فهرس الكتاب

الصفحة 2577 من 11127

1636 - (وَقَالَ عَبْدَانُ) هو لقب عبد الله بن عثمان المروزي، وسيأتي إن شاء الله تعالى في أحاديث الأنبياء [خ¦3342] بلفظ وقال لي عبدان، بزيادة قوله (( لي ) ) (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ) هو ابن المبارك المروزي، قال (أَخْبَرَنَا) وفي رواية (يُونُسُ) هو ابن يزيد الأيلي (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم بن شهاب، أنَّه قال (قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) رضي الله عنه (كَانَ أَبُو ذَرٍّ) هو الغفاري رضي الله عنه (يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فُرِجَ) بضم الفاء وكسر الراء وبالجيم؛ أي فتح (سَقْفِي) والمعنى فُتِحَ فيه فَتْح، وروي فُشِقَ وأضاف السَّقف إلى نفسه مع أنَّه بيت أمِّ هانئ، كما ثبت في الرِّواية، بأدنى ملابسة، وما رُوِيَ أنَّه كان في الحَطيم، فمحمول على كون العروج مرَّتين أو على أنَّه صلى الله عليه وسلم دخل بعد ذلك بيت أم هانئ، ومنه عُرِجَ به إلى السَّماء، فافهم.

(وَأَنَا بِمَكَّةَ فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ فَفَرَجَ) بفتح الفاء والراء وبالجيم؛ أي شقَّ (صَدْرِي) وفي رواية ، ويروى (ثُمَّ غَسَلَهُ بِمَاءِ زَمْزَمَ) وإنَّما غسله بماء زمزم لفضله على سائر المياه حتَّى قيل إنَّه أفضل من الكوثر، أو لأنَّه يقوِّي القلب (ثُمَّ جَاءَ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ) وذلك كان على أصل الإباحةِ، والتَّحريمُ إنَّما كان بالمدينة، على أنَّه فِعْلُ الملائكة واستعمالُهم، ولا يلزم أن يكون حُكمُهم كحُكْمِنا، كما لا يلزم أن يكون حُكْمُ الآخرة كحكم الدُّنيا، وإنَّما كان منْ ذَهَبٍ؛ لأنَّه أعلى أواني الجنَّة، وهو رأس الأثمان.

وله خواصٌ منها أنَّه لا تأكله النَّار، ولا تأكله الأرض ولا تغيره، وهو أنقى شيء

ج 8 ص 80

وأصفاه، يقال في المثل أنقى من الذَّهب، وهو سببٌ للفرح والسُّرور، قال الشاعر

~صفراءُ لا تَنزلُ الأحزانُ ساحتَها لو مسَّها حجرٌ مسَّته سرَّاءُ

وهو أثقل الأشياء فيُجعل في الزِّئبق الذي هو أثقل الأشياء فيرسب، وهو أوفق لثقل الوحي، وهو عزيز وبه يتمُّ الملك.

(مُمْتَلِئٍ) بالجر، صفة طست (حِكْمَةً وَإِيمَانًا) قال النَّووي إنَّ الحكمة فيها أقوالٌ مضطربة صَفَا لنا منها أنَّها عبارة عن العلم المتَّصف بالأحكام المشتمل على المعرفة بالله، المصحوب بنفاذ البصيرة، وتهذيب النَّفس، وتحقيق الحق والعمل، والصد عن اتِّباع الهوى والباطل، فالحكيم من حَازَ ذلك كلَّه.

وقال ابن دريد كل كلمةٍ وَعَظَتْك أو زَجَرَتْك أو دَعَتْك إلى مَكْرُمة أو نهتك عن قبيحٍ فهي حكمة. وقيل هي النبوَّة، وقيل هي الفهم عن الله.

وقال ابن سيده القرآن كفى به حكمة، وذلك لأنَّه مشتملٌ على ذلك كله، والأمَّة صارت علماء بعد جهل، وجَعْلُ الإيمان والحكمة في الإناء وإفراغهما في صدره كما قال صلى الله عليه وسلم (فَأَفْرَغَهَا فِي صَدْرِي) مع أنَّهما معنيان، وذلك من صفات الأجسام، من أحسن المجازات، والمعنى أنَّ الطست جعل فيه شيء يحصل بسببه كمال الإيمان والحكمة فأطلقا عليه تسميةً للشيء باسم مسبِّبه، أو هو من باب التَّمثيل بناء على جواز تمثيل المعاني؛ لينكشف بالمحسوس ما هو معقول (ثُمَّ أَطْبَقَهُ) أي صدره الشَّريف، يقال أطبقت الشَّيء إذا غطَّيته وجعلته مطبقًا.

وفي «التَّوضيح» لمَّا فعل به ذلك خَتَمَ عليه كما يُخْتَمُ على الوعاء المملوء، فجمع الله له أجزاء النبوَّة وختمها، فهو خاتم النَّبيين، فلم يجد عدوُّه سبيلًا إليه؛ لأنَّ الشَّيء المختوم محروس، وقد جاء أنَّه استخرج منه علقة وقال (( هذا حظُّ الشيطان ) ).

(ثُمَّ أَخَذَ) أي جبريل (بِيَدِي فَعَرَجَ) أي صعد، يقال عَرَج يَعْرُج عُرُوجًا من باب نَصَر يَنْصُر؛ أي رقى وارتفع وعلا.

والمعراج شبه سلَّم تعرج عليه الأرواح، وقيل هو حيث تَصعدُ أعمال بني آدم (بي إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا) تأنيث الأدنى؛ بمعنى الأقرب، وصفت به لكونها أقرب إلى الأرض من غيرها، وروى

ج 8 ص 81

ابن حبَّان في «صحيحه» مرفوعًا (( ما بين السَّماء والأرض مسيرة خمسمائة عام ) ).

وقد روى أيضًا (( أنَّ ما بين كلِّ سمائين كذلك ) )، وقد ذكر أبو جعفر محمَّد بن عثمان بن أبي شيبة بإسناده إلى العبَّاس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( هل تدرون كم بين السَّماء والأرض؟ قلنا الله ورسوله أعلم، قال بينهما خمسمائة عام، وكِثَفُ كلِّ سماءٍ خمسمائة سنة، وفوق السَّماء السَّابعة بحرٌ بين أَسْفَلِه وأعلاه كما بين السَّماء والأرض ) ).

وفي رواية أبي سعيد أحمد بن محمَّد بن زياد (( وما بين السَّماء السَّابعة إلى الكرسيِّ كذلك، والماء على الكرسي والعرش على الماء ) ).

(قَالَ جِبْرِيلُ لِخَازِنِ السَّمَاءِ الدُّنْيَا افْتَحْ) أي الباب، وهذا يدلُّ على أنَّ الباب كان مغلقًا، قال ابن المنيِّر حكمته أن يتحقَّق النَّبي صلى الله عليه وسلم أنَّ السَّماء لم تفتح إلَّا لأجله بخلاف ما وجده مفتوحًا، وفيه أيضًا دلالة على أنَّ عروجه صلى الله عليه وسلم كان بجسده إذ لو لم يكن بجسده لما استفتح.

(قَالَ) أي الخازن (مَنْ هَذَا؟ قَالَ جِبْرِيلُ) وقد مرَّ هذا الحديث بتمامه في باب كيف فرضت الصَّلاة في الإسراء في أوَّل كتاب الصَّلاة [خ¦349] ، وقد مرَّ الكلام فيه أيضًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت