فهرس الكتاب

الصفحة 2506 من 11127

1591 - (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) المعروف بابن المديني، قال (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هو ابن عُيينة، قال (حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ سَعْدٍ) بن عبد الرَّحمن، يكنى أبا عبد الرَّحمن الخراساني من أهل الحجِّ، يقال إنَّه من العرب سكن مكَّة وانتقل منها إلى اليمن، فسكن في قرية اسمها عَك ومات بها يروى (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم بن شهاب (عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أنَّه (قَالَ يُخَرِّبُ الْكَعْبَةَ) فعل ومفعول وفاعله قوله (ذُو السُّوَيْقَتَيْنِ) تثنية سويقة، مصغَّر السَّاق، وألحق بها التاء في التَّصغير؛ لأنَّ السَّاق مؤنثة، والتَّصغير للتَّحقير، والإشارة إلى الدِّقة؛ لأنَّ في سيقان الحبشة دقَّة وحموشة، والمعنى يخرِّب الكعبةَ ضعيفٌ من هذه الطَّائفة.

(مِنَ الْحَبَشَةِ) كلمة من بيانية، قالوا الحبش جنسٌ من السُّودان، وهم الأَحْبش والحُبْشان، والحبشة ليس بصحيحٍ في القياس؛ لأنَّه لا واحد له على مثال فاعل حتَّى يكون مكسرًا على فَعَلة على ما قالوا والأُحُبوش

ج 7 ص 589

جماعة الحبش، وقيل هم الجماعة أيًّا كانوا؛ لأنَّهم إذا تجمَّعوا اسودَّوا.

وفي «الصحاح» الحبش والحبشة جنسٌ من السُّودان، وقال ابنُ دريد فأمَّا قولهم الحبشة فعلى غير قياس، وقد قالوا حبشان أيضًا، ولا أدري كيف هو.

وقال العينيُّ إنكارهم لفظ الحبشة على هذا الوزن لا وجه له، فإنَّه ورد في لفظ الفصيح بل أفصح النَّاس، هذا، وفيه تأمُّل ظاهر، وقال الرَّشاطي وهم من ولد كوش بن حام، وهم أكثر ملوك السُّودان، وجميع ممالك السُّودان يعطون الطَّاعة للحبش.

وقال أبو حنيفة الدِّينوري كان أولاد حام سبعة أخوة كأولاد سام السند والهند والزنج والقبط والحبش والنوبة وكنعان، فأخذوا ما بين الجنوب والدَّبور والصبا، وروى سفيان بن عيينة أنَّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال (( لا خير في الحبشةِ إن جاعوا سرقوا، وإن شبعوا زنوا، وإنَّ فيهم حسنتين إطعام الطَّعام، والبأس يوم البأس ) ).

وقال ابنُ هشام في «التيجان» أوَّل من جرى لسان الحبشة على لسانه سحلب بن أداد بن ناهس بن سرعان بن كوش بن حام بن نوح عليه السَّلام، ثمَّ تولَّدت من هذا اللِّسان ألسن استخرجت منه، وهذا هو الأصل.

ثمَّ إنَّه قد جاء في تخريب الكعبة أحاديث منها حديث ابن عبَّاس وعائشة رضي الله عنهما بوَّب عليه البخاريُّ بقوله باب هدم الكعبة على ما سيأتي إن شاء الله تعالى [خ¦1595] .

ومنها ما رواه أبو داود الطَّيالسي بسندٍ صحيحٍ «يبايع لرجل بين الرُّكن والمقام، وأوَّل من يستحلُّ هذا البيت أهله، فإذا استحلُّوه فلا تسأل عن هلكة العرب ثمَّ يجيء الحبشة فيخرِّبونه خرابًا لا يعمر بعده وهم الذين يستخرجون كنزه» .

وذكر الحليميُّ أنَّ ذلك يكون في زمن عيسى عليه السَّلام، وأنَّ الصَّريخ يأتيه بأنَّ ذا السُّويقتين قد سار إلى البيت يهدمه فيبعث إليه عيسى عليه السَّلام طائفة بين الثمان إلى التِّسع.

ومنها ما رواه أبو نعيم بسندٍ فيه مجهول «كأنِّي أنظر إلى أُصَيْلع أُفْيَدع أَفْحَج على ظهر الكعبة يهدمها بالكِرْزِنَة» .

ومنها ما رواه أبو داود من حديث عبد الله بن عَمرو رضي الله عنهما عن النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( اتركوا الحبشةَ ما تركوكُم، فإنَّه لا يستخرج كنزُ الكعبة إلَّا ذو السُّويقتين من الحبشة ) ).

ومنها

ج 7 ص 590

ما رواه أحمدُ من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( يخرِّب الكعبةَ ذو السُّويقتين من الحبشة، ويسلبُ حليها ويجرِّدها من كسوتها، وكأني أنظرُ إليه أصيدعْ أُفِيْدع يضرب عليها بمسحاته ومعولهِ ) ).

ومنها ما رواه ابن الجوزيِّ من حديث حذيفة رضي الله عنه، عن النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فذكر حديثًا فيه طول، (( وفيه خراب مكَّة من الحبشة على يد حبشيٍّ أَفْحج السَّاقين أزرق العينين أفطس الأنف كبير البطن معه أصحابه ينقضونها حجرًا حجرًا ويتناولونها حتَّى يرموا بها؛ يعني الكعبة إلى البحر، وخراب المدينة من الجوعِ، وخراب اليمن من الجراد ) ).

وفي كتاب «الغريب» لأبي عُبيد، عن علي رضي الله عنه «استكثروا من الطَّواف بهذا البيت قبل أن يحالَ بينكم وبينه، فكأنِّي برجلٍ من الحبشة أَصْلَع أو أَصْعَل أو أَصْمَع حمش السَّاقين قاعد عليها وهي تهدم» . وأخرجه الحاكم مرفوعًا، وفيه «أَصْمَع أَقْرع بيده معول وهو يهدمها حجرًا حجرًا» ، وذكر الغزاليُّ في «مناسكه» لا تغرب الشَّمس من يومٍ إلَّا ويطوف بهذا البيت رجلٌ من الأبدالِ، ولا يطلع الفجر من ليلةٍ إلَّا طاف به أحدٌ من الأوتاد، وإذا انقطع ذلك كان سبب رفعه من الأرض فيصبح النَّاس، وقد رفعت الكعبة ليس فيها أثر، وهذا إذا أتى عليها سبع سنين لم يحجها أحدٌ ثمَّ يرفع القرآن العظيم من المصاحف، ثمَّ من القلوب، ثمَّ يرجع النَّاس إلى الأشعار والأغاني وأخبار الجاهليَّة، ثمَّ يخرج الدَّجال وينزل عيسى عليه السَّلام.

وفي كتاب «الفتن» لنعيم بن حمَّاد حدَّثنا بقيَّة، عن صفوان، عن شريح، عن كعب «تخرج الحبشة خرجة ينتهون فيها إلى البيت، ثمَّ يفرغ إليهم أهل الشَّام فيجدونهم قد افترشوا الأرض فيقتلونهم في أودية بني عليٍّ، وهي قريبةٌ من المدينة حتَّى إنَّ الحبشيَّ يباع بالشَّملة» .

قال صفوان وحدَّثني أبو اليمان، عن كعب قال «يخرِّبون البيت وليأخذن المقام فيدركون على ذلك فيقتلهم الله تعالى» ، وفيه «ويخرجون بعد يأجوج» ، ومأجوج، وعن عبد الله بن عَمرو رضي الله عنهما «يخرج الحبشة بعد نزول عيسى عليه السَّلام فيبعث عيسى طائفه فيهزمون، وفي رواية «يهدم مرَّتين ويرفع الحجر في المرَّة الثَّالثة» ، وفي رواية «ويرفع في الثَّانية» ،

ج 7 ص 591

ويروى (( فيأتون في ثلاثمائة ألف عليهم أسيس ) ).

قال القرطبيُّ وقيل إنَّ خرابه يكون بعد رفع القرآن من الصُّدور والمصاحف وذلك بعد موت عيسى عليه السَّلام، وهو الصُّحيح فإن قيل قال تعالى {أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آَمِنًا} الآية [العنكبوت 67] وهو يعارض ما ذكر من هذه الأشياء.

فالجواب أنَّهم قالوا لا يلزم من قوله تعالى {حَرَمًا آَمِنًا} أن يكون ذلك دائمًا في كلِّ الأوقات بل إذا حصلت له حرمة، وأمن في وقت ما، صدق عليه هذا اللفظ وصحَّ المعنى، ولا يعارضه ارتفاع ذلك المعنى في وقتٍ آخر.

فإن قيل قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( إنَّ الله أحلَّ لي مكَّة ساعةً من نهار ثمَّ عادت حرمتها إلى يوم القيامة ) )فكيف ذلك؟

فالجواب أنَّ الحكم بالحرمة والأمن لا يرتفع إلى يوم القيامة، أمَّا وقوع الخوف فيها وترك الحرمة فقد وجد من ذلك في أيَّام يزيد وغيره كثيرًا، ومن أعظم ذلك وقعة القرامطة بعد الثَّلاثمائة فقتلوا من المسلمين في المطاف مَن لا يُحْصَى كثرةً، وقلعوا الحجر الأسود فحوَّلوه إلى بلادهم، ثمَّ أعادوه بعد مدَّة طويلةٍ ثمَّ غُزِيَ مرارًا بعد ذلك.

وكلُّ ذلك لا يعارض قوله تعالى {جَعَلْنَا حَرَمًا آَمِنًا} أيضًا؛ إذ ليس في الآية ما يدلُّ على استمرار الأمن المذكور كما عرفت، وقال القاضي عياض معنى قوله {حَرَمًا آَمِنًا} إلى قرب القيامة، وقيل يختصُّ منه ذو السُّويقتين.

وقال ابن الجوزيِّ إن قيل ما السرُّ في حراسة الكعبة من الفيل ولم يمكن أصحابه من تخريب الكعبة ولم تكن إذ ذاك قبلة، ولم تحرس في الإسلام ممَّا صنع بها الحجَّاج والقرامطة وذو السُّويقتين.

فالجواب أنَّ حبس الفيل كان من أعلام النُّبوة لسيدنا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ودلائل رسالته ولتأكيد الحجَّة عليهم بالأدلَّة التي شوهدت بالبصر، وبالأدلَّة التي ترى بالبصائر، وكان حكم الحبس أيضًا دلالة وجود النَّاصر، والله أعلم.

والحديث أخرجه مسلمٌ في الفتن أيضًا، وأخرجه النَّسائي في الحجِّ والتفسير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت