1563 - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ) قال (حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) بضم المعجمة وسكون
ج 7 ص 513
النون وفتح المهملة على الأصحِّ وبالراء محمَّد بن جعفر، وقد مرَّ في باب ظلمٍ دون ظلم [خ¦32] ، من كتاب الإيمان، قال (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) أي ابن الحجَّاج (عَنِ الحَكَمِ) بفتحتين، هو ابن عُتَيْبة، بضم العين المهملة وفتح المثناة الفوقية، الفقيه الكوفيُّ، وقد مرَّ في باب السَّمر في العلم [خ¦117] (عَنْ عَلِّي بنِ الحُسَيْنٍ) المشهور بزين العابدين، وقد مرَّ في باب من قال في الخطبة في كتاب الجمعة [خ¦926] .
(عن مَرْوانَ بنِ الْحَكَمِ) بفتحتين، وقد مرَّ في أواخر كتاب الوضوء [خ¦241] (قَالَ شَهِدْتُ عُثْمَانَ وَعَلِيًّا رَضِيَ اللهُ عَنْهُما) كان شهوده إيَّاها بعسفان على ما يأتي في آخر الباب من طريق سعيد بن المسيب [خ¦1569] (وَعُثْمَانُ) رضي الله عنه (يَنْهَى عَنِ الْمُتْعَةِ) والواو للحال.
واختلفوا في المتعة التي نهى عنها فقيل هي فسخ الحجِّ إلى العمرة؛ لأنَّه كان مخصوصًا بتلك السنة التي حجَّ فيها رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وكان تحقيقًا لمخالفة ما كانت عليه الجاهليَّة من منع العمرة في أشهر الحجِّ، وقيل هو التَّمتع المشهور والنَّهي للتَّنزيه ترغيبًا في الإفراد.
(وَأَنْ يُجْمَعَ بَيْنَهُمَا) أي بين العمرة والحجِّ، قال الكِرمانيُّ أي القِران ثمَّ قال ما المراد منه؟ ثمَّ أجاب بأنَّه قال ابن عبد البرِّ القِران أيضًا من التَّمتع؛ لأنَّه تمتع بسقوط سفرة للنُّسك الآخر من بلده، هذا وذكر الحافظ العسقلانيُّ أنَّ السَّلف رحمهم الله كانوا يطلقون على القِران تمتعًا.
(فَلَمَّا رَأَى عَلِيٌّ) مفعوله محذوف؛ أي النَّهي؛ أي نهى عثمان رضي الله عنه خالفه حيث (أَهَلَّ بِهِمَا) قائلًا (لَبَّيْكَ بِعُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ) وقوله (قَالَ مَا كُنْتُ لأَدَعَ) واللام فيه للتأكيد كما في قوله تعالى {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ} الآية [الأنفال 33] (سُنَّةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِقَوْلِ أَحَدٍ) استئناف كأنَّ قائلًا يقول لِمَ خالفه؟ فقال ما كنت ... إلى آخره، وحاصله أنَّه مجتهدٌ لا يجوز عليه أن يقلِّد مجتهدًا آخر لاسيما مع وجود السنة.
وفي رواية النِّسائي والإسماعيليِّ فقال عثمان رضي الله عنه تراني أنهى النَّاس وأنت تفعله فقال ما كنت لأدع؛ أي لأترك، وفي رواية سعيد بن المسيب فقال عليٌّ رضي الله عنه «ما تريد إلَّا أن تنهى عن أَمْرٍ فَعَلَه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» .
وفي رواية مسلم زيادة وهي فقال عثمان رضي الله عنه دعنا عنك قال إنِّي لا أستطيع أن أدعك، وهذا كما ترى مبنيٌّ على الاجتهاد.
وقد روى النَّسائي من طريق عبد الرَّحمن بن حرملة، عن سعيد بن المسيَّب بلفظ نهى عثمان رضي الله عنه عن التَّمتُّع
ج 7 ص 514
وزاد فيه فلبَّى عليٌّ رضي الله عنه وأصحابه بالعمرة فلم ينههم عثمان رضي الله عنه، فقال له عليٌّ رضي الله عنه ألم تسمع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تمتع قال بلى.
وله من وجهٍ آخر «سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يلبِّي بهما جميعًا» ، وزاد مسلم من طريق عبد الله بن شقيق عن عثمان رضي الله عنه قال «أجل ولكنَّا كنَّا خائفين» .
قال النَّووي لعلَّه أشار إلى عمرة القضيَّة سنة سبعٍ لكن لم يكن في تلك السنة حقيقةُ تمتُّع إنَّما كان عمرة وحدها، قال الحافظ العسقلانيُّ وهي روايةٌ شاذَّة، فقد روى مروان بن الحكم وسعيد بن المسيب هذا الحديث، وهما أعلم من عبد الله بن شقيق فلم يقولا ذلك، والتَّمتع إنَّما كان في حجَّة الوداع.
وقد قال ابن مسعودٍ رضي الله عنه، كما ثبت عنه في «الصحيحين» «كنَّا آمن ما يكون النَّاس» ، وقال القرطبيُّ قوله خائفين؛ أي من أن يكون أجر من أفرد أعظم من أجر من تمتَّع، كذا قال، ولا يخفى بعده.
وفي هذا الحديث إشاعة العالم ما عنده من العلم وإظهاره، ومناظرة ولاة الأمور وغيرهم في تحقيقه لمن قوي على ذلك لقصد مناصحةِ المسلمين.
وفيه البيان بالفعل مع القول؛ لأنَّ عليًّا رضي الله عنه أمر وفعل ما نهاه عنه عثمان رضي الله عنه، وفيه جواز الاستنباط من النَّص؛ لأنَّ عثمان رضي الله عنه لم يخف عليه أنَّ التَّمتع والقِران جائزان، وإنَّما نهى عنهما ليعمل بالأفضل، كما وقع لعمر رضي الله عنه وخشي أن يحمل غيره النَّهي على التَّحريم، فأشاع جواز ذلك، فكلٌّ منهما مجتهدٌ مأجورٌ.
وفيه ما كان عليه عثمان رضي الله عنه من الحلم حيث لم يُلْزِمْ مُخْالِفَه، وفيه أنَّ القوم لم يكونوا يسكتون عن قول يرون أنَّ غيره أمثل منه إلَّا بيَّنوه.
وفيه أنَّ طاعة الإمام إنَّما تجب في المعروف، وفيه أنَّ معظم القصد الذي بوَّب عليه هو مشروعيَّة المتعة لجميع النَّاس فإنْ قيل روي عن أبي ذرٍّ رضي الله عنه أنَّه قال كانت متعة الحجِّ لأصحاب محمَّد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خاصَّة، كذا في «صحيح مسلم» فالجواب أنَّهم قالوا هذا قول صحابيٍّ يخالف الكتاب والسُّنة والإجماع، وقولَ مَنْ هو خيرٌ منه.
أمَّا الكتاب فقوله تعالى {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ} الآية [البقرة 196] ، وهذا عامٌّ، وأجمع المسلمون على إباحة التَّمتع في جميع الأَعْصَار وإنَّما اختلفوا في الأفضليَّة.
وأمَّا السُّنة فحديث سراقة المتعة لنا خاصَّة أو هي للأبد؟ قال بل هي للأبد، وحديث جابرٍ رضي الله عنه المذكور في «صحيح مسلم» في صفة الحجِّ نحو هذا ومعناه، وأهل الجاهليَّة كانوا
ج 7 ص 515
لا يجيزون التَّمتع ويرون العمرة في أشهر الحجِّ فجورًا، فبين النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنَّ الله قد شرع العمرة في أشهر الحجِّ وجوَّز المتعة إلى يوم القيامة، رواه سعيد بن منصور من قول طاوس، وزاد فيه فلمَّا كان الإسلام أُمِرَ النَّاسُ أن يعتمروا في أشهر الحجِّ فدخلت العمرة في أشهر الحجِّ إلى يوم القيامة.
وقد خالف أبا ذرٍّ رضي الله عنه عليٌ وسعد وابن عبَّاس وابن عمر وعمران بن حصين وسائر الصَّحابة رضي الله عنهم وكذا سائر المسلمين.
قال عمران «تمتَّعنا مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ونزل فيه القرآن فلم ينهنا عنه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولم يفسخها فقال فيها رجلٌ برأيه ما شاء» متَّفق عليه.
وقال سعد بن أبي وقَّاص رضي الله عنه «فعلناها مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» يعني المتعة، فإن قيل روى أبو داود عن سعيد بن المسيَّب أنَّ رجلًا من الصَّحابة أتى عمر رضي الله عنه فشهِدَ عنده أنَّه سمع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ينهى عن المتعة قبل الحجِّ.
فالجواب أنَّه حالةٌ مخالفةٌ للكتاب والسُّنة والإجماع، كحديث أبي ذرٍّ رضي الله عنه، بل هو أدنى حالًا منه، فإنَّ في إسناده مقالًا.
فإن قيل قد نهى عنها عمر وعثمان ومعاوية رضي الله عنهم، فالجواب أنَّهم قالوا قد أنكر عليهم علماء الصَّحابة وخالفوهم في فعلها والحقُّ مع المنكرين عليهم دونهم، والله أعلم.