1618 - (وَقَالَ عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ) ابنُ بحر أبو حفص الباهلي البصري الصَّيرفي، قال (أَخْبَرَنَا أَبُو عَاصِمٍ) النَّبيل الضَّحاك بن مخلد، قال (قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ) هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، أبو الوليد المكِّي (أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ) هو ابن أبي رباح المكِّي (إِذْ مَنَعَ) أي حين منع (ابْنُ هِشَامٍ النِّسَاءَ الطَّوَافَ مَعَ الرِّجَالِ) وابن هشام هذا هو إبراهيم بن هشام بن إسماعيل بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم خال هشام بن عبد الملك بن مروان والي المدينة، كما قال الكلبي، وأخوه محمَّد بن هشام وكانا خاملين قبل الولاية، وقيل ابن هشام في الخبر هو محمَّد أخو إبراهيم تولَّى محمَّد إمرة مكَّة وأخوه إبراهيم إمرة المدينة، وفوَّض هشام لإبراهيم إمرة الحجِّ بالنَّاس في خلافته.
وقال خليفة بن خيَّاط في «تاريخه» وفي سنة خمس وعشرين ومائة كتب
ج 8 ص 46
الوليد بن يزيد إلى يوسف بن عمر الثَّقفي، فقدم عليه فدفع إليه خالد بن عبد الله القسري ومحمَّدًا وإبراهيم ابني هشام بن إسماعيل المخزوميين وأمره بقتلهم، فعذَّبهم حتَّى ماتا في محنته.
ثمَّ الظَّاهر أنَّ الذي منع النِّساء من الطَّواف مع الرِّجال هو هذا ابن هشام، لكن روى الفاكهي من طريق زائدة عن إبراهيم النَّخَعِي، قال (( نهى عمر رضي الله عنه أن يطوفَ الرِّجال مع النِّساء، قال فرأى رجلًا معهن فَضَرَبه بالدرَّة ) ). وهذا إن صحَّ لم يعارض الأوَّل؛ لأنَّ ابن هشام منعهنَّ أن يطفن حين يطوف الرِّجال مطلقًا، فلهذا أنكر عليه عطاء. واحتجَّ بصنيع عائشة رضي الله عنها، وصنيعها شبيه بهذا المنقول عن عمر رضي الله عنه.
قال الفاكهي ويذكر عن ابن عيينة أوَّل من فرَّق بين الرِّجال والنِّساء في الطَّواف خالد بن عبد الله القسري. انتهى.
وهذا إن ثبت فلعلَّه صنع ذلك وقتًا ثمَّ تركه، فإنَّه كان أميرًا بمكَّة في زمن عبد الملك بن مروان، وذلك قبل ابن هشام بمدَّة طويلة، والأوَّل اسم لفرد سابق، وكلُّ واحد (أوَّل) بالنسبة إلى ما بعده، فافهم.
ثمَّ قوله (إذ منع) في محل النصب على أنه مفعول ثان لأخبرني، وقال الكِرماني المفعول الثَّاني هو قوله (قَالَ كَيْفَ يَمْنَعُهُنَّ) ويجوز أن يكون (إذ منع) ، والتَّقدير أخبرني بزمان المجيء قائلًا كيف يمنعهن، وقوله يمنعهن، يروى بلفظ الخطَّاب وبلفظ الغيبة؛ أي كيف يمنعهن المانع (وَقَدْ طَافَ نِسَاءُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ الرِّجَالِ) يعني طافوا في وقتٍ واحد غير مختلطات بالرِّجال؛ لأنَّ سنَّتهن أن يطفنَ ويصلِّين من وراء الرِّجال. وقال ابن بطَّال من السنَّة إذا أراد النِّساء دخول البيت أن يخرج الرِّجال منه خلاف الطَّواف به.
(قُلْتُ) القائل ابن جريج (أَبَعْدَ الْحِجَابِ) بهمزة الاستفهام، كما في رواية المستملي وبدونها في رواية غيره؛ أي أبعد نزول آية الحجاب، وهي قوله تعالى {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ} الآية [النور 31] ،
ج 8 ص 47
أو قوله تعالى {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ} الآية [الأحزاب 53] .
(أَوْ قَبْلُ) بالضم (قَالَ) أي عطاء (إِيْ) بكسر الهمزة، بمعنى نعم (لَعَمْرِي) أي لَواهبُ عُمري ما أُقْسِمُ به (أَدْرَكْتُهُ) أي أدركت طواف النِّساء معهم (بَعْدَ الْحِجَابِ) وإنَّما ذكر عطاء ذلك لدفع توهُّم من يتوهَّم أنَّه حمل ذلك عن غيره، ودلَّ على أنَّه رأى ذلك منهنَّ. قال ابنُ جريج (قُلْتُ كَيْفَ يُخَالِطْنَ الرِّجَالَ) بالنصب على المفعولية (قَالَ) عطاء (لَمْ يَكُنَّ يُخَالِطْنَ) وفي رواية المستملي في الموضعين، فعلى هذا فالرِّجال رفع على الفاعلية.
(كَانَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا تَتطوَّفُ حَجْرَةً) بفتح الحاء المهملة وسكون الجيم، بعدها راء؛ أي ناحية (مِنَ الرِّجَالِ لاَ تُخَالِطُهُمْ) قال القزاز هو مأخوذ من قولهم نزل فلان حَجْرة من النَّاس؛ أي معتزلًا، وقيل يعني محجورًا بينها وبين الرِّجال بثوب ونحوه. وقال ابن قُرْقُول هو بفتح الحاء وسكون الجيم لا غير، وفيه نظر؛ لأنَّ ابن عديس وابن سيده قالا يقال قعد حَجرة وحُجرة، بالفتح والضم؛ أي ناحية، وقال ابن سيده وجمعها حَواجر، على غير قياس. وفي رواية الكُشْمِيْهني بالزاي بدل الراء، وهي رواية عبد الرَّزَّاق (فَقَالَتِ امْرَأَةٌ) وزاد الفاكهي في روايته (( معها ) ).
قال الحافظ العسقلاني ولم أقف على اسم هذه المرأة، ويحتمل أن تكون دِقْرة، بكسر الدال مهملة وسكون القاف، امرأةٌ روى عنها يحيى بنُ أبي كثير أنَّها كانت تطوف مع عائشة رضي الله عنها باللَّيل فذكر قصَّة أخرجها الفاكهي.
(انْطَلِقِي نَسْتَلِم) بالرفع والجزم، ويروى بحذف النون (يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ انْطَلِقِي عَنْكِ) أي عن جهة نفسك ولأجلك (وَأَبَتْ) أي منعت عائشة رضي الله عنها الاستلام (يَخْرُجْنَ) وفي رواية الفاكهي (( فكن يخرجن ) )إلى آخره (مُتَنَكِّرَاتٍ) حال، وفي رواية عبد الرَّزَّاق (( مستترات ) ).
(بِاللَّيْلِ فَيَطُفْنَ مَعَ الرِّجَالِ وَلَكِنَّهُنَّ كُنَّ إِذَا دَخَلْنَ الْبَيْتَ قُمْنَ) وفي رواية الفاكهي (( سترن ) ) (حَتَّى يَدْخُلْنَ) وفي رواية الكُشْمِيْهني وكذا هو للفاكهي، والمعنى إذا أردن
ج 8 ص 48
الدُّخول وقفن قائمات حتَّى يدخلن، حال كون الرِّجال مخرجين منه فقوله (وَأُخْرِجَ الرِّجَالُ) على صيغة البناء للمفعول جملة حاليَّة (وَكُنْتُ) أي قال عطاء وكنت (آتِي عَائِشَةَ أَنَا وَعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ) اللَّيثي الحجازي قاضي مكَّة، ولد في زمن النَّبي صلى الله عليه وسلم، وهما مصغَّران.
وسيأتي إن شاء الله تعالى في أوَّل الهجرة [خ¦3900] من طريق الأوزاعي عن عطاء قال (( زرت عائشة رضي الله عنها مع عُبَيْد بن عمر ) ).
(وَهِيَ مُجَاوِرَةٌ) أي مقيمة، والواو للحال (فِي جَوْفِ ثَبِيرٍ) بفتح الثاء المثلثة وكسر الموحدة وسكون المثناة التحتية وآخره راء، هو جبلٌ عظيم بالمزدلفة على يسار الذَّاهب منها إلى منى، وعلى يمين الذاهب من منى إلى عرفات وهو منصرف. وذكر ياقوت أنَّ بمكَّة سبعةُ جبال كلٌّ منها يسمى ثبيرًا.
الأوَّل أعظم جبال مكَّة، بينها وبين عرفات. وقال الأصمعيُّ هو ثبير حراء، وهو المراد بقولهم في الجاهلية أشرقْ ثبير كيما نغير، وسيأتي إن شاء الله تعالى بعد قليل.
الثَّاني ثبير الزِّنج؛ لأنَّ الزِّنج كانوا يلعبون ثمة.
الثَّالث ثبير الأعرج.
الرَّابع ثبير الخضراء.
الخامس ثبير النصع، وهو جبل المزدلفة.
السَّادس ثبير غَيْنَا، كل هذه جبال مكَّة.
السَّابع ثبير ماء في ديار مزينة، أقطعه رسول الله صلى الله عليه وسلم شريح بن حمزة المزني. وقال البكري السَّابع ثبيرُ الأحدب على الإضافة، وحكاه ابن الأنباري على النعت.
وقال الزَّمخشري ثبيران جبلان مفترقان تصبُّ بينهما أُفَاعِيَة، وهي واد تصب من منى يقال لأحدهما ثبير غَينا، وللآخر ثبير الأعرج.
(قُلْتُ) أي قال ابن جريج قلت لعطاء (وَمَا حِجَابُهَا) زاد الفاكهي (( حِيْنَئذٍ ) ) (قَالَ) أي عطاء (هِيَ فِي قُبَّةٍ) أي خيمة (تُرْكِيَّةٍ) والقبة التركية التي تعمل من اللَّبود تضرب في الأرض (لَهَا غِشَاءٌ) أي غطاء (وَمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَهَا غَيْرُ ذَلِكَ وَرَأَيْتُ عَلَيْهَا) أي على عائشة رضي الله عنها (دِرْعًا) أي قميصًا (مُوَرَّدًا) أي لونه لون الورد؛ أي أحمر، وفي رواية عبد الرَّزَّاق (( درعًا مصفرًا وأنا صبي ) )فتبيَّن بهذه الرِّواية سبب رؤيته إيَّاها، ولا حاجة إلى ما يقال إنَّه ما رآها، بل رأى ما عليها على سبيل الاتفاق لا قصدًا.
وفي الحديث طواف النِّساء
ج 8 ص 49
متنكِّرات، وفيه طواف اللَّيل، وفيه ستر نسائه صلى الله عليه وسلم بعد ذلك وحجبهن، وفيه رواية المرأة عن المرأة، وفيه المجاورة بمكَّة؛ وهو نوعٌ من الاعتكاف وهو ضربان مجاورة ليلًا ونهارًا، ومجاورة نهارًا فقط.
وفيه جواز المجاورة في الحرم كله، وإن لم يكن في المسجد الحرام، كذا قاله ابن بطَّال وفيه نظر؛ لأنَّ ثبيرًا خارج من مكَّة، وفيه طواف النِّساء من وراء الرِّجال، وهذا الحديث من أفراد البخاري.