيه أثره.
(قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) كذا في الأصول من رواية موسى بن إسماعيل، عن وهيب، وقد أخرجه المؤلِّف في أيَّام الجاهليَّة [خ¦3832] عن مسلم بن إبراهيم، عن وهيب بلفظ (( فقدم ) )بزيادة فاء.
وكذا أخرجه مسلمٌ من طريق بهز بن أسد والإسماعيليُّ من طريق إبراهيم بن الحجَّاج كلاهما، عن وهيب، قال الحافظ العسقلانيُّ وهو الوجه، وكذا قال العينيُّ.
(وَأَصْحَابُهُ صَبِيحَةَ) ليلة (رَابِعَةٍ) من ذي الحجَّة، وكان يوم أحدٍ حال كونهم (مُهِلِّينَ بِالْحَجِّ) ، وفي رواية إبراهيم بن الحجَّاج (( وهم يلبُّون بالحجِّ ) )وهذه الرِّواية تفسِّر قوله مهلِّين.
واحتجَّ به من قال كان النَّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عام حَجَّ مُفْرِدًا، فأجاب من قال كان قارنًا بأنَّه لا يلزم من إهلاله بالحجِّ أن لا يكون أدخل عليه العمرة.
(فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهَا) أي الحجَّة (عُمْرَةً) بأن يفسخوا الحجَّ إليها، وهذا هو موضع التَّرجمة (فَتَعَاظَمَ ذَلِكَ) أي الاعتمار في أشهر الحجِّ (عِنْدَهُمْ) وفي رواية إبراهيم بن الحجَّاج (( فكبُر ذلك عندهم ) )وذلك لأنَّه يخالف ما عهدوه من تأخير العمرة عن أشهر الحجِّ.
(فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الْحِلِّ) معناه أيُّ شيءٍ من الأشياء يحلُّ لنا؛ لأنَّه قال لهم اعتمروا وأحلُّوا وكأنَّهم كانوا يعرفون أنَّ للحجِّ تَحلُّلَين، فأرادوا بيان ذلك بقولهم أيُّ الحلِّ فبيَّن لهم النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (قَالَ حِلٌّ كُلُّهُ) يعني جميع ما يحرم على المحرم حتَّى الجماع وذلك تمام الحلِّ؛ لأنَّ العمرة ليس لها إلَّا تحلُّلٌ واحد.
ووقع في رواية الطَّحاوي أيُّ الحلِّ نحلُّ؟ قال (( الحلُّ كله ) )، وفي الحديث فسخ الحجِّ إلى العمرة، وقد تقدَّم الكلام فيه [خ¦1559] [خ¦1561] ، وفيه استحباب دخول مكَّة نهارًا، وهو المرويُّ عن ابن عمر رضي الله عنهما، وبه قال عطاء والنَّخعي وإسحاق وابن المنذر، وهو أصحُّ الوجهين لأصحاب الشَّافعي، والوجه الثَّاني أنَّ دخولها ليلًا ونهارًا سواء، لا أفضليَّة لأحدهما على الآخر، وهو قول طاوس والثَّوري، وعن عائشة رضي الله عنها وسعيد بن جبيرٍ وعمر بن عبد العزيز دخولها ليلًا أفضل، وقال مالك يستحبُّ دخولها نهارًا فمن جاءها ليلًا فلا بأس به قال وكان عمر بن عبد العزيز يدخلها لطواف الزِّيارة ليلًا، والله أعلم.
والحديث أخرجه مسلمٌ والنَّسائي في الحجِّ أيضًا.
ج 7 ص 519