1594 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ) أبو محمَّد الحجبي، قال (حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ) بالمثلثة، وقد مرَّ في باب فضل استقبال القبلة [خ¦393] ، قال (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هو الثَّوري في الطَّريقين، وإنَّما قدَّم الأولى مع نزولها لما ستعرف للتَّصريح بالتَّحديث فيها، وأمَّا ابن عيينة فلم يسمعه من واصل، بل رواه عن الثَّوري عنه، أخرجه ابن خزيمة من طريقه، قال (حَدَّثَنَا وَاصِلٌ الأَحْدَبُ) ضدُّ الأقعس الأسديُّ، وقد مرَّ في كتاب الإيمان [خ¦30] (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيق بن سلمة.
(قَالَ جِئْتُ إِلَى شَيْبَةَ) هو ابن عثمان بن طلحة بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الله بن عبد الدَّار بن قصي الحَجَبي، بالحاء المهملة والجيم المفتوحتين، نسبة إلى حجب الكعبة، العبدري، أسلم يوم الفتح، وأعطى النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ له ولابن عمِّه عثمان بن طلحة مفتاح الكعبة، وقال (( خذوها يا بني أبي طلحة خالدة تالدةً إلى يوم القيامة لا يأخذها منكم إلَّا ظالم ) )وهي الآن في يد بني شيبة، مات سنة تسع وخمسين.
(ح) إشارة إلى التَّحويل (وَحَدَّثَنَا قَبِيصَةُ) بفتح القاف وكسر الموحَّدة وبالصاد المهملة، هو ابن عقبة أبو عامر السوائي، قال (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوري (عَنْ وَاصِلٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ جَلَسْتُ مَعَ شَيْبَةَ عَلَى الْكُرْسِيِّ) واحد الكراسي، وربَّما قالوا كِرسي، بكسر الكاف.
قال الجوهريُّ وقال الزَّمخشري الكرسيُّ ما يجلس عليه، ولا يفضل عن القاعد وليست الياء فيه للنسبة، وإنَّما هو موضوع على هيئة النِّسبة كبختيٍّ وبرديٍّ.
وفي رواية عبد الرَّحمن بن محمَّد المحاربي
ج 7 ص 597
عن الشَّيباني عند ابن ماجه والطَّبراني بهذا السَّند بعث معي رجل بدراهم هديَّة إلى البيت، فدخلت البيت وشيبة جالسٌ على كرسيٍّ، فناولته إيَّاها، فقال لك هذه؟ فقلت لا ولو كانت لي لم آتك بها، قال أما إن قلت ذلك فقد جلس عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه مجلسك الذي أنت فيه. فذكره.
(فِي الْكَعْبَةِ فَقَالَ لَقَدْ جَلَسَ هَذَا الْمَجْلِسَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فَقَالَ لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ لاَ أَدَعَ) أي لا أترك (فِيهَا) أي في الكعبة (صَفْرَاءَ وَلاَ بَيْضَاءَ) أي ذهبًا ولا فضَّة، قال القرطبيُّ غلط من ظنَّ أنَّ المراد بذلك حلية الكعبة، وإنَّما أراد الكنز الذي بها وهو ما كان يهدى إليها فيدَّخر ما يزيد عن الحاجة، وأمَّا الحلي فمحبسة عليها كالقناديل فلا يجوز صرفها في غيرها.
وقال ابن الجوزيِّ كانوا في الجاهليَّة يهدون إلى الكعبة المال تعظيمًا لها فيجتمع فيها.
(إِلاَّ قَسَمْتُهُ) أي المال، فتذكِير الضَّمير بهذا الاعتبار، وفي رواية عمر بن شبة في كتاب (( مكَّة ) )عن قبيصة شيخ البخاريِّ فيه (( إلَّا قسمتها ) )، وفي رواية عبد الرَّحمن بن مهدي عن سفيان عند البخاريِّ في الاعتصام [خ¦7275] (( إلَّا قسمتها بين المسلمين ) )، وعند الإسماعيليِّ من هذا الوجه (( لا أخرج حتَّى أقسم مال الكعبة بين فقراء المسلمين ) ).
(قُلْتُ) القائل هو شيبة (إِنَّ صَاحِبَيْكَ) أراد بهما النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأبا بكر رضي الله عنه (لَمْ يَفْعَلاَ) وفي رواية عبد الرَّحمن بن مهدي (( قلت ما أنت بفاعل؟ قال لم، قلت لم يفعله صاحباك ) )، وفي رواية الإسماعيليِّ من هذا الوجه (( قال ولم ذلك؟ قلت لأنَّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد رأى مكانه وأبو بكرٍ رضي الله عنه وهما أحوج منك إلى المال فلم يحرِّكاه ) ).
(قَالَ) أي عمر رضي الله عنه (هُمَا) أي النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأبو بكر رضي الله عنه (الْمَرْآنِ) تثنية مَرْء، بفتح الميم ويجوز ضمها والراء ساكنة، على كلِّ حالٍ بعدها همزة؛ أي الرَّجلان الكاملان في المروءة (أَقْتَدِي بِهِمَا) فلا أفعل ما لم يفعلا ولا أتعرَّض لما لم يتعرضا، وفي رواية عمر بن شبة بتكرير قوله (( هما المرآن أقتدي بهما ) )، وفي رواية ابن مهدي في الاعتصام (( يُقْتَدَى بهما ) )على البناء للمفعول.
وفي رواية الإسماعيليِّ (( فقام كما هو وخرج ودار، نحو هذه القصَّة بين عمر وأبي بن كعب رضي الله عنهما ) )أخرجه عبد الرَّزاق وعمر بن شبة من طريق الحسن
ج 7 ص 598
أنَّ عمر رضي الله عنه أراد أن يأخذَ كنز الكعبة فينفقه في سبيل الله، فقال له أبيُّ بن كعب رضي الله عنه قد سبقك صاحباك فلو كان فضلًا لفعلاه، وفي لفظ فقال له أبي بن كعب والله ما ذاك لك؟ قال ولم، قال أقرَّه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
قال ابن بطَّال أراد عمر لكثرته إنفاقه في منافع المسلمين، ثمَّ لما ذكر بأنَّ النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يتعرَّض له أمسك، وإنَّما تركا ذلك، والله أعلم، لأنَّ ما جعل في الكعبة وسبل لها يجري مجرى الأوقاف، فلا يجوز تغييره عن وجهه وفي ذلك تعظيم الإسلام وترهيب للعدوِّ. انتهى.
وقال الحافظ العسقلانيُّ أمَّا التَّعليل الأول فليس بظاهر من الحديث، بل يحتمل أن يكون تركه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لذلك رعاية لقلوب قريش كما ترك بناء الكعبة على قواعد إبراهيم. ويؤيِّده ما وقع عند مسلمٍ في بعض طرق عائشة رضي الله عنها في بناء الكعبة (( لأنفقت كنز الكعبة ) )ولفظه (( لولا أنَّ قومك حديثو عهدٍ بكفرٍ لأنفقت كنز الكعبة في سبيل الله تعالى ولجعلت بابها بالأرض ) )الحديث، فهذا التَّعليل هو المعتمد.
وحكى الفاكهيُّ في كتاب «مكَّة» أنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وجد فيها يوم الفتح ستِّين أوقية فقيل له لو استعنت بها على حربك فلم يحركه، وعلى هذا، فإنفاقه جائزٌ كما جاز لابن الزُّبير بناؤها على قواعد إبراهيم لزوال سبب الامتناع ولولا قوله في الحديث (( في سبيل الله ) )لأمكن أن يحمل الإنفاق على ما يتعلَّق بها فيرجع إلى أنَّ حكمه حكم التَّحبيس. ويمكن أن يحمل قوله (( في سبيل الله ) )على ذلك؛ لأنَّ عمارة الكعبة يصدق عليه أنَّه في سبيل الله.
وفي الحديث التَّنبيه على مشروعيَّة الكسوة. وفيه ما يدلُّ عليه قول عمر رضي الله عنه أنَّ صرف المال في الفقراء والمساكين آكد من صرفه في كسوة الكعبة إلَّا أنَّ الكسوة في هذه الأمة أهمُّ؛ لأنَّ الأمور المتقادمة يتأكَّد حرمتها في النُّفوس، وقد صار ترك الكسوة في العرف غضًّا في الإسلام وإضعافًا لقلوب المسلمين.
وفي «شرح التهذيب» قال صاحب «التلخيص» لا يجوز بيع أستار الكعبة المشرَّفة، وكذا قال أبو الفضل بن عدلان لا يجوز قطع أستارها ولا قطع شيءٍ من ذلك، ولا يجوز نقله ولا بيعه ولا شراؤه، قال ومن عمل شيئًا من ذلك كما يفعله العامَّة يشترونه من بني شيبة لزمه
ج 7 ص 599
ردَّه ووافقه على ذلك الرَّافعي.
وقال ابن الصَّلاح الأمر فيها إلى الإمام يصرفه مصارف بيت المال بيعًا وعطاء، واحتجَّ بما ذكره الأزرقيُّ أنَّ عمر رضي الله عنه «كان ينزع كسوة البيت كلَّ سنةٍ فيقسمها على الحاجِّ» .
وعند الأزرقيِّ عن ابن عبَّاس وعائشة رضي الله عنهم أنَّهما قالا «لا بأس أن يلبس كسوتها من صارت إليه من حائض وجنب وغيرهما» . وكذا ابن أبي شيبة، عن ابن أبي ليلى و «سئل عن رجلٍ سرق من الكعبة فقال ليس عليه قطع» .
ويقال الظَّاهر جواز قسمة الكسوة العتيقة إذ بقاؤها تعريض لفسادها ولا جمال في كسوة عتيقة مطوية؛ بخلاف النَّقدين، ثمَّ إنَّه قال الإسماعيليُّ ليس في حديث الباب لكسوة الكعبة ذكر، يعني فلا يطابق التَّرجمة، وأجيب عنه من وجوه
الأوَّل ما قاله ابن بطَّال من أنَّه معلوم أنَّ الملوك في كلِّ زمان كانوا يتفاخرون بكسوة الكعبة برفيع الثِّياب المنسوج بالذَّهب وغيره، كما يتفاخرون بتسبيل الأموال لها، فأراد البخاريُّ أنَّ عمر رضي الله عنه لما رأى قسمة الذَّهب والفضَّة صوابًا كان حكم الكسوة حكم المال يجوز قسمتها، بل ما فضل من كسوتها أولى بالقسمة.
الثَّاني ما قاله ابن المنيِّر في «الحاشية» إنَّه يحتمل أن يكون مقصود البخاريِّ التَّنبيه على أنَّ كسوة الكعبة مشروع، والحجَّة فيه أنَّها لم تزل تقصد بالمال يوضع فيها على معنى الزِّينة إعظامًا لها فالكسوة من هذا القبيل.
الثَّالث ما قاله أيضًا من أنَّه يحتمل أن يكون أراد ما في بعض طرق الحديث كعادته، ويكون هناك طريق موافقة للتَّرجمة وتركه إيَّاها إمَّا لخلل شرطها وإمَّا ليتحرَّى النَّاظر في ذلك.
الرَّابع ما أشار إليه أيضًا أنَّه يحتمل أن يكون أخذه من قول عمر رضي الله عنه «لا أخرج حتَّى أقسم مال الكعبة» ، والمال يطلق على كلِّ ما يتموَّل به فتدخل فيه الكسوة، وقد ثبت في الحديث «ليس لك من مالك إلَّا ما لبست فأبليت» .
الخامس أنَّه لعلَّ الكعبة كانت مكسوَّة وقت جلوس عمر رضي الله عنه فحيث لم ينكره، وقرَّرها دلَّ على جوازها، والتَّرجمة يُحتمل أن يقال فيها باب في مشروعيَّة الكسوة.
السَّادس أنَّه يحتمل أن يكون الحديث مختصرًا طوى فيه ذكر الكسوة، فليتأمل.
قال الحافظ العسقلانيُّ ولم أر في شيءٍ
ج 7 ص 600
من طرق حديث شيبة هذا ما يتعلَّق بالكسوة إلَّا أنَّ الفاكهيَّ روى في كتاب «مكَّة» من طريق علقمة بن أبي علقمة، عن أمِّه، عن عائشة رضي الله عنها قالت «دخل عليَّ شيبة الحَجَبي فقال يا أمَّ المؤمنين، إنَّ ثياب الكعبة تجتمع عندنا فتكثر فننزعها ونحفر بئارًا فنعمقها فندفنها لكي لا تلبسها الحائض والجنب قالت بئسما صنعت، ولكن بعها فاجعل ثمنها في سبيل الله وفي المساكين، فإنَّها إذا نزعت عنها لم يضرَّ من لبسها من حائضٍ وجنب، فكان شيبة يبعث بها إلى اليمن فتباع له فيضعها حيث أَمَرتَه» .
وأخرجه البيهقيُّ من هذا الوجه لكن في إسناده راوٍ ضعيف، وإسناد الفاكهيِّ سالم منه، وأخرج الفاكهيُّ أيضًا من طريق ابن خيثم حدَّثني رجلٌ من بني شيبة قال «رأيت شيبة بن عثمان يقسم ما سقط من كسوة الكعبة على المساكين» .
ومن طريق ابن أبي نجيح عن أبيه «أنَّ عمر رضي الله عنه كان ينزع كسوة البيت كلَّ سنةٍ فيقسمها على الحاجِّ» ، فلعلَّ البخاريَّ أشار إلى شيءٍ من ذلك.
ورجال إسناد الحديث كوفيُّون، وشيخه في الطَّريق الأوَّل من أفراده، وجعل الحميديُّ وأبو مسعودٍ الدِّمشقي الحديث من مسند شيبة، وتبعهما الطَّبراني والمزي، وذكره غيرهم في مسند عمر رضي الله عنه، وقد أخرج متنه المؤلِّف في الاعتصام أيضًا [خ¦7275] وأخرجه أبو داود وابن ماجه في الحجِّ أيضًا.