1598 - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ)
ج 8 ص 8
قال (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) هو ابن سعد (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهري (عَنْ سَالِمٍ) أي ابن عبد الله بن عمر (عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عمر رضي الله عنهما (أَنَّهُ قَالَ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْبَيْتَ) أي الكعبة، وكان ذلك عام الفتح كما جاء في رواية يونس بن يزيد، عن نافع عند المؤلِّف في كتاب الجهاد [خ¦2988] بزيادة فوائد، ولفظه (( أقبل النَّبي صلى الله عليه وسلم يوم الفتح من أعلى مكَّة على راحلته ) )، وفي رواية فُلَيْحٍ، عن نافع في المغازي [خ¦4400] (( وهو مردف أسامة، يعني ابنَ زيد، على القصواء ) ). ثمَّ اتَّفَقا (( ومعه بلال وعثمان بن طلحة حتَّى أناخ في المسجد _وفي رواية فليح عند البيت_ وقال لعثمان ائتنا بالمفتاح فجاءه بالمفتاح ففتح له الباب فدخل ) ).
وفي رواية مسلم وعبد الرَّزَّاق من رواية أيُّوب، عن نافع (( ثمَّ دعا عثمان بن طلحة بالمفتاح، فذهب إلى أمِّه فأبت أن تعطيه فقال والله لتعطينه أو لأخرجنَّ هذا السَّيف من صلبي، فلمَّا رأت ذلك أعطته فجاء به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ففتح الباب ) ). وظهر من رواية فُلَيْح أنَّ فاعل (فتح) هو عثمان المذكور.
لكن روى الفَاكِهِيُّ من طريق ضَعيفٍ عن ابن عمر رضي الله عنهما قال (( كان بنو أبي طلحة يزعمون أنَّه لا يستطيع أحد فتح الكعبة غيرهم، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم المفتاح ففتحها بيده ) ).
وعثمان المذكور هو عثمان بن طلحة بن أبي طلحة بن عبد العزَّى بن عبد الدَّار بن قُصي بن كلاب، ويقال له الحَجَبي، بفتح الحاء المهملة والجيم، ولآل بيته الحَجَبة؛ لِحَجْبِهم الكعبةَ، ويُعرفون الآن بالشَّيْبيِّين؛ نسبةً إلى شَيبة بن عثمان بن أبي طلحة، وهو ابن عمِّ عثمان هذا لا ولده، وله أيضًا صحبة ورواية، واسم أمِّ عثمان المذكور سُلافَة، بضم السين المهملة وتخفيف اللام وبالفاء.
(هُوَ) ضمير الفصل يرجع إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم أتى به للتأكيد (وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ وَبِلاَلٌ وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ) ذكر هؤلاء الثَّلاثة أنَّهم دخلوا البيت مع النَّبي صلى الله عليه وسلم، وفي رواية مسلمٍ من طريقٍ آخر (( ولم يدخلها معهم أحد ) ).
وفي رواية النَّسائي من طريق ابن عون، عن نافع (( ومعه الفضل بن عبَّاس وأسامة. .. ) )إلخ فيكونون أربعة، وفي رواية أحمد من حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما (( حدَّثني أخي الفضل، وكان معه
ج 8 ص 9
حين دخلها، أنَّه لم يصلِّ في الكعبة )) ، وسيأتي البحث فيه إن شاء الله تعالى.
(فَأَغْلَقُوا عَلَيْهِمْ البَابَ) وفي رواية حسَّان بن عطيَّة، عن نافع، عند أبي عوانة (( من داخل ) )، وزاد يونس (( فمكث نهارًا طويلًا ) )، وفي رواة فليح (( زمانًا ) )بدل نهارًا، وفي رواية جويرية، عن نافع التي مضت في أوائل الصَّلاة في باب الصَّلاة بين السَّواري [خ¦504] (( فأطال ) ).
وفي رواية مسلم من رواية ابن عون، عن نافع (( فمكث فيها مليًا ) )، وله من رواية عبيد الله، عن نافع (( فأجافوا عليهم الباب طويلًا ) )، ومن رواية أيُّوب، عن نافع (( فمكث فيها ساعة ) )، وفي رواية النَّسائي من طريق ابن أبي مليكة (( فوجدت شيئًا فذهبت، ثمَّ جئت سريعًا فوجدت النَّبي صلى الله عليه وسلم خارجًا منها ) )، ووقع في «الموطَّأ» (( فأغلقاها عليه ) )والضَّمير لعثمان وبلال رضي الله عنهما.
ووقع في رواية مسلم من طريق ابن عون، عن نافع (( فأجاف عليهم عثمان الباب ) )والجمع بينهما أنَّ عثمان كان هو المباشر لذلك؛ لأنَّه من وظيفته، ولعلَّ بلالًا ساعده في ذلك، فأضيف إليه أيضًا؛ لكونه مساعدًا له، وروايةُ الجميع يدخل فيها الأمر بذلك والرِّضا به، والله أعلم.
(فَلَمَّا فَتَحُوا كُنْتُ أَوَّلَ مَنْ وَلَجَ) أي دخل، من الولوج وهو الدُّخول، وفي رواية فليح (( ثمَّ خرج فابتدر النَّاس الدُّخول فسبقتهم ) )، وفي رواية أيُّوب (( وكنت رجلًا شابًّا قويًّا فبَادَرْتُ النَّاسَ فبَدَرْتُهُم ) ).
وفي رواية جويرية (( كنت أوَّل النَّاس ولج على إثره ) )وفي رواية ابن عون (( فرقيت الدرجة فدخلت البيت ) )وفي رواية مجاهد التي مضت في أوائل الصَّلاة [خ¦397] عن ابن عمر رضي الله عنهما (( وأَجِدُ بلالًا قائمًا بين البابين ) )وذكر الأزرقي في كتاب «مكَّة» أنَّ خالد بن الوليد رضي الله عنه كان على الباب يذبُّ عنه النَّاس، وكأنَّه جاء بعدما دخل النَّبي صلى الله عليه وسلم وأغلق.
(فَلَقِيتُ بِلالًا) رضي الله عنه (فَسَأَلْتُهُ هَلْ صَلَّى فِيْهِ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وفي رواية مالك، عن نافع التي مضت في باب الصَّلاة بين السَّواري، في أوائل الصَّلاة [خ¦505] (( فسألت بلالًا حين خرج ما صنع النَّبي صلى الله عليه وسلم ) )، وفي رواية جويرية ويونس وجمهور أصحاب نافع (( فسألت بلالًا
ج 8 ص 10
أين صلَّى )) اختصروا أوَّل السُّؤال.
وثبت في رواية سالم المذكورة في حديث الباب قال (( هل صلَّى فيه؟ قال نعم ) )، وكذا في رواية مجاهد وابن أبي مليكة، عن ابن عمر رضي الله عنهما فقلت (( أصلَّى النَّبي صلى الله عليه وسلم في الكعبة؟ قال نعم ) )، فظهر أنَّه استثبت أوَّلًا هل صلَّى أو لا، ثمَّ سأل عن موضع صلاته من البيت.
ووقع في رواية يونس، عن ابن شهاب عند مسلم (( فأخبرني بلال أو عثمان بن طلحة ) )على الشكِّ، والمحفوظ أنَّه سأل بلالًا، كما في رواية الجمهور. ووقع عند أبي عوانة من طريق العلاء بن عبد الرَّحمن، عن ابن عمر رضي الله عنهما (( أنَّه سأل بلالًا ) )، كما في رواية الجمهور.
ووقع عند أبي عوانة من طريق العلاء بن عبد الرَّحمن، عن ابن عمر رضي الله عنهما (( أنَّه سأل بلالًا وأسامة بن زيد حين خرجا أين صلَّى النَّبي صلى الله عليه وسلم فيه فقالا على جهته ) ). وكذا أخرجه البزَّار نحوه، وفي رواية أحمد والطَّبراني من طريق أبي الشَّعثاء عن ابن عمر رضي الله عنهما قال (( أخبرني أسامة أنَّه صلَّى فيه هاهنا ) ).
وفي رواية مسلم والطَّبراني من وجه آخر (( فقلت أين صلَّى النَّبي صلى الله عليه وسلم؟ فقالوا ) )، فإن كان محفوظًا حُمِلَ على أنَّه ابتَدأ بلالًا بالسُّؤال، كما تقدَّم تفصيله، ثمَّ أراد زيادة الاستثبات في مكان الصَّلاة فسأل عثمان وأسامة أيضًا، ويؤيِّد ذلك قوله في رواية ابن عون عند مسلم (( ونسيت أن أسألهم كم صلَّى ) )بصيغة الجمع.
وهذا أولى من جزم القاضي عياض بوهم الرِّوايات التي هي غير رواية الجمهور، وكأنَّه لم يقف على بقيَّة الرِّوايات، فإن قيل كيف تصح الرِّواية بأنَّ أسامة أخبره أنه صلَّى فيه، وقد أخرج مسلم من حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما أنَّ أسامة بن زيد رضي الله عنهما أخبره أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم لم يصلِّ فيه، ولكنَّه كبَّر في نواحيه.
فالجواب أنَّه لا تعارض فإنَّه يمكن الجمع بينهما بأنَّ أسامة رضي الله عنه حيث أثبتها اعتمد في ذلك على غيره، وحيث نفاها أراد ما في علمه لكونه لم يره صلى الله عليه وسلم حين صلَّى. ويحتمل أن يكون أسامة غاب عنه بعد دخوله لحاجة فلم يشهد صلاته، وبه أجاب المحبُّ الطَّبري.
ويدلُّ عليه ما رواه ابن المنذر من حديث أسامة (( أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم رأى صورًا في الكعبة فكنت آتيه بماء في الدَّلوْ يَضْرِبُ به الصور ) )، فقد أخبر أسامة أنَّه كان يخرج لنقل الماء، وكان ذلك كلُّه يوم الفتح.
وقال ابن حبَّان الأشبه عندي أن يحمل الخبران على دخولين متغايرين أحدهما يوم الفتح
ج 8 ص 11
وصلَّى فيه، والآخر في حجَّة الوداع ولم يصل فيه، من غير أن يكون بينهما تعارض، وسيأتي في ذلك تفصيل إن شاء الله تعالى [خ¦1601] .
(قَالَ نَعَمْ بَيْنَ العَمُودَيْنِ اليَمَانِيَيْنِ) بتخفيف الياء؛ لأنَّهم جعلوا الألف بدل إحدى يائي النِّسبة وجوَّز سيبويه التشديد، وفي رواية جويرية (( بين العمودين المقدمين ) ).
وفي رواية مالك عن نافع (( جعل عمودًا عن يمينه وعمودًا عن يساره ) )وفي رواية عنه (( عمودين عن يمينه ) )ووقع في رواية فليح الآتية إن شاء الله تعالى في المغازي [خ¦4400] (( بين ذينك العَمودين المُقَدَّمين، وكان البيت على ستَّة أعمدة سطرين صلَّى بين العمودين من السَّطر المقدم وجعل باب البيت خلف ظهره ) ). وقال في آخر روايته (( وعند المكان الذي صلَّى فيه مرمرة حمراء ) ).
وكلُّ هذا إخبار عمَّا كان عليه البيت قبل أن يهدم ويبنى في زمن ابن الزُّبير رضي الله عنهما، فأمَّا الآن فقد بيَّن موسى بن عقبة في روايته عن نافع كما في الباب الذي يليه أنَّ بين موقفه صلى الله عليه وسلم وبين الجدار الذي استقبله قريبًا من ثلاثة أذرع.
وجزم برفع هذه الزِّيادة مالكٌ، عن نافع، فيما أخرجه أبو داود من طريق عبد الرَّحمن بن مهدي، والدَّارقطني في «الغرائب» من طريقه، وطريق عبد الله بن وهب وغيرهما عنه، ولفظه (( وصلَّى وبينه وبين القبلة ثلاثة أذرع ) ). وكذا أخرجها أبو عوانة من طريق هشام بن سعد، عن نافع، وهذا فيه الجزم بثلاثة أذرع. لكن رواه النَّسائي من طريق ابن القاسم عن مالك بلفظ نحو من ثلاثة أذرع، وهي موافقة لرواية موسى بن عقبة.
وفي كتاب «مكَّة» للأزرقي من وجه آخر (( أنَّ معاوية رضي الله عنه سأل ابن عمر رضي الله عنهما أين صلَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال اجعل بينك وبين الجدار ذراعين أو ثلاثة ) ).
فعلى هذا، ينبغي لمن أراد الاتباع في ذلك أن يجعل بينه وبين الجدار ثلاثة أذرع [1] سواء، أو تقع ركبتاه أو يداه ووجهه إن كان أقل من ثلاثة، والله أعلم، وفي هذا الحديث من الفوائد
رواية الصَّاحب عن الصَّاحب، وسؤال المفضول مع وجود الأفضل والاكتفاء به والاحتجاج بخبر الواحد. لا يقال هو أيضًا خبرُ واحدٍ، فكيف يُحْتَجُّ للشَّيء بنفسه؛ لأنَّه يقال هو فرد انضمَّ
ج 8 ص 12
إلى نظائره، فأوجب العلم. وفيه اختصاص السَّابق بالبقعة الفاضلة، وفيه السُّؤال عن العلم والحرص فيه، وفضيلة ابن عمر رضي الله عنهما لشدَّة حرصه على تتبُّع آثار النَّبي صلى الله عليه وسلم ليَعْمَل بها. وفيه أنَّ الفاضل من الصَّحابة قد كان يغيب عن النَّبي صلَّى الله في بعض المشاهد الفاضلة ويحضره من هو دونه فيطَّلع على ما لم يطَّلع عليه؛ لأنَّ أبا بكر وعمر وغيرهما رضي الله عنهم ممَّن هو أفضل من بلال وممَّن ذُكِرَ معه، لم يشاركوهم في ذلك.
وفيه أيضًا مشروعيَّة الأبوابِ والغَلْقِ للمساجد، وفيه مشروعيَّة دخول البيت لدخوله صلى الله عليه وسلم ومَن معه. وقد روى ابن خزيمة والبيهقي عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما مرفوعًا (( مَنْ دَخَل البيت دخل في جنَّة وخرج مغفورًا له ) ). قال البيهقيُّ تفرد به عبد الله بن المُؤَمّل، وهو ضعيف، ورواه ابن أبي شيبة في «مصنَّفه» وجعله من قول مجاهد، ومحلُّ استحبابه ما لم يؤذ أحدًا بدخوله. وروى ابن أبي شيبة من قول ابن عبَّاس رضي الله عنهما (( إنَّ دخول البيت ليس من الحجِّ في شيء ) )، وحكى القرطبي عن بعض العلماء أنَّ دخول البيت من مناسك الحجِّ. وردَّه بأنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم إنَّما دَخَلَهُ عام الفتح ولم يكن حينئذٍ محرمًا.
وأمَّا ما رواه أبو داود والتِّرمذي وصحَّحه هو وابن خزيمة والحاكم عن عائشة رضي الله عنها أنَّه صلى الله عليه وسلم خرج من عندها وهو قرير العين، ثمَّ رجع وهو كئيب قالت فقلت يا رسول الله! خرجت من عندي وأنت قرير العين طيِّب النَّفس فما بالك؟ فقال (( إنِّي دخلت الكعبة ووددت أنِّي لم أكن فعلته، إنِّي أخاف أن أكون قد أتعبت أمَّتي من بعدي، أو قال شققت على أمَّتي ) )، فقد يتمسَّك به لصاحب القول المحكي من أنَّ دخول البيت من مناسك الحجِّ لكون عائشة رضي الله عنها لم تكن معه في الفتح ولا في عمرته، بل سيأتي إن شاء الله تعالى بعد بابين أنَّه لم يدخل الكعبة في عمرته [خ¦1600] ، فتعيَّن أنَّ القصَّة كانت في حجَّته.
وقال البيهقيُّ وهذا الدُّخول في حجَّته، ولا يخالفه حديثُ ابن أبي أوفى أنَّه لم يدخل؛ لأنَّ حديثهَ في العمرة على ما رواه مسلم من حديثه (( أنَّه سئل أدخل النَّبي صلى الله عليه وسلم في عمرته البيت؟ فقال لا ) )، وإنَّما لم يدخل في عمرته لما كان في البيت من الأصنام والصُّور، كما سيأتي إن شاء الله تعالى، وكان إذ ذاك لا يتمكَّن من إزالتها بخلاف عام الفتح.
ويحتمل أن يكون صلى الله عليه وسلم قال ذلك
ج 8 ص 13
لعائشة رضي الله عنها بالمدينة بعد رجوعه، فليس في السِّياق ما يمنع ذلك، وسيأتي إن شاء الله تعالى النَّقل عن جماعة من أهل العلم أنَّه لم يدخل الكعبة في حجَّته فسقط التمسُّك به.
وفي «شرح المهذَّب» يستحبُّ دخول الكعبة والصَّلاة فيها، وأقلُّ ما يصلِّي ركعتان، وزاد في المناسك (( حافيًا ) )قيل ويستحب للدَّاخل أن لا يرفع بصره إلى السَّقف، قالت عائشة رضي الله عنها (( عجبًا للمرء المسلم إذا دخل الكعبة كيف يرفع بصره قِبَلَ السَّقْف يَدَعُ ذلك إجلالًا لله وإعظامًا له؛ دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم الكعبة ما خلف بصره موضع سجوده حتَّى خرج منها ) )، قال الحاكم صحيح على شرطهما، وقال ابن أبي حاتم هذا حديث منكر، والله أعلم.
وفيه استحباب الصَّلاة في الكعبة، وممَّا يرجَّح به إثباتُ صلاتِه صلى الله عليه وسلم في البيت كثرةُ رواته، فالذين أثبتوها بلال وعمر بن الخطَّاب وعثمان بن طلحة وشيبة بن عثمان، والذين نفوها أسامة والفضل بن عبَّاس وعبد الله بن عبَّاس رضي الله عنهم.
أمَّا الفضل فليس في الصَّحيح أنَّه دخل معهم، وأمَّا ابن عبَّاس فإنَّه أخبر عن أخيه الفضل ولم يدخلْ مع النَّبي صلى الله عليه وسلم البيتَ، على أنَّ القاعدة تقديم المُثْبِت على النَّافي.
ثمَّ إنَّ الجواز ظاهر في النَّفل ويلتحِقُ به الفرض، إذ لا فرق بينهما في مسألة الاستقبال للمقيم، وهو قول الجمهور. وعن ابن عبَّاس رضي الله عنهما (( لا تصحُّ الصَّلاة داخلها مطلقًا ) )، وعلَّله بأنه يلزم من ذلك استدبارُ بعضِها، وقد ورد الأمر باستقبالها فيحمل على استقبال جميعها.
وقال به بعض المالكيَّة والظَّاهرية، وكذا ابن جرير الطَّبري كما مرَّ في أوَّل الباب. وقال المازريُّ المشهور في المذهب منْعُ صلاةِ الفرض داخلها ووجوب الإعادة، وعن ابن عبد الحكم الإجزاء. وصحَّحه ابن عبد البر وابن العربي. وعن ابن حبيب يعيد أبدًا. وعن أصبغ إن كان متعمِّدًا.
وأطلق التِّرمذي عن مالك جواز النَّوافل، وقيَّده بعض أصحابه بغير الرواتب وما يُشْرَعُ فيه الجماعة، وفي «شرح العمدة» لابن دقيق العيد كره مالك الفرض أو منعه، فكأنَّه أشار إلى اختلاف النقل عنه في ذلك، ويلتحق في هذه المسألة الصَّلاة في الحِجْر. نعم، إذا استدبر الكعبة واستقبلَ الحِجْرَ لم يصحَّ على القول بأن تلك الجهة
ج 8 ص 14
منه ليست من الكعبة.
ومن المشكل ما نقله النَّووي في «زوائد الرَّوضة» عن الأصحاب الشَّافعية أنَّ صلاة الفرض داخل الكعبة إن لمْ يَرْجُ جماعةً أفضلُ منها خَارِجَهَا، وَوَجَّه الإشكال أنَّ الصَّلاة خارجها متَّفق على صحَّتها بين العلماء، بخلاف داخلها، فكيف يكون المُخْتَلَفُ في صحَّته أفضل من المُتَّفَق.
وممَّا يستفاد من الحديث أيضًا أنَّ السِّترة إنَّما تُشْرع حيث يُخْشى المرور؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم صلَّى بين العمودين ولم يصل إلى أحدهما، والذي يظهر أنَّ ترك ذلك للاكتفاء بالقرب من الجدار، كما تقدَّم، إن كان بين مصلَّاه والجدار نحو ثلاثة أذرع، وبه ترجم له النَّسائي، على أنَّ حَدَّ الدُّنُوِّ من السترة أن لا يكون بينهما أكثر من ثلاثة أذرع.
وممَّا يستفاد منه أيضًا أنَّ قول العلماء تحيَّة المسجد الحرام الطَّواف مخصوص بغير داخل الكعبة؛ لكونه صلى الله عليه وسلم جاء فأناخ عند البيت فدخله فصلَّى فيه ركعتين، فكانت تلك الصَّلاة إما لكون الكعبة كالمسجد المستقل أو هي تحيَّة المسجد العام، والله أعلم.
ثمَّ إنَّ مطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله (( فأغلقوا عليهم ) )، فإن قيل من جملة التَّرجمة قوله ويصلِّي في أيِّ نواحي البيت شاء، وهذا يدلُّ على التَّخيير، وفي الحديث (( بين اليمانيين ) )وهو يدلُّ على التَّعيين، فلا يطابق التَّرجمة.
فالجواب أنَّه لم تكن صلاته صلى الله عليه وسلم في ذلك الموضع قصدًا، وإنَّما وَقَعَ اتفاقًا، وهذا لا ينافي التَّخيير، ولئن سلَّمنا أنَّه كان قصدًا ولكن لم يكن قصده تحتُّمًا، وإنَّما كان اختيارًا لذلك الموضع لمزيَّته وفضله على غيره، فلا يدلُّ على التَّعيين، والحديث أخرجه مسلم في الحج أيضًا، والنَّسائي فيه وفي الصَّلاة أيضًا.
[1] في العبارة نقص وتمامها كما في فتح الباري فإنه تقع قدماه في مكان قدميه صلى الله عليه وسلم إن كانت ثلاثة أذرع ....