فهرس الكتاب

الصفحة 2575 من 11127

1635 - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) هو ابن شاهين الواسطي، وقال صاحب «التَّلويح» هو إسحاق بن بشر، وهو وهم، قاله العَيْنِي، قال (حَدَّثَنَا خَالِدٌ) هو ابن عبد الله الطَّحان (عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ) هو ابن مهران (عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما، وقد مرَّ هذا الإسناد بعينه في أوَّل الباب الذي قبله [خ¦1632] (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَاءَ إِلَى السِّقَايَةِ) قد مرَّ أنَّ السِّقاية ما يبنى للماء؛ أي الموضع الَّذي يستقي فيه الماء. وفي «المجمل» هو الموضع الذي يُتَّخَذُ فيه الشَّرابُ في الموسم وغيره.

(فَاسْتَسْقَى) أي طلب الشرب (فَقَالَ الْعَبَّاسُ) رضي الله عنه (يَا فَضْلُ) بسكون الضاد المعجمة، هو ابن العبَّاس أخو عبد الله رضي الله عنهم (اذْهَبْ إِلَى أُمِّك) وهي لبابة بنت الحارث الهلالية (فَأْتِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشَرَابٍ مِنْ عِنْدِهَا فَقَالَ اسْقِنِي، قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُمْ يَجْعَلُونَ أَيْدِيَهُمْ فِيهِ) وفي رواية الطَّبراني من أبي كُرَيب عن أبي بكر بن عيَّاش، عن يزيد بن أبي زياد، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال (( لمَّا طاف النَّبي صلى الله عليه وسلم أتى العبَّاس وهو في السِّقاية فقال اسقوني، قال العبَّاس إنَّ هذا قد مَرَتَ؛ يعني قد مَرَس، أفلا أسقيك مما في بيوتنا؟ قال لا، ولكن اسقوني مما يشرب النَّاس فأتَيَ به فذاقه فقطبَّ، ثمَّ دعا بماء فكسره، ثمَّ قال إذا اشتدَّ نبيذكم فاكسروه بالماء ) )، وعُرِفَ بهذا جنسُ المطلوب شربه.

وتقطيبه منه إنَّما كان لحموضته فقط، وكسره بالماء ليهون عليه شربه، ومثل ذلك يحمل على ما روي عن عمر وعلي رضي الله عنهما فيه لا غير.

وروى مسلم من حديث بكر بن عبد الله المزني قال (( كنت جالسًا مع ابن عبَّاس رضي الله عنهما عند الكعبة فأتاه أعرابيٌّ فقال مالي أرى بني عمِّكم يسقون العسل واللَّبن وأنتم تسقون النَّبيذ أمن حاجةٍ بكم أم من بُخْل، فقال ابن عبَّاس رضي الله عنهما الحمد لله ما بِنَا من حاجةٍ ولا بخل، قدم النَّبي صلى الله عليه وسلم على راحلته وخلفه أسامة فاستسقى فأتيناه بإناء فيه نبيذ فشرب وسقى فضله أسامة، وقال أحسنتم وأجملتم كذا فاصنعوا، ولا نزيد على ما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ).

(قَالَ اسْقِنِي)

ج 8 ص 76

ويروى الفاء فيه فصيحة؛ أي فذهب فأتى بالشَّراب فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم (( اسقني ) )، وفيه نظرٌ لا يخفى (فَشَرِبَ مِنْهُ) ففيه أنَّ الأصل في الأشياء الطَّهارة لتناوله صلى الله عليه وسلم من الشَّراب الذي غمست فيه الأيدي.

(ثُمَّ أَتَى زَمْزَمَ) جملة حالية؛ أي يسقون النَّاس (وَيَعْمَلُونَ فِيهَا) أي ينزحون منها الماء (فَقَالَ اعْمَلُوا فَإِنَّكُمْ عَلَى عَمَلٍ صَالِحٍ، ثُمَّ قَالَ لَوْلاَ أَنْ تُغْلَبُوا) بضم التاء على البناء للمفعول (لَنَزَلْتُ حَتَّى أَضَعَ الْحَبْلَ عَلَى هَذِهِ؛ يَعْنِي عَاتِقَهُ، وَأَشَارَ إِلَى عَاتِقِهِ) أي لولا أن يجتمع عليكم النَّاس، ومن كثرة الزحام تصيرون مغلوبين، وقال الدَّاودي أي إنَّكم لا تتركوني أستقي، ولا أحبُّ أن أفعل بكم ما تكرهون فتغلبوا.

وقيل معناه لولا أن يقع عليكم الغلبة بأن يجب عليكم ذلك بسبب فعلي، وقيل معناه لولا أن يغلبكم الولاة على هذا العمل بأن ينتزعوه منه حرصًا على حيازة هذه المأثرة والمكرمة.

وقيل معناه لولا أن يغلبكم النَّاس على هذا العمل إذا رأوني قد عملته لِرَغْبَتِهم في الاقتداء بي، فيغلبوكم بالمكاثرة لفعلتُ، ويؤيِّد هذا ما أخرجه مسلم من حديث جابر رضي الله عنه قال (( أتى النَّبي صلى الله عليه وسلم بني عبد المطَّلب وهم يسقون على زمزم، فقال انزعوا بني عبد المطَّلب، فلولا أن يغلبكم النَّاس على سقايتكم لنزعتُ معكم فناولوه دَلوًا فشَرِبَ منه ) ).

وذكر ابن السَّكن أنَّ الذي ناوله الدَّلو هو العبَّاس بن عبد المطلب، وقال ابن بَزِيْزة أراد بقوله لولا أن تغلبوا. .. إلى آخره قصرَ السِّقاية عليهم وأن لا يُشَارَكُوا فيها.

قال الخطَّابي وفيه دليلٌ على أنَّ الظَّاهر أنَّ أفعاله صلى الله عليه وسلم فيما يتعلَّق بأمور الشَّريعة على الوجوب فتَرْك الفعلَ شفقة أن يُتَّخَذَ سنَّة.

واختلفوا في الشُّرب من سقاية الحاج، قال طاوس الشُّرب من سقاية العبَّاس من تمام الحجِّ. وقال عطاء لقد أدركت هذا الشُّرب، وإنَّ الرَّجل يشرب فتلتزق شفتاه من حلاوته، فلمَّا ذهب الأحرار وَوَليَ العبيدُ تهاونوا بالشُّرب واستخفُّوا به. وروى ابن أبي شيبة عن السَّائب بن عبد الله أنَّه أمر مجاهدًا مولاه بأن يشرب من سقاية العبَّاس ويقول إنه من تمام السنَّة.

وقال الرَّبيع بن سعد أتى أبو جعفر السِّقاية فشرب وأعطى جعفر فضله، وممَّن شرب منها سعيد بن جبير وأمر به سويدُ بن غفلة. وروى ابن جريج،

ج 8 ص 77

عن نافع (( أنَّ ابن عمر رضي الله عنهما لم يكن يشرب من النَّبيذ في الحجِّ ) )، وكذا روى خالد بن أبي بكر أنَّه حجَّ مع سالم ما لا يحصى فلم يره يشرب من نبيذ السِّقاية، وفي الحديث إثبات أمر السِّقاية للحاج، وأنَّ مشروعيَّته من باب إكرام الضَّيف واصطناع المعروف.

وفيه أيضًا أنَّ الذي أُرْصِدَ للمصالح العامة لا يحرم على النَّبي صلى الله عليه وسلم ولا على آله كالمياه التي تكون في السِّقايات التي تشربها المارَّة؛ لأنَّ العبَّاس رضي الله عنه أرصد سقاية زمزم لذلك، وقد شرب منها النَّبي صلى الله عليه وسلم.

قال ابن المنيِّر في «الحاشية» مجمل الأمر في مثل هذا أنَّها مَرْصَدة للنَّفع العامِّ فيكون للغنيِّ في معنى الهديَّة، وللفقير صدقة. وقال ابن التِّين شربه صلى الله عليه وسلم لا يخلو أن يكون ذلك من مال الكعبة الذي كان يؤخذ لها من الخمس أو من مال العبَّاس الذي عمله للغني والفقير، فشرب منه صلى الله عليه وسلم ليسهل على النَّاس.

وفيه أيضًا أنَّه لا يكره طلب السقي من الغير ولا رَدُّ ما يُعْرَضُ على المرء من الإكرام إذا عارضته مصلحة أولى منه؛ لأنَّ ردَّه لِمَا عرض عليه العبَّاس ما يُؤْتَى به من بيته لمصلحة التَّواضع التي ظهرت من شربه صلى الله عليه وسلم ممَّا يشرب منه النَّاس.

وفيه أيضًا التَّرغيب في سقي النَّاس خصوصًا المارة، وخصوصًا بماء زمزم. وفيه أيضًا تواضع النَّبي صلى الله عليه وسلم وحرص أصحابه على الاقتداء به، وكراهة التقذُّر والتكرُّه للمأكولات والمشروبات، والحديث من أفراد البخاري.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت