1592 - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ) بضم الموحَّدة وفتح الكاف، أبو زكريَّا المخزومي، قال (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) هو ابن سعد، فقيه مصر (عَنْ عُقَيْلٍ) بضم العين، هو ابن خالد (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزُّهري (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير بن العوام (عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله عنها.
(ح) إشارة إلى التَّحويل (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ) بضم الميم،
ج 7 ص 592
على وزن اسم الفاعل من المقاتلة، أبو الحسن المجاور بمكَّة (قَالَ أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ، هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ، قَالَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حَفْصَةَ) واسمه ميسرة، ضدُّ الميمنة.
(عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم بن شهاب (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله عنها (قَالَتْ كَانُوا) أي المسلمون (يَصُومُونَ) يوم (عَاشُورَاءَ) وهو اليوم العاشر من المحرَّم (قَبْلَ أَنْ يُفْرَضَ) صوم (رَمَضَانُ) وكان فرضًا، فلمَّا نزل فرض رمضان نُسِخَ صوم يوم عاشوراء، وهو ممدودٌ غير منصرفٍ.
وقال أبو علي القالي في كتاب «الممدود أو المقصور» عاشوراء على وزن فاعولاء، ولا نعلم من هذا المثال غيره.
(وَكَانَ) أي يوم عاشوراء (يَوْمًا تُسْتَرُ فِيهِ الْكَعْبَةُ) وكانت تُكْسَى في كلِّ سنةٍ مرَّة يوم عاشوراء، ثمَّ إنَّ معاوية رضي الله عنه كان يكسوها ثلاثًا الدِّيباج الأحمر يوم التَّروية، والقَنَاطي هلال رجب، والدِّيباج الأبيض يوم سبع وعشرين من رمضان.
وذكر محمَّد بن إسحاق في «السير» أنَّ تبعًا أسعد بن زيد، وهو منسوب إلى يعرب بن قحطان، وكان هو وقومه أصحاب أوثان يعبدونها، توجَّه إلى مكَّة حتَّى إذا كان بين عسفان وأمج أتاه نفرٌ من هذيل بن مدركة فقالوا ألا ندلك على بيت مال داثر؟ قال بلى قالوا مكَّة. وإنَّما أراد الهذليُّون بذلك هلاكه لما عرفوا هلاك من أراده من الملوك فقال له حِبران كانا معه إنَّما أراد هؤلاء هلاكك، قال فبماذا تأمراني؟ قالا تصنع عنده ما يصنع أهله تطوف وتنحر وتحلق، ففعل فأقام بمكَّة ستَّة أيَّام ينحر للنَّاس ويطعمهم، فأُري في المنام أن يكسو البيت فكساه الخَصَف، ثمَّ أُري أن يكسوهُ أحسن من ذلك فكساه المغافرَ، ثمَّ أُري أن يكسوهُ أحسن من ذلك فكساهُ المُلاءَ والوَصَائل، وهي ثياب حبرة من عصب اليمن، فكان تبع فيما يزعمون أوَّل من كسى البيت.
وذكر ابن قتيبة أنَّ هذه القصَّة كانت قبل الإسلام بتسعمائة سنةٍ، وفي «معجم الطَّبراني» من حديث أبي لهيعة حدَّثنا أبو زرعة عَمرو سمعت سهل بن سعد رضي الله عنه رفعه (( لا تسبُّوا تبَّعًا فإنَّه قد أسلم ) ).
وفي «مغايص الجوهري في أنساب حمير» كان يدين بزبورٍ. وذكر ابن أبي شيبة في «تاريخه» أوَّل من كساها عدنان بن أدد، وروى الواقديُّ عن إسحاق بن عبد الله، عن أبي جعفرٍ الباقر، قال كساها يزيد بن معاوية الدِّيباج، وزعم الزُّبير أنَّ أوَّل من كساها الدِّيباج خالد بن جعفر بن كلاب أخذ لطمة، ووجد
ج 7 ص 593
فيها أنماطًا فعلَّقها على الكعبة.
وذكر الجاحظ أنَّ أوَّل من علَّقها عبد الله بن الزُّبير، وفي كتاب ابن إسحاق أوَّل من حلاها عبد المطَّلب بن عبد مناف، وعن ليث بن أبي سليم قال كانت كسوة الكعبة على عهد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الأنطاع والمسوح.
وقال ابنُ دحية كساها المهديُّ القَبَاطيَّ والخزَّ والدِّيباج، وطلى جدرانها بالمسك والعنبر من أسفلها إلى أعلاها، وقال ابن بطَّال قال ابن جريج زعم علماؤنا أنَّ أوَّل من كساها إسماعيل عليه السَّلام.
وحكى البلاذريُّ أنَّ أوَّل من كساها الأنطاع عدنان بن أدد.
وروى الواقديُّ عن إبراهيم بن أبي ربيعة قال كُسِيَ البيتُ في الجاهليَّة الأنطاع، ثمَّ كساه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الثِّياب اليمانيَّة، ثمَّ كساه عمر وعثمان رضي الله عنهما القَبَاطِيَّ، ثمَّ كساه الحجَّاج الدِّيباج.
وقال ابن إسحاق بلغني أنَّ البيت لم يُكْسَ في عهد أبي بكرٍ وعمر رضي الله عنهما يعني لم يُجدَّد له كسوة، وقال عبد الرَّزاق عن ابن جريج أخبرت أنَّ عمر رضي الله عنه كان يكسوها القَبَاطِيَّ، وأخبرني غير واحدٍ أنَّ النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كساها القَبَاطِيَّ والحِبَرات، وأبو بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، وأوَّل من كساها الدِّيباج عبد الملك بن مروان، وأنَّ من أدرك ذلك من الفقهاء قالوا أصاب، ما نعلم من كسوةٍ أوفق منه.
وروى أبو عروبة في «الأوائل» له عن الحسن قال أوَّل من ألبس الكعبة القَبَاطيَّ النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وروى الدَّارقطني في «المؤتلف» أنَّ أوَّل من كسى الكعبة الدِّيباج نبيلة والدة عبَّاس بن عبد المطَّلب كانت أضلَّت العبَّاس صغيرًا فنذرت إن وجدته أن تكسوا الكعبة الدِّيباج.
وذكر الزُّبير بن بكَّار أنَّها أضلَّت ضرارًا ابنها فردَّه عليها رجلٌ من جذام فكست الكعبة ثيابًا بياضًا، وهذا محمولٌ على تعدُّد القصَّة وكسيت في أيام الفاطميِّين الدِّيباج الأبيض.
وكساها السُّلطان محمود بن سبكتكين ديباجًا أصفر وكساها النَّاصر العبَّاسي ديباجًا أخضر ثمَّ كساها ديباجًا أسود فاستمرَّ إلى الآن.
ولم تزل الملوك يتداولون كسوتها إلى أن وقف عليها الصَّالح إسماعيل بن النَّاصر في سنة نيف وخمسين وسبعمائة قريةً بضواحي القاهرة، ولم تزل تُكْسَى من هذا الوقف، إلى سلطنة الملك المؤيد شيخ سلطان العصر فكساها من عنده سنةً لضعف وقفها، ثمَّ فوض أمرها إلى بعض أمنائه، وهو القاضي زين الدِّين عبد الباسط، فبالغ في تحسينها بحيث يعجز الواصف عن صفة حسنها وحاول ملك الشَّرق شاه روخ في سلطنة الأشرَف برسباي أن يأذن له في كسوة الكعبة فامتنع، فعاد وأرسل أن يأذن له أن يكسوها من داخلها فقط فأبى، فعاد راسله أن يرسل الكسوة إليه ويرسلها إلى الكعبة ويكسوها ولو يومًا واحدًا واعتذر بأنَّه نذر أن يكسوها، ويريد الوفاء بنذره فاستفتى أهل العصر.
قال الحافظ العسقلانيُّ فتوقفت عن الجواب وأشرت إلى أنَّه إن خشي منه الفتنة أجاب دفعًا للضَّرر، ونزع جماعةٌ إلى عدم الجواز، ولم يستندوا إلى طائلٍ بل إلى موافقة هوى السُّلطان ومات الأشرف على ذلك.
ج 7 ص 594
(فَلَمَّا فَرَضَ اللَّهُ) صوم (رَمَضَانَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ شَاءَ أَنْ يَصُومَهُ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ شَاءَ أَنْ يَتْرُكَهُ فَلْيَتْرُكْهُ) ومطابقة الحديث للتَّرجمة كما تقدَّم أنَّ المشركين كانوا يعظِّمون الكعبة قديمًا بالستور والكسوة ويقومون إليها كما يقوم المسلمون.
وقد بيَّن الله تعالى في الآية المذكورة أنَّه تعالى جعل الكعبة بيتًا حرامًا ومن حرمتها تعظيمها ومن جملة تعظيمها أنَّهم كانوا يكسونها في كلِّ سنةٍ يوم عاشوراء الذي هو من الأيَّام المعظمة، فمن هذه الحيثيَّة حصلت المطابقة بين الآية التي هي التَّرجمة وبين الحديث.
ويستفاد من الحديث أيضًا معرفة الوقت الذي كانت الكعبة تُكْسَى فيه من كلِّ سنة وهو يوم عاشوراء، وكذا ذكر الواقديُّ بإسناده عن أبي جعفرٍ الباقر أنَّ الأمر استمرَّ على ذلك في زمانهم، وقد تغيَّر ذلك بعد فصارت تُكْسى يوم النَّحر وصاروا يعمدون إليه في ذي القعدة فيعلقون كسوته إلى نحو نصفه ثمَّ صاروا يقطعونها فيصير البيت كهيئة المحرم فإذا حلَّ النَّاس يوم النَّحر كسوه الكسوة الجديدة، والله أعلم.
ثمَّ إنَّ شيخ المؤلِّف يحيى واللَّيث مصريَّان وأنَّ عقيلًا أيلي وأنَّ ابن شهاب وعروة مدنيَّان وأنَّ شيخه محمَّد بن مقاتل من أفراده وأنَّه وابن المبارك مروزيَّان وأن محمَّد بن أبي حفصة بصريٌّ، وأنَّه رواه من طريقين.
وقال الإسماعيليُّ جمع البخاريُّ بين رواية عقيل وابن أبي حفصة في المتن، وليس في رواية عقيل ذكر الستر، ثمَّ ساقه بدونه من طريق عقيلٍ وهو كما قال، وعادة البخاريِّ التَّجوز في مثل ذلك، وقيل أراد من حديث عقيل التَّصريح بسماع ابن شهابٍ من عروة، وقد روى الفاكهيُّ من طريق ابن أبي حفصة وصرَّح بسماع الزُّهري له من عروة.
تتمة قد تحصَّل ممَّا ذكر آنفًا أنَّ في أوَّل من كساها مطلقًا ثلاثة أقوال إسماعيل وعدنان وتبَّع، ويجمع بينها بأنَّ إسماعيل أوَّل من كساها مطلقًا، وأمَّا تبع فأوَّل من كساها ما ذُكر، وأمَّا عدنان فلعلَّه أوَّل من كساها بعد إسماعيل عليه السَّلام.
وإنَّ في أوَّل من كساها الدِّيباج ستَّة أقوالٍ خالد أو نبيلة أو معاوية أو يزيد أو ابن الزُّبير أو الحجَّاج، ويجمع بينها بأنَّ كسوة خالدٍ ونبيلة لم تشملها كلَّها وإنَّما كان فيما كسياها بشيءٍ من الدِّيباج.
وأمَّا معاوية فلعلَّه كساها في آخر خلافته فصادف ذلك خلافة ابنه يزيد، وأمَّا ابن الزُّبير فكأنَّه كساها ذلك بعد تجديد عمارتها، فأوَّلِيتُه بذلك الاعتبار لكن لم يداوم على كسوتها الدِّيباج، فلمَّا كساها الحجَّاج
ج 7 ص 595
بأمر عبد الملك استمرَّ ذلك، فكأنَّه أوَّل من داوم على كسوتها الدِّيباج في كلِّ سنةٍ.
وقول ابن جريج أوَّل من كساها ذلك عبد الملك، يوافق القول الأخير، فإنَّ الحجَّاج إنَّما كساها بأمر عبد الملك، والله أعلم.