1605 - (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ) بالياء بعد العين المهملة، قال (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) ابنُ أبي كثير الأنصاري (قَالَ أَخْبَرَنِي زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ) أبو أسامة يروي (عَنْ أَبِيهِ) أسلم، مولى عمر بن الخطَّاب رضي الله عنهما كان يكنى أبا خالد، وكان من سبي اليمن، مات وهو ابن أربع عشرة ومائة سنة (أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ لِلرُّكْنِ) أي الحجر الأسود، خاطبه بذلك ليستمع الحاضرون (أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لأَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لاَ تَضُرُّ وَلاَ تَنْفَعُ وَلَوْلاَ أَنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ اسْتَلَمَكَ مَا اسْتَلَمْتُكَ فَاسْتَلَمَهُ) .
(ثُمَّ) أي بعد استلامه (قَالَ فَمَا لَنَا وَلِلرَّمَلِ) ويروى بغير لام والنصب فيه على الأفصح. وفي رواية
ج 8 ص 26
أبي داود من طريق هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم (( فيم الرَّمل والكَشْف عن المناكب ) ). الحديث، والمراد الاضطباع، وهي هيئة تعين على إسراع المشي؛ بأن يُدْخِلَ رِداءهَ تحت إبطه الأيمن، ويردَّ طرفه على منكبه الأيسر فيُبدي منكبه الأيمن ويستر الأيسر، وهو مستحبٌّ عند الجمهور سوى مالك، قاله ابن المنذر.
(إِنَّمَا كُنَّا رَاءَيْنَا) من المراءاة (بِهِ الْمُشْرِكِينَ) أي أردنا أن نظهرَ القوَّة للمشركين بالرَّمل ليعلموا أنَّا لا نعجزُ عن مقاومتهم، ولا نضعف عن محاربتهم، ولذلك اقتصروا على جهة الرُّكنين الشَّاميين لكون المشركين كانوا بإزاء تلك النَّاحية، فإذا مرُّوا بالرُّكنين اليمانيين مشوا على هينتهِم، كما بُيِّن في حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما.
(وَقَدْ أَهْلَكَهُمُ اللَّهُ) فلا حاجة لنا اليوم إلى ذلك، وقال القاضي عياض راءينا بوزن فاعلنا، من الرؤية؛ أي أريناهم بذلك أنَّا أقوياء.
وقال ابن مالك من الرِّياء؛ أي أظهرنا به القوَّة ونحن ضعفاء، ولهذا رُوِيَ بيائين حَمْلًا له على الرِّياء.
قال العيني والذي قاله ابن مالك هو على منهج الصَّواب دون ما قاله عياض، يَظْهر بالتَّأمُّل.
(ثُمَّ قَالَ) أي عمر رضي الله عنه. وقوله (شَيْءٌ) مرفوع على أنَّه خبر مبتدأ محذوف؛ أي هذا شيءٌ (صَنَعَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلاَ نُحِبُّ أَنْ نَتْرُكَهُ) لا يقال يجوز أن يكون (شيء) مبتدأ تخصص بالصفة، وتضمن معنى الشَّرط (فلا نحبُّ) خبره؛ لأنَّ شرط المبتدأ الذي يتضمَّن معنى الشَّرط أن لا يكون معينًا نحو كل رجل يأتيني فله درهم، وهذا شيءٌ معيَّن.
اللَّهم إلَّا أن يقال كل شيءٍ صنعه النَّبي صلى الله عليه وسلم، وهذا بعيد. وزاد يعقوب بن سفيان عن سعيد، شيخ البخاريِّ فيه في آخره (( ثمَّ رمل ) )أخرجه الإسماعيليُّ من طريقه.
قال الخطَّابي كان عمر رضي الله عنه طلوبًا للآثار بحوثًا عنها وعن معانيها، فلمَّا رأى الحجر يُسْتَلَم ولا يَعْلم فيه سببًا يظهر للحس أو يتبيَّن في العقل، ترك فيه الرَّأي وصار إلى الاتباع، ولمَّا رأى أنَّ الرَّمل قد ارتفع سبَبُه الذي كان قد أُحْدِثَ من أجله في الزَّمان الأوَّل همَّ بتركه، ثمَّ لاذ باتِّباع السنَّة متبرِّكًا به، وقد يحدث شيء من أمر الدِّين بسببٍ من الأسباب فيزول ذلك السَّبب ولا يزول حكمه كالعرايا والاغتسالِ للجمعة.
وقال الطَّبريُّ ثبت أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم رَمَل في حجَّته ولا مشركَ يومئذٍ يراه، فعُلِمَ أنَّه سنَّة مستقلة من مناسك الحج، غير أنَّا لا نرى على من تركه عامدًا ولا ساهيًا قضاء ولا فدية، لأنَّ مَن تَركَه فليس بتارك العمل، وإنَّما هو تارك بهيئة منه وصفة كالتَّلبية التي فيها رفع الصَّوت، فإن خفض صوته بها كان غير مضيِّعٍ لها ولا تارك لها، وإنَّما ضيَّع صفةً من صفاتها، فلا شيء عليه.
وفي الحديث دليلٌ على أنَّ أفعال النَّبي صلى الله عليه وسلم على الوجوب حتَّى يقوم دليل على خلافه، كذا قيل، فافهم.
وفيه أنَّ في الشَّرع ما هو تعبُّدٌ محض، وما هو معقول المعنى، وفيه دليل على غاية اتِّباع عمر رضي الله عنه للآثار. وفيه
ج 8 ص 27
دليل على أنَّ الرَّمَلَ لا يُتْرَكُ، ولكن إن تَرَكَه لا يجب عليه شيء.
وفي «التَّوضيح» قام الإجماع على أنَّه لا رَمَلَ على من أحرم بالحجِّ من مكَّة من غير أهلها. واختلفوا في أهل مكَّة هل عليهم رَمَل، فكان ابن عمر رضي الله عنهما لا يراه عليهم، وبه قال أحمد، واستحبَّه مالك والشَّافعي للمكِّي.
تكميل قال الحافظ العسقلاني إنَّ عمر رضي الله عنه كان همَّ بترك الرَّمل في الطَّواف لأنه عرف سَبَبَه، وقد انقضى، فَهَمَّ أن يتْرُكَه لفَقْد سَبَبِه، ثمَّ رجَعَ عن ذلك؛ لاحتمال أن يكون له حكمة ما اطَّلع عليها، فرأى أن الاتِّباع أولى، ومن طريق المعنى أيضًا أنَّ فاعلَ ذلك إذا فعله تذكر السَّبب الباعث على ذلك فيذكر نعمة الله تعالى على إعزاز الإسلام وأهله، ثمَّ الحديث أخرجه مسلم، والنَّسائي في الحجِّ أيضًا.